أوضح مدير عام المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات فهد الإبراهيم أن قدرة مجموعة الدول العربية على اجتذاب استثمارات أجنبية مباشرة لم تتأثر بعد بتداعيات الأزمة المالية التي بدأت في عام 2007 واشتدت وطأتها في أغسطس 2008.

وقال الإبراهيم في كلمته في الجلسة الافتتاحية للملتقي الأول للاستثمار في الدول العربية المنعقد في بيروت أمس إن تقرير مناخ الاستثمار لعام 2008 الذي تعده المؤسسة كشف عن ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الدول العربية خلال العام 2008 إلى 89 مليار دولار مقارنة مع تدفقات بلغت 74 مليار دولار لكافة الدول العربية في عام 2007، وذلك من واقع البيانات التي توفرت عن سبع عشرة دولة عربية، إضافة إلى ارتفاع حصة الدول العربية من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في العالم من 9 ,3% عام 2007 إلى 3 ,5% عام 2008، وذلك مقارنة مع 4,0% فقط في عام 2000.

و افتتح وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني محمد الصفدي الدورة الأولى لـ «ملتقى الاستثمار في الدول العربية» في بيروت أمس والذي تنظمه المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات والمؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان (ايدال) ومجموعة الاقتصاد والأعمال، بمشاركة عربية متنوعة ضمت ممثلين عن هيئات تشجيع الاستثمار وتنمية الصادرات في البلدان العربية إضافة إلى قادة مؤسسات استثمارية ومالية ومصرفية.

وتحدث في جلسة الافتتاح وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني محمد الصفدي ومدير عام المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات فهد الإبراهيم ورئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان نبيل عيتاني ومدير عام مجموعة الاقتصاد والأعمال رؤوف أبو زكي.

وأشار فهد الإبراهيم إلى أن ارتفاع التدفقات الإجمالية، إلى الدول العربية ساهم في زيادة إجمالي تدفقات الاستثمارات المباشرة البينية العربية خلال عام 2008 بمعدل نمو بلغ 64% لتصل إلى 34 مليار دولار مقابل 21 مليار دولار في عام 2007، وذلك وفقا لبيانات توفرت لدى المؤسسة عن 13 دولة عربية فقط.

وأوضح أن أهمية هذا الملتقى تأتي من تزامنه مع الأزمة المالية العالمية الراهنة وانعكاساتها وتداعياتها السلبية على اقتصادات الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، ومنها الدول العربية التي وجدت نفسها في وضع تحد كبير لمواجهة آثار هذه الأزمة والخروج منها بأقل الأضرار الممكنة من خلال وضع الخطط والاستراتيجيات الكفيلة بتفادي أزمات مشابهة مستقبلا خاصة وأن العالم لم يتجاوز بعد أسوأ فترات الأزمة الحالية.

دول الخليج

ونبه الإبراهيم إلى أن التقرير رصد مجموعة من المؤشرات اللافتة والايجابية الأخرى منها: استمرار دول الخليج كمصدر رئيسي للاستثمارات العربية البينية مع ظهور لاعبين جدد مثل مصر ولبنان كدول مصدرة للاستثمارات المباشرة العربية البينية، بروز دور صناديق الثروة السيادية، وخاصة الخليجية منها كجهات مصدرة للاستثمار الأجنبي المباشر مع تركزها بنسبة 75% في الدول المتقدمة وخاصة في قطاع الخدمات.

ظهور القطاع الخدمي كقطاع جاذب للاستثمار المباشر منذ العام 2000 ليستحوذ على 60% من إجمالي التدفقات العربية البينية خلال العام 2008، مع تضاعف قيمة الاستثمارات العربية البينية في قطاع الزراعة من 4,0 مليار دولار عام 2007 إلى 8,0 مليار عام 2008 إدراكا من الدول العربية لأهمية ردم فجوة الغذاء وتحقيق الاكتفاء الذاتي على المدى الطويل.

وذكر أنه خلال الفترة من 1995 وحتى نهاية عام 2008، تصدرت كل من السعودية، السودان، لبنان، ومصر قائمة الدول الأكثر استفادة من الاستثمارات العربية البينية بقيمة 95 مليار دولار وبنسبة 70 % من الإجمالي البالغ قدره 135 مليار دولار.

تراكم رأس المال

وشدد الإبراهيم على أهمية الاستثمار في الاقتصاد كونه المسؤول الوحيد عن معدل تراكم رأس المال، وتوسيع القاعدة الإنتاجية وتحقيق معدلات نمو مرتفعة ومستدامة على المدى الطويل. مشيرا إلى انه وفي ظل مشكلة محدودية الموارد المالية في بعض دول المنطقة التي زادت حدتها خلال الوضع الراهن تبرز الأهمية الكبرى للاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى جانب الاستثمار المحلي كمكون فعال للسياسة المالية التي يعول عليها الجميع للخروج من الأزمة بعد استنزاف معظم أدوات السياسة النقدية.

محفزات الاستثمار

ويرى الإبراهيم أن الحكومات العربية تنبهت لأهمية الدور الذي يقوم به الاستثمار في الاقتصاد وقدمت في الآونة الأخيرة، العديد من محفزات الاستثمار في النواحي التشريعية والمؤسسية والإجرائية، ونفذت المزيد من الجهود الترويجية وتصحيح بيئة أداء أعمالها، وذلك حسبما يتضح في تقرير مناخ الاستثمار في الدول العربية، الذي تصدره المؤسسة سنويا.

الاستقرار الاقتصادي

وأكد الإبراهيم أنه والى جانب المحفزات التاريخية والطبيعية، تحسنت البيئة الاستثمارية فى معظم دول المنطقة كثيرا وأصبح لديها رصيد متراكم من المحفزات أهمها: سياسات أكثر انفتاحاً وتحرراً تجاه الاستثمار الأجنبي المباشر خلال السنوات العشر السابقة، الاستقرار الاقتصادي الكلي في معظم دول المنطقة وتحسن مؤشراته، معدلات نمو اقتصادي مرتفعة في المنطقة خلال السنوات الست الماضية، بلغت 4,6% خلال عام 2008 أي ضعف المعدل العالمي البالغ 2,3%، تحسن ملحوظ لأوضاع الموازنات الحكومية وموازين مدفوعات معظم الدول العربية ومؤشرات المديونية المحلية والخارجية.

تحسن في التصنيف السيادي للمخاطر القطرية وبعض المؤشرات الدولية ذات الصلة بمناخ الاستثمار في العديد من الدول العربية، انخفاض نسبي لأسعار الصرف الحقيقية لدى معظم الدول العربية، بما يدعم تنافسية صادراتها في الأسواق الدولية.

تحسن أوضاع الأجهزة المصرفية ورفع درجة سلامتها وملاءتها المالية والتزامها باتباع المعايير الدولية، إضافة إلى تحصينها في ظل الأزمة باتخاذ إجراءات وتدابير إضافية، إضافة إلى بدء استقرار معدلات التضخم في المنطقة دون مستوياتها المرتفعة السابقة، كنتيجة طبيعية لارتفاع قيمة الدولار وتراجع المستوى العام للأسعار عالميا، هذا إلى جانب تنفيذ إصلاحات في بيئة أداء الأعمال في معظم دول المنطقة على مدى السنوات الخمس الماضية.

دون المأمول

وأشار الإبراهيم إلى أنه ورغم كل الايجابيات على صعيد الاستثمار إلا أن النتائج المحققة سواء في جذب الاستثمارات المباشرة الأجنبية أو العربية البينية مازالت دون المؤمل لها إذا ما قورنت باحتياجاتنا التنموية، وتجارب بعض التكتلات الاقتصادية الأخرى، أو الطموحات الكبيرة لحكومات ومؤسسات وشعوب المنطقة.

وشدد على أن مهمة دفع عجلة التدفقات الاستثمارية العربية البينية تختلف عن مهمة الحفاظ على استدامتها لسنوات مقبلة، حيث يمثل ذلك التحدي الأصعب، معربا عن أمله في أن يجسد هذا الملتقى رغبة جميع الأطراف المعنية بتعزيز العلاقات العربية وتوثيق الروابط بين كياناته الاقتصادية والاستثمارية والتجارية، مؤكدا حرص المؤسسة وسعيها للمساهمة في تحقيق أهداف الملتقى المتمثلة في زيادة التدفقات الرأسمالية الاستثمارية بين الدول العربية، تحسين وتعزيز البيئة الاستثمارية في الدول العربية، تشخيص المعوقات التي تحد من الانتقال السلس للاستثمارات بين الدول العربية وتحديد سبل معالجتها بما يساهم في تنمية الاستثمارات في المنطقة العربية سواء كان المستثمر عربيا أو أجنبيا.

وشدد على أن قيام المؤسسة بالمبادرة بطرح فكرة إطلاق الملتقى والمشاركة في تنظيمه يأتي في إطار الدور الذي تقوم به، لتحسين مناخ الاستثمار وتعزيز تدفقاته الخارجية والبينية في دول المنطقة العربية، بالتعاون مع هيئات تشجيع الاستثمار العربية والجهات المعنية الأخرى.

المزيد من العمل

وتحدث رئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان «ايدال» نبيل عيتاني قائلا: تعتبر المنطقة العربية نقطة إستراتيجية مهمة نسبة إلى موقعها المتميز في العالم من جهة وغناها بالمواد الأولية والموارد البشرية من جهة أخرى. وباتت تشكل من خلال هذه العناصر محورا مهما في النشاط الاقتصادي العالمي. إلا أن بنية الأعمال فيها لا تزال تحتاج إلى التطوير والنمو من خلال العمل على محورين أساسيين: أولهما تعزيز حجم التبادل التجاري والذي رغم تزايد النمو السنوي الذي تحققه، تفترض منا المزيد من الجهود والإصلاحات وإزالة العوائق في سبيل تحقيق نتائج أفضل لتعود بالفائدة على شعوب المنطقة وتعزز صورة هذه المنطقة من الناحية الإنتاجية والاستثمارية.

أما المحور الثاني، فيتمثل في تعزيز الاستثمارات العربية البينية وتشجيع الاستثمارات الأجنبية إلى المنطقة التي تزخر بشكل عام بإمكانات وميزات وفرص حقيقية، وقد قامت الحكومات العربية في الآونة الأخيرة بجهود كبيرة من أجل تحسين المناخ الاستثماري.

إلا أنها لا تزال تحتاج إلى المزيد من العمل بهدف إيجاد الظروف الملائمة التي تسمح بتوظيف المزيد من الأموال فيها. وفي هذا المجال لا بد من العمل على جعل القطاعات الإنتاجية أكثر جاذبية للاستثمار، خصوصا أن الحصة الأكبر من الاستثمارات البينية تركزت في السنوات الأخيرة في القطاع العقاري وفي الخدمات في حين لم تنل الصناعة والزراعة والتجارة سوى الجزء اليسير منها.

تفعيل عمل القطاع الخاص

وتابع: من هنا تتضح ضرورة تفعيل عمل القطاع الخاص، المحرك الأساسي للإنتاجية والموفر الرئيسي لفرص العمل من خلال توفير الظروف الملائمة وإزالة جميع العراقيل التي تعيق نشاطه وتحد من قدرته على المنافسة. أما على صعيد استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر، لا يزال أمامنا الكثير من العمل من أجل النهوض بالاقتصاد العربي وزيادة جاذبية المناخ الاستثماري فيه.

وإذا كان حجم الاستثمارات على الصعيد العالمي قد سجل بحسب الانكتاد 1833 مليار دولار في العام 2007، لم تصل حصة الدول العربية منه لأكثر من 4 في المئة أي إلى 72 مليارا. وهذا بالتحديد ما يدفعنا إلى بذل الجهود من أجل تعزيزها خصوصا في ظل ما يثار عن تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي بعد الأزمة العالمية التي ألمت به والتي قد تنعكس انخفاضا في حجم الاستثمار الأجنبي المباشر.

بدء انحسار الأزمة

وقال مدير عام مجموعة الاقتصاد والأعمال رؤوف أبو زكي: إن الهدف من الملتقى هو أن يصبح مؤسسة بحد ذاتها توفر الإطار الأمثل لتلاقي أرباب مؤسسات وهيئات تشجيع الاستثمار العربية والمستثمرين والمسؤولين في القطاعين العام والخاص، لتبادل المعلومات والتجارب والآراء، ومناقشة كل قضايا الاستثمار، والاطلاع على جميع التطورات القطرية في هذا المجال.

وسيسهم كل ذلك دون شك في تحسين مناخ الاستثمار على نطاق العالم العربي ككل وتنشيط حركة الاستثمار في المنطقة بكل مكوناتها. وأضاف: ان الملتقى يأتي في الوقت الأمثل مع بدء الانحسار التدريجي والبطيء دون شك لتداعيات الأزمة العالمية وبعد التجربة المرة الجديدة للمستثمرين العرب في الخارج، هذه التجربة التي أخذت تدعم التوجه نحو الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي وفي البلدان العربية الأم في المقام الأول.