لم يكن المشهد في السوق العقاري المحلي واضحاً خلال الأشهر الستة الماضية، فتداعيات الأزمة العالمية من مخاوف وقلق سيطرا بشكل لافت وبمساحات غير مبررة على تحركات القطاعات المتصلة بصناعة العقار بسرعة البرق، ورحّلت بعض المشاريع إلى رفوف التأجيل، ونقلت العديد من الشركات العقارية والمستثمرين إلى مقاعد المتفرجين والمراقبين فتأثر أداء سوقي العقارات والإنشاءات ولم يبق غير أصوات اللاعبين من ذوي الملاءة المالية المستقرة، لكن المؤشرات اليوم تعكس تفاؤلاً لما يحمله رحم النصف الثاني من العام الجاري.
في هذا الملف يستطلع (البيان الاقتصادي) ملامح شهر العسل الجديد بين السوق العقاري والانتعاش المقبل معتمدة على نجاح السوق في تلمس طريقه للخروج من تداعيات الأزمة العالمية ضارباً أكثر من عصفور بحجر واحد. فالمستثمرون باتوا أكثر نضجاً وحذراً والأسعار تخلت عن جناية حرق أحلام الراغبين بتملك منزل العمر.
فيما تلقى المؤجرون ضربات موجعة لطموحاتهم غير المشروعة بتحقيق أرباح على أكتاف الطلب المرتفع أمام المعروض المتراجع بينما بدأت الرياح تلبي ما تشتهيه سفن التطوير العقاري من مرونة التمويل إلى استقرار مواد البناء وتكلفته وأجور العمالة بعد تراجع صحي في القيمة. في الحلقة الخامسة والأخيرة من المشهد العقاري خلال ال6 أشهر المقبلة يستعرض (البيان الاقتصادي) كيف بدأ الوسطاء بنزع قبعة المضاربين ليتولوا دفة الصفقات العقارية.
قبل عامين
لابد من العودة إلى عامي 2002 و2003 يومها لم يكن هناك غير شركات تطوير عقاري على عدد الأصابع، لتضع بصمتها وتحقق السبق مع انطلاق الطفرة في ظل المناخ الاستثماري النموذجي الذي صاغته دبي على وجه الخصوص ليلحق بركبها لاحقاً كل المتشككين. وكان من الطبيعي أن تتكاثر شركات التطوير العقاري لتتجاوز الألف بحلول عام 2008، ومابين عامي 2002 و2008 تشكلت صورة السوق العقاري وحقق المتعاملون فيه أرباحاً لن تتحقق لهم حتى في الظروف المختبرية النموذجية.
لقد لعب المضاربون دوراً مؤثراً في وصول أسعار العقارات إلى المستويات المتضخمة التي بلغتها حتى نهاية الربع الثالث من عام 2008 وما ان أطلت الأزمة العالمية برأسها في الربع الرابع من العام ذاته حتى كان العدد الأكبر من المضاربين قد غادروا الملعب ليتخذوا مواقع جديدة في المدرجات مراقبين ومتابعين عن كثب ما ستؤول إليه الأمور بعد ان أصبح القلق غير المبرر الثوب الذي يرتديه اغلب العاملين والمتعاملين في السوق العقاري فتراجعت معدلات عمليات البيع والشراء.
ويجب الإشارة إلى ان فترة الازدهار التي شهدتها الشركات في أعمالها مابين 2003 و2008 جعلها قادرة على تحمل تداعيات الأزمة العالمية، إذا لا يوجد في دبي تحديدا مطور خاسر. ربما هناك مطور ادار الشركة بطريقة غير صحيحة أو بأسلوب ينم عن نقص في الخبرة والحرفة. كما ان هناك شركات اختارت الطريق الأقصر لتحقيق الأرباح ففوجئت بأنه الطريق الأقصر للخروج من السوق بعدما توهمت بأنها ستنجح لو استغلت ضوضاء الطفرة في العمل خارج الأطر القانونية والتشريعية التي تنظم القطاع فتعرض إلى خسائر مالية.
وبما ان الأرباح كانت السمة البارزة في السوق فقد كان البعض من العاملين في السوق غير راض بأرباحه رغم ضخامتها وبات يتحرك لحصد المزيد مدفوعاً بالطمع وبالجشع، فنتج عن ذلك مطور عقاري يلبس قبعة المضارب ويشتري الأراضي وبدلا من تطويرها ينتظر فترة ليبيعها، وينطبق الأمر ذاته على بعض الوسطاء العقاريين الذين غادروا أدوارهم الحقيقية ليلبسوا قبعة المضاربين فباتوا يشترون الأراضي وطوابق كاملة من المكاتب والشقق والفلل ولا يدفعوا أكثر من 5% أو 10% وينتظروا فترة قصيرة من الزمن لقوموا بالبيع بأرباح تتجاوز في بعض الأحيان 100% بسبب الطلب المتنامي في السوق.
2009
لكن الحال تغير في 2008 فالسوق تلمس طريقه إلى النضج وبدأت بعض شركات التطوير الرئيسية بمحاصرة المضاربات وتقويض أثارها بمنع الطورين من بيع الأرض الا بعد تطويرها كما ألزمت المشترين بعدم البيع الا بعد عام من الشراء حتى جاءت أراضي دبي وأصدرت قرارا ينص على عدم السماح بالبيع الا بعد تملك الأرض بالكامل والمباشرة بأعمال البناء حتى نسبة 20% وهذه كلها شكلت ملامح الطريق المؤدي إلى تحقيق المزيد من النضج في التعاملات العقارية وتحديدا في عمليات البيع والشراء. فنزع المطور والوسيط قبعة المضاربة وعادا إلى ممارسة أدوارهما الحقيقية في ظل غياب تام للمضاربين.
لم يكن غياب المضاربين واختفاؤهم من السوق بفعل رغبتهم وقراراهم بمراقبة ما يدور عن كثب لكن التشريعات التي صدرت لتنظم القطاع وحركة التصحيح السعري التي تعيشها السوق هي التي تمنع تسللهم وتقطع عليهم الطريق كي لا يخرجوا بممارسات لا تخدم السوق ونموه.
الوسطاء
تتجه أنظار السوق العقاري اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الوسطاء وتحديدا أولئك المسجلين في أراضي دبي والمتسلحين بأدوات أكاديمية وخبرات طويلة في القطاع العقاري كي يلعبوا دورا مهما يتمثل بإدارتهم لدفة الصفقات.
من المهم الإشارة إلى ان نسبة كبيرة من أولئك الوسطاء يحاولون تصحيح الأخطاء التي ارتكبوها هم قبل غيرهم عندما قاموا بشراء عقارات بدفعات أولية على غرار المضاربين. لكن الفرق الجوهري هنا هو المضارب يرفع ويطبق شعار (اضرب واهرب) فيما يتعامل الوسيط على المدى البعيد ويتميز عمله بالديمومة.
ومع تجاوز العرض حجم الطلب فان الوسطاء هم الأقدر حتى من المطورين على منع تعريض القطاع العقاري بدبي لعملية تباطؤ يمكن امتداد تأثيرها لفترة طويلة.ويجمع العاملون في السوق العقاري ؟ ليس على خلفية مصالحهم بل على استنادا على معطيات السوق- بأن ما حدث في سنغافورة أواخر التسعينات حين هوت أسعار العقارات بنسبة 80% في 18 شهرا، لن يحدث في سوق الإمارات لوجود اقتصاد قوي يدعم السوق العقاري إلى جانب استمرار السلطات بالخروج بصياغة مبادرات ذكية جعلت السوق قادرا على امتصاص صدمات الأزمة العالمية.
لكن اغلب الوسطاء يرجحون نهوض الأسعار خلال الأشهر الستة المقبلة لاسيما وان المعروض المرتفع حاليا سيقابله طلب أعلى نهاية العام الجاري وبداية 2010 متفوقا على مستوى الطلب في الأسواق المجاورة.
الكلمة للسوق
ولا يؤيد الخبراء بفرض ضريبة مكاسب رأسمالية لردع المستثمرين الذين يدخلون السوق للربح السريع. وكان هذا المقترح قد طفا على السطح بعد رفع المضاربين لأسعار العقارات التي مازالت تحت التشييد. ويشكك خبراء عقاريون في صحة تقارير دولية توقعت تراجع أسعار العقارات والإيجارات في دولة الإمارات وتعرض القطاع العقاري لحركة تصحيح حادة بعد الزيادات المستمرة منذ خمس سنوات، وجزموا بعدم استقرار السوق قبل سبع سنوات على الأقل.
ويقول الخبراء ان تقارير غالبية المؤسسات الدولية عن السوق العقارية الإماراتية غير دقيقة، وعزوا ذلك إلى أن هذه المؤسسات لا تستقي المعلومات من مصادرها الحقيقية. وأشاروا لنشر تقارير مشابهة أواخر عام 2006 أكدت حدوث تصحيح عقاري حاد في الإمارات أوائل 2007 وما حدث كان العكس تماما، إذ ارتفعت الأسعار بصورة كبيرة زادت عن 300% في غالبية الإمارات. وزادوا أنه لا خوف من التراجع لأن نسبة النمو السكاني في الإمارات تعد الأعلى عالميا (تزيد عن 7%).
دبي ـ مشرق على حيدر
