إذا كان هناك ثمة درس بعد الصعود الأخير لأسعار المواد الخام ( تضاعف أسعار البترول منذ مطلع السنة) وارتفاع معظم الأسواق الرئيسية ( بين 20 و بالمائة 60 من أقل نقطة انخفاض خلال العام)، وبعد مضي سنتين تقريبا على اندلاع أزمة الرهن العقاري في أميركا، فهو أن الأسواق متحركة لا جامدة، وأن الأزمة الاقتصادية العالمية يبدو أنها تجاوزت الأسوأ، وأن السياسات التي اتبعتها الحكومات قد تبلورت محاورها بشكلين لا ثالث لهما هما حزم تحفيزية أو تأميم المؤسسات المالية ( وفي كثير من الأحيان الاثنين معا) ، لكن يبقى الاستنتاج الأهم فهو أن الوقت مازال مبكرا لانسحاب الحكومات من التدخل.
وقال تقرير للمركز المالي الكويتي «المركز» إن القطاع المالي الكويتي وإن كان في قلب الأزمة، فان أبعاد الأزمة الاقتصادية الحالية لا يمكن اختصارها بمعركة بين الخير (الشفافية والحكم السليم) والشر ( ضعف شفافية بعض الشركات وأخطاء البعض الآخر) ، فهي تمتد إلى مسؤوليه تاريخية تمس جميع اللاعبين (حكومة وقطاع خاص، وراسمي السياسات الاقتصادية)، فالشفافية والحركة السريعتان مطلوبتان من الجميع لا شركات القطاع المالي فقط.
وأضاف: سواء شئنا أم أبينا، فقطاع الاستثمار في دولة الكويت هو الثاني في الأهمية بعد القطاع المصرفي ويكاد يضاهيه من حيث حجم الأصول والموجودات ، وسبب تراجع ربحيته في الربع الرابع من العام 2008 تدهور بشكل كبير يمثل
50 % من ربحية جميع القطاعات الكويتية المدرجة مجتمعة، و25% من تراجع ربحية جميع الشركات الخليجية المدرجة بين العامين 2007 و 2008، وحالة الشلل التي يعيشها القطاع حاليا هي سبب رئيسي في حالة الجمود التي تعيشها الحياة الاقتصادية في البلاد، مما يهدد بتدهور في القطاعات الأخرى من جديد ما لم تكن هناك خطة واضحة للتحرك.
وتابع: سواء كان تأخر البت في قرارات مصيرية بشأن القطاع عن ترو، أو تمهل ديمقراطي لتجميع أكبر قدر من الأصوات لدعم التدخل الحكومي بشكل أو بآخر ، أو حساسية وطنية مفرطة بشأن المال العام، فلا يجب أن نتوهم أننا قادرون على إعادة اختراع العجلة من خلال حلول جديدة غير تلك المقدمة عالميا، كما لا يمكننا أن نختصر الأزمة الحالية بمجرد اندفاع بعض مديري الاستثمار والمخاطر التي اتخذوها.
تأخر النتائج
أكد التقرير أن شركات الاستثمار الكويتية تأخرت في إعلان نتائجها المالية لعام 2008 بنحو أربعة أشهر ، مما يبرز الظروف الصعبة التي مرت بها، كما يقول المركز المالي الكويتي «المركز» في دراسة أصدرها مؤخراً وتهدف إلى إيضاح الوضع المالي الراهن لقطاع الاستثمار الكويتي في ضوء الاضطرابات التي شهدها عام 2008، بالإضافة إلى إلقاء الضوء على التحديات التي تواجه هذا القطاع في عام 2009 من خلال اختبار للضغط، وكذلك سبل التصرف المحتملة لشركات الاستثمار.
توقعات متفائلة
وأشار تقرير «المركز» إلى أنه على الرغم من الأداء المريع لهذا القطاع في عام 2008 (بخسارة صافية بلغت 892 مليون دينار كويتي أو 09 .3 مليار دولار أميركي)، بسبب خسائر الاستثمار الكبيرة على خلفية انخفاض قيمة الأصول، إلا أنه من المحتمل لعام 2009 أن يكون أفضل بدرجة هامة بالنسبة لشركات الاستثمار في هذا القطاع نتيجة لأسباب تعود الى استعادة بعض عوامل الثقة أكثر من عوامل حقيقية للنمو .
وقد جاءت الخسائر في عام 2008 كنتيجة لمزيج سامّ من الأصول التي انخفضت قيمها (وخاصة الأصول غير السائلة مثل الشركات الخاصة والعقار وغيرها) والانخفاض الحاد لأسواق الأسهم في مختلف أنحاء العالم والذي سبب تراجعاً في قيم الاستثمارات والصناديق المدرجة.
اختبارات ضغط
وما دامت اختبارات صندوق النقد الدولي تشكل مسطرة جديدة لتقييم أحوال القطاع المصرفي عالميا، أجرى التقرير اختباراً للضغط للاستثمارات المسعرة وغير المسعرة، والتي تشكل مصدر معظم إيرادات شركات الاستثمار وكانت السبب الأساسي في خسائر عام 2008، حيث أظهر هذا الاختبار أن الأرباح المجمعة لشركات الاستثمار يفترض أن تلامس 713 مليون دينار كويتي خلال عام 2009 مقارنة بالخسائر البالغة 892 مليون دينار خلال عام 2008. غير أن مستوى الأرباح المتوقع يظل أقل من مستوى الأرباح القياسية التي حققها قطاع الاستثمار خلال عام 2007 والتي بلغت 903 ملايين دينار كويتي.
احتياجات الدعم الحكومي
وقال تقرير المركز: أثبت قطاع الاستثمار الكويتي أنه يتميز بنسبة دين عالية في عام 2008، فاستناداً إلى محفوظات الشركة، كانت نسبة الدين إلى حقوق المساهمين لدى قطاع الاستثمار 94 .0 مرة في عام 2007، وهي نسبة قفزت إلى 48 .1 مرة في عام 2008 باعتبار أن الشركات قد حصلت على المزيد من الدين وخسرت رأس المال على خلفية التغيرات في احتياطيات القيمة العادلة والخسائر المتراكمة.
ومع بقاء المطلوبات ثابتة على حالها في عام 2009، فإننا نتوقع لمجموع حقوق المساهمين أن يتقلص إلى حوالي 09 .3 مليارات دينار كويتي بالتزامن مع انخفاض مجموع الأصول إلى 32 .8 مليارات دينار كويتي مع مواصلة الأصول للخسارة في قيمها أو مع تسييل هذه الأصول لدفع الديون القائمة.
وهذا ما سوف يؤدي بنسبة الدين إلى حقوق المساهمين في هذا القطاع للقفز إلى 70 .1 مرة. وبمعنى آخر، سيحتاج هذا القطاع إلى ضخ رأسمال بمبلغ 13 .2 مليار دينار كويتي ليعيد نسبة الدين مجدداً إلى معدل 1 مرة. و يعتبر رقماً معقولاً وضمن حدود طاقة البلاد في ضوء الاحتياطيات الضخمة التي راكمتها في السنوات القليلة الماضية على خلفية أسعار النفط المرتفعة.
حقائق جديدة
وفي ضوء النمو اللافت لقطاع الاستثمار في الكويت على مدى السنوات القليلة الماضية، مقروناً بحدة الأزمة المالية العالمية الأخيرة وانعكاساتها على دولة الكويت حتى الآن، سيتعين على شركات الاستثمار في الكويت أن تكيف نفسها مع حقائق النظام المالي العالمي الجديد.
حيث سيصبح الحصول على الائتمان / السيولة أصعب من قبل، وسيطلب العملاء المزيد من البساطة في المنتجات. ونتيجة لذلك، فإننا نرى بضعة أقنية محتملة قد تختار شركات الاستثمار اتباعها لتحافظ على بقائها واستمراريتها في السنوات المقبلة.
نماذج ونماذج بديلة
أوضحت خسائر عام 2008 أن نماذج العمل الحالية التي يستخدمها قطاع الاستثمارالكويتي عالية التقلب وغير قابلة للديمومة على المدى الطويل. ونتيجة لذلك، فإن هذه الأزمة توفر لشركات الاستثمار فرصة لتعديل نماذج عملها إلى نموذج عمل يركز على الأنشطة المدرة للرسوم، وهي بطبيعتها مصدر متكرر ومستقر للإيرادات، إضافة إلى تحقيق درجة أكبر من التنويع في هيكل أصولها بحيث تشمل استثمارات أكثر سيولة لمواءمة مواعيد استحقاق مستويات الدين الأقصر أجلاً.
وربما كان دمج الشركات من أوضح السبل للبقاء والاستمرارية في المناخ المالي الحالي وذلك من خلال عمليات الدمج والاستحواذ بين شركات الاستثمار. فالواقع أن في البلاد شركات استثمار تفوق الطاقة الاستيعابية للسوق (100 شركة)، ونتوقع أن نرى الكثير من الشركات الصغيرة والضعيفة تغلق أبوابها أو يتم الاستحواذ عليها من قبل شركات أكبر.
فرصة تاريخية للربح
أكد تقرير المركز أن المشهد الراهن يمثل فرصة تاريخية لتحقيق الربح، باعتبار أن قيم الأصول المتعثرة تجعل المساعدة الحكومية مغرية مالياً من خلال شراء الأصول المتعثرة التي تنطوي على إمكانية التعافي أو الارتفاع في القيمة في وقت لاحق. فالحلول المبتكرة الهادفة إلى حلّ مشكلة السيولة وحفظ مصالح جميع الأطراف المعنية قد توفر مناخاً لصعود مهم في قيم كل تلك الأصول.
وقال: من المتوقع للسنوات المقبلة لأن تكون فترة من الحركة النشطة لقطاع الاستثمار في الكويت، مع فرص وفيرة لتحقيق الأرباح للشركات والمؤسسات العامة على حدّ سواء. وفضلاً عن ذلك، توفر الأزمة المالية فرصة لشركات الاستثمار لإعادة هيكلة نماذج عملها بهدف تجنب تعرضها لأزمات مشابهة في المستقبل.
