لم يكن المشهد في السوق العقاري المحلي واضحاً خلال الأشهر الستة الماضية، فتداعيات الأزمة العالمية من مخاوف وقلق سيطرت بشكل لافت وبمساحات غير مبررة على تحركات القطاعات المتصلة بصناعة العقار بسرعة البرق، ورحّلت بعض المشاريع إلى رفوف التأجيل، ونقلت العديد من الشركات العقارية والمستثمرين إلى مقاعد المتفرجين والمراقبين فتأثر أداء سوقي العقارات والإنشاءات ولم يبق غير أصوات اللاعبين من ذوي الملاءة المالية المستقرة، لكن المؤشرات اليوم تعكس تفاؤلاً لما يحمله رحم النصف الثاني من العام الجاري.
في هذا الملف تستطلع البيان الاقتصادي ملامح شهر العسل الجديد بين السوق العقاري والانتعاش المقبل معتمدة على نجاح السوق في تلمس طريقه للخروج من تداعيات الأزمة العالمية ضارباً أكثر من عصفور بحجر واحد. فالمستثمرون باتوا أكثر نضجاً وحذراً والأسعار تخلت عن جناية حرق أحلام الراغبين بتملك منزل العمر.
فيما تلقى المؤجرون ضربات موجعة لطموحاتهم غير المشروعة بتحقيق أرباح على أكتاف الطلب المرتفع أمام المعروض المتراجع بينما بدأت الرياح تلبي ما تشتهيه سفن التطوير العقاري من مرونة التمويل إلى استقرار مواد البناء وتكلفته وأجور العمالة بعد تراجع صحي في القيمة.
في الحلقة الرابعة من المشهد العقاري خلال ال6 أشهر المقبلة تستعرض البيان الاقتصادي الأسباب الكامنة وراء عدم استقرار القيمة الايجارية في قطاع السكن.
لماذا لا تتراجع
سيكون تساؤلاً مشروعاً لو أن أحدا قال ما علاقة مخاوف وكسل المستأجرين ؟ وهو يمثل الجانب النفسي السلوكي- بقيمة الإيجارات السكنية وتحولها إلى سبب مباشر يعيق تلك القيم لمستويات عادلة؟. بيد أن التمعن في المشهد وتحليل معطياته سيظهر ترابطاً قوياً بينهما.
فالعلاقة قوية ومترابطة ومؤثرة ولكنها غير منظورة ما يجعل من الإقرار بها وبنتائجها مسألة صعبة وقد تثير الانتقادات أيضا لجهة تورط المستأجر دون أن يدري في الإبقاء على الإيجارات مرتفعة. لتصبح عملية تذمره من عدم تراجع القيمة الايجارية ممارسة لن تجدي نفعاً حتى في ظل تصاعد المعروض مقابل الطلب.
ولو حاولنا رسم مشهد العلاقة بين المستأجر والمؤجر فسنجد أن المؤجر دائما أقوى من المستأجر على خلفية امتلاك الأول للعقار. وهذا بدوره يخلق مناخاً نفسيا يقود المستأجر إلى خانة رد الفعل على الرغم من وجود سلة تشريعات وقوانين تحمي مصالحه وتنظم علاقته بالمؤجر.
ما يحدث على أرض الواقع هو تكاسل المستأجر في الانتقال إلى شقة سكنية حتى لو بفارق بسيط في القيمة الايجارية، فعملية نقل الأمتعة والاثاث لدى العائلة عملية مقلقة وتسلب استقرار العائلة على مدى قصير ما يجعل قرار الانتقال صعباً على أصحاب العوائل تحديداً وهم النسبة الغالبة في سوق الايجارات في حين نرى بأن عمليات الانتقال تجري على نحو واسع جداً عندما يتعلق بالافراد الذين يستأجرون سريراً في غرفة فهؤلاء لا يواجهون التحديات التي تواجهها العوائل في الانتقال.
هناك جانب آخر يتعلق بالجانب النفسي للمستأجر وتفضيله البقاء في عقاره بدلاً من تغييره الا وهو المخاوف من عدم الحصول على عقار بقيمة إيجارية أقل، وبالطبع فان هذا الشعور محبط سلفاً لكل رغبات المستأجر بعمليات البحث التي قد تؤدي في النهاية إلى الحصول على وحدة سكنية بقيمة إيجارية أفضل من التي يستأجرها.
أذن فتكاسل المستأجر ومخاوفه ستتحولان إلى سلاح فتاك يستخدمه المؤجر في الإبقاء على القيمة الايجارية. وربما هناك من يخالف هذا الرأي لكن الجميع يتفقون على أن المؤجرين غالباً ما يستخدمون الدعاية للإبقاء على القيمة الايجارية فالكثيرون من العوائل سمعوا من المؤجرين يتحدثون بثقة في بعض الأحيان وبفوقية مفرطة في أحيان أخرى عن وجود طوابير من المستأجرين ما يبعث برسالة نفسية مؤثرة للمستأجرين بأنهم سيفقدون هذا العقار لصالح مستأجرين آخرين سيدفعون القيمة الايجارية ذاتها وربما أكثر منها.
مكاسب مفقودة
لو أردنا ان نتوسع أكثر في حصر الآثار السلبية لتكاسل المستأجرين ومخاوفهم فسنرى بأن السوق العقاري سيتضرر أيضا. فمن مصلحة السوق تنقل المستأجرين لأن هذه العملية ستخلق تنافساً بين المؤجرين لاجتذاب المستأجرين وتطبيق خطط طويلة المدى للاحتفاظ بهم عبر وسائل كثيرة ربما أبرزها المرونة في تسديد الدفعات والحصول على خدمات مضافة في المباني ورفع مستوى الصيانة وغيرها من المكاسب.
يحصل الآن
ويتابع المراقبون باهتمام بالغ التحرك اللافت والفاعل من المؤجرين للاحتفاظ بالمستأجرين في إطار عملية تصحيح تتصاعد على محورين، الأول يتعلق بتراجع طبيعي للأسعار والثاني يرسم علاقة صحية وموضوعية بين المستأجر والمؤجر الذي لا يزال الطرف الأقوى الذي يملي القيمة الايجارية بعيدا عن معطيات العرض والطلب في سوق الإيجارات في الإمارات عموما ودبي على نحو خاص.وتلقى مبادرات ملاك العقارات للمستأجرين ترحيباً في السوق وتولد قناعة بأنها ستساعد المستأجرين على ترتيب أوضاعهم بطريقة أكثر استقرارا من ذي قبل.
فيما يؤكد الخبراء بأن توجه المؤجرين لتحصيل إيجاراتهم عبر 12 دفعة بدلاً من 4 دفعات أو التعاقد على الإجارة المنتهية بالتملك ستمنح سوق الإيجارات وعقارات التملك الحر المزيد من الجاذبية وتحقق المزيد من الاستقرار في سوق العمل.
وعدل العديد من الملاك عن مطالبة المستأجرين بما يعرف بإيجار المثل بسبب تراجع القيمة الايجارية في مناطقهم في إطار عملية تصحيح على خلفية رجحان كفة العرض على الطلب ما يجعل الإبقاء على قيمة العقود الحالية أو زيادتها بنسب قليلة في متناول المستأجر أفضل بكثير من بقاء الوحدة السكنية شاغرة. وتقول استيكو بأن الإيجارات انخفضت بنسبة 34% خلال الربع الأول من 2009 مقارنة ب2008 ولا يمكن التأكد من صحة تلك البيانات من عدمها لاسيما في ظل عدم صدور النسخة الحديثة من المؤشر الرسمي لمتوسط قيمة الايجارات الذي تصدره مؤسسة التنظيم العقاري. وكانت الأخيرة وعدت بانها ستصدر النسخة الحديثة من المؤشر في ابريل الجاري.
تصحيح
اغتنام الفرصة
ويغتنم عدد محدود من (العوائل) المستأجرين فرصة التصحيح السعري لتغيير عقاراتهم المؤجرة إلى مساحات أكبر بقيمة أقل أو شراء عقارات بأسعار منافسة دون الحاجة إلى قروض عقارية أو تمويل مصرفي.
وسيتوجب على مؤسسات التمويل عدم هدر الوقت في مراقبة السوق والتعجيل في التحرك لمواكبة متطلبات المستأجرين والمشترين بمرونة أكبر لاسيما وان البنوك تقر بوجود صفقات عقارية يجري إبرامها من دون تمويل مصرفي ما يفوت على تلك المؤسسات فرصة تعظيم أرباحها.وبينما تتفاوت مؤشرات العرض والطلب في أسواق إيجارات عموم مدن الدولة إلا أن أسواق دبي وابوظبي والشارقة وعجمان تحديداً تشهد حالياً دخول عشرات المباني إلى السوق. ويتراوح عدد الوحدات السكنية التي دخلت وستدخل سوق دبي لوحدها خلال 2008 لغاية 2010 نحو 100 ألف وحدة طبقا لبيانات أعلنت عنها أخيراً مؤسسة التنظيم العقاري الذراع التنظيمي لدائرة أراضي وأملاك دبي.
وبينما تسعى الأخيرة إلى جعل عام 2009 أكثر استقرارا وتنظيما في سوقي الإيجارات والتملك الحر عبر مراجعة دقيقة وشاملة وتحديث للبنية التشريعية تأتي معطيات السوق والتغيير الايجابي في التوجهات الاستثمارية للمطورين وملاك العقارات في الوقت المناسب لتوفر دعماً للجهود الرسمية في حماية سوق الإمارة من التعرض لضغوط وتداعيات الأزمة العالمية.
تراجع
الدقة الغائبة
يتفق الخبراء على أن تحديد نسبة التراجع الذي طال القيمة الايجارية في سوقي تأجير الوحدات السكنية والمكتبية. فالفرق بين سعر شقة ما في منطقة ما أقل أو أكثر عن شقة مجاورة لها له ما يبرره في كثير من الأحيان وتلعب المساحة وجودة التشطيبات والموقع وحداثة الوحدة السكنية من قدمها دوراً مهماً في تحديد القيمة الايجارية بين بنايتين متجاورتين.
لقد حافظت عوائد الاستئجار في دبي على ارتفاعها في السنوات الأخيرة ما بين 7% إلى 10% معتمدة في ذلك على العقارات. ومن المرجح أن تنخفض حدة ارتفاع الإيجارات في السنوات الأربع القادمة في حين ستستمر قيم العقارات في الارتفاع. وتتماشى عوائد الإيجار في دبي إلى حد كبير مع المدن العالمية الأخرى في هذه اللحظة مقارنة مع الناتج المحلي الإجمالي، وتصل إلى حوالي ضعف العوائد التي يمكن الحصول عليها في المدن التقليدية.
وسيبدأ الضغط على شراء العقارات بدلاً من استئجارها في التأثير على مستويات الإيجار في الوقت الذي سيزداد فيه عدد العقارات المحلية المكتملة ،وسيكون هناك في الوقت نفسه مزيداً من الاستثمارات القائمة على الشراء من أجل التأجير، حيث من المتوقع أن يزيد المعروض من عقارات التأجير الضغط النزولي على الإيجارات.
ولكن الأمر الحاصل في جميع أنحاء العالم هو أنه كلما زاد الاستثمار في سوق الشراء من أجل التأجير كلما ارتفعت الأسعار في السوق الثانوية. وباختصار، فإن أصحاب العقارات على استعداد لدفع المزيد من أجل إيرادات إيجار أقل وهو ما يسمى ضغط العوائد.
دبي - مشرق علي حيدر
