أكد محللون ماليون استمرار سيطرة عمليات المضاربة على تعاملات أسواق الأسهم المحلية حيث تصل نسبة أموال المضاربة إلى أكثر من 70% من إجمالي التداولات اليومية، مشيرين إلى انه ورغم أهمية المضاربات في رفع أحجام السيولة وعدم إمكانية تخيل وجود سوق مالي خال من المضاربة إلا أن الوقت قد حان لوضع التشريعات التي تساهم في ضبط عملية الدخول والخروج السريع للأموال من الأسواق، والتي تؤدي في كثير من الأحيان إلى إلحاق الضرر بالأسواق والمتعاملين فيها على حد سواء.
وقالوا انه من الملاحظ أن عمليات المضاربة لم تعد تقتصر على صغار المتداولين بل شملت أيضا المحافظ والصناديق الاستثمارية التي باتت تتسابق مع الأفراد على الدخول والخروج بسرعة من الأسواق بقصد جني اكبر قدر ممكن من المكاسب، خاصة في فترة الانتعاش التي تشهدها الأسعار، وذلك بدلا من قيامها بدور صانع السوق الذي يتولى ضبط تحركات أسعار الأسهم سواء لجهة الصعود أو الانخفاض وتعزيز الثقة في التعاملات.
وغالبا ما ترتبط عمليات المضاربة بضغار المستثمرين، الذين يشكلون النسبة الاكبر من مجموع المتعاملين في السوق، وذلك وفقا لما يؤكده حسام الحسيني مدير الوساطة في شركة اعمار للخدمات المالية، الذي يقول انه إذا نظرنا الى ما يميز هذه المجموعة (اي صغار المستثمرين) لوجدنا ان معظمهم من قليلي الخبرة بالسوق، بالاضافة الى انخفاض المستوى المعرفي في اساليب وفن الاستثمار، عدا عن صغر رؤوس اموالهم المستثمرة، ولذلك نجد أن نهجهم في التداول يعتمد على التبعية في التحرك والسير وراء الاخبار والشائعات. وغالبا ما نراهم ينشطون في منتصف او حتى في اواخر حركة الاسواق.
الميل للمضاربة
وأوضح الحسيني انه فيما يتعلق بأسواق الإمارات فلو نظرنا لقصر عمر الاسواق ولغياب الاستثمار المؤسساتي سنرى أن الميل واضح للمضاربة على حساب الاستثمار، وأكثر من ذلك سنرى عمليات المضاربة تسيطر ايضا على تداولات المؤسسات، التي يفترض ان تقود الحس الاسثماري في الاسواق.
ولعل من اهم سلبيات المضاربة في الاسواق قصر توقيت هذا النوع من التداول، وبالتالي قصر فترات الانتعاش، التي من الممكن ان تعيشها الاسواق ومع تكرار هذه المضاربات وما يليها من عمليات تراجع للاسواق والتي غالبا ما تكون بنسب كبيرة.
وأشار إلى أن الثقة الناتجة عن عمليات المضاربة في خلق فترات انتعاش مستقبلية ستكون منخفضة، الامر الذي من شأنه التاثير على شكل ومدى هذه الانتعاشة، على أن من أهم السلبيات الأخرى للمضاربة اعطاء صورة غير صحيحة لتحركات الاسعار، وبالتالي صورة غير صحيحة للسوق بشكل عام.
ملح السوق
وبرغم كل ما سبق يقول الحسيني انه لا يمكن أن نتخيل وجود سوق مالي خال من المضاربات، التي تعتبر بمثابة ملح السوق، فبالرغم من سلبياتها الا انها تساعد في رفع أحجام التداولات مما يساهم في إعطاء الأسواق عمقا اكبر، خاصة إذا ما علمنا أن معظم المؤسسات العالمية تعتبر معدل احجام التداول بالسوق المالي من اهم الاساسيات لدخولها لذلك السوق من عدمه.
كذلك فان المضاربات تساعد أيضا في خلق قصص تشويقية وبالتالي تسويقية للمتداولين من خارج السوق، الأمر الذي من الممكن أن يجذبهم للتداول ولو بهدف المضاربة، ومن المعلوم أن الذاكرة الاستثمارية لمعظم المتداولين في الاسواق قصيرة نسبيا، ولذلك نرى تكرار السلوك المضارباتي في الاسواق حتى و لو رافقه خسائر.
وأضاف: إنني لست ضد المضاربات، التي ساعدت في بعض الاحيان على تثبيت السوق وحمايته من استمرارية الهبوط، ولعل حركة الاسواق الاماراتية في بداية العام، وتحديدا مع بداية شهر فبراير، من اكبر الامثلة على ذلك. فبعد انحسار حدة البيع العشوائي الذي سيطر على الاسواق منذ منتصف العام الماضي رأينا أن من عاد للتداول وبشكل واضح هم من المضاربين، وبالرغم من عدم قدرتهم على رفع السوق في ذلك الوقت الا انهم ساهموا وبشكل كبير في تثبيته، الامر الذي اغرى المؤسسات لاحقاً بالدخول للسوق .
عدد المحترفين
وقال: بالنظر إلى الأسواق العالمية وكيفية تطورها نجد انه بمرور الوقت وزيادة عمر هذه الأسواق نرى أن المتعاملين تزداد خبرتهم وتزداد حاجتهم للتعلم، ولا سيما بعد تحملهم خسائر كبيرة، وباعتقادي ان هذا ما ستمر به الاسواق الاماراتية، وقد رأينا الكثير من هذه المظاهر بدأت بالتشكل هنا.
فلو رجعنا للعام 2005 لوجدنا ان عدد المحترفين وعدد المحللين او حتى عدد المختصين سواء من المستثمرين او حتى من العاملين في المجال لوجدنا عددهم قليلاً جدا على عكس ما نراه حاليا وبعكس ما ستكون عليه الامور لاحقا، بالاضافة إلى الدور الذي تلعبه هيئة الأوراق المالية والسلع والأسواق نفسها في زيادة عدد الدورات التدريبية للعاملين والمستثمرين بالإضافة إلى زيادة عدد المعاهد المتخصصة في مجال الاسواق المالية، والتي ما زالت تفتتح ابوابها في الامارات.
ومن وجهة نظري فان أهم الأمور التي ستساعد في رفع الوعي الاستثماري حاجة المستثمرين انفسهم لفهم ما حدث لهم في السابق او لعدم تكراره لاحقا.
بالاضافة الى زيادة وعي العاملين في هذا المجال ودخول الكثير من المؤسسات المحترفة للاسواق الاماراتية الامر الذي دفع بقية العاملين لرفع مستواهم الاحترافي وهذا سيعود بالنفع للاسواق وللمتعاملين على حد سواء.
وتابع: بالنسبة لمستوى المخاطرة المقترن بالمضاربة فانني اعتقد ان نسبة المخاطرة ترتفع بارتفاع عملية المضاربة، وخصوصا لمعرفتنا بأن عمليات المضاربة غالبا ما تكون قصيرة الامد وانتقائية وغالبا ما نرى أن خروج المضاربين من هذه الاسهم يكون خروجا سريعا وليس بشكل عملي وتصريف بطيء. كما اعتقد أن نسبة المخاطرة المرتبطة بالمضاربة تتأثر ايضا بالاتجاه العام المسيطر على حركة السوق. فالمخاطرة بالمضاربة تكون أعلى في حالة الاسواق الهابطة الا انها تعتبر اقل نسبيا في حال كون الحركة العامة للاسواق حركة صعودية.
الملاذ الأمن
من جانبه يقول ياسر الجندي الخبير المالي إن عمليات المضاربة في أسواق الأسهم وبشكل خاص داخل أسواق الأمارات أمر مفيد بقدر ما هو ضار لأن المضاربة في الأسواق المحلية كانت الملاذ الأمن لكثير من المتداولين في أوقات تبخرت فيها أموالهم في السوق، فمنذ عام 2005 والسوق يمر بمراحل مختلفة من التقلبات ولولا توجه شريحة كبيرة من المستثمرين إلى المضاربة لوجدنا أن السوق فرغ تماماَ من المتداولين، مشيرا إلى أن من أهم أسباب تغلب المضاربة على الاستثمار في أسواق الأسهم التقلبات الشديدة بين الارتفاعات والانخفاضات السريعة والتي تحدث لأسباب عدة منها الاقتصادية أو السياسية وبالطبع فان هناك أسبابا تتعلق بطبيعة الاستثمار ذاته في أسواق الأسهم حيث سهولة وسرعة عمليات بيع وشراء أسهم الشركات المدرجة في الأسواق المالية مقارنة بأدوات الاستثمار الأخرى.
وأشار إلى أن من الأسباب الرئيسية لاتساع قاعدة المضاربين ان الاستثمار في الأسهم لم يعد يقتصر على شريحة الأثرياء كما كان معروفا في السابق بل أصبح متاحا لجميع الشرائح وبات صغار المستثمرين يشكلون القاعدة العريضة من مساهمي الشركات خاصة بعد طرح العديد من أسهم الشركات المساهمة بالقيمة الاسمية وإعطاء صغار المستثمرين فرصة تملك حصة من رؤوس أموال هذه الشركات ونتيجة انخفاض الوعي الاستثماري لدى شريحة كبيرة من المتداولين والمستثمرين بمخاطر الاستثمار في الأسواق المالية ومعرفة الأسعار العادلة والمنطقية لأسهم الشركات المدرجة واختيار التوقيت المناسب للشراء والبيع فقد ساهم ذلك في زيادة عمليات المضاربة.
وقال إن الاستثمار في أسواق الأسهم بطبيعته طويل الأجل وتنخفض المخاطر ويرتفع مستوى العائد كلما طالت فترة الاحتفاظ بالأسهم خاصة إذا تم اختيار أسهم الشركات التي تتميز بمؤشرات مالية جيدة وربحية مقبولة، بينما تتطلب المضاربة في الأسواق متابعة حثيثة ويقظة دائمة ونشاطا غير عادي وتحمل مخاطر، وبالمقابل لا يكترث المستثمرون على الأجل الطويل بالتقلبات اليومية لأسعار أسهم الشركات التي يمتلكونها أو التصحيحات السعرية التي تتعرض لها الأسواق بل بالعكس يوفر لهم تصحيح الأسعار فرصة مهمة لشراء أسهم بعض الشركات القوية عند انخفاض أسعارها السوقية دون قيمتها الحقيقية.
وأوضح أن السنوات التي أعقبت فتح باب التملك للأجانب في رؤوس أموال الشركات المساهمة شهدت تدفق الاستثمارات الأجنبية على الأسواق المحلية بعد أن تم تعديل القوانين والأنظمة التي تتيح للمستثمرين الأجانب حرية التداول بنسب أكبر من السابق، إلا أن هذه الاستثمارات سرعان ما تحولت إلى المضاربة، مقتفية في ذلك أثر الاستثمارات المحلية مما أدى إلى سرعة تراجع المؤشرات في هذه البورصات الخليجية وليس المحلية فقط إلى أن عادت مؤخرا للتعافي من جديد.
قاعات للمضاربة
ويرى الجندي أن المضاربات ما زالت تسيطر على النسبة الأكبر من التداولات في أسواق المال الإماراتية والتي تحولت قاعاتها للمضاربة اليومية بدلا من تسخير القدرات المالية للاستثمار التنموي بعيد المدى والمساهمة في التنمية الاقتصادية من خلال الشركات المساهمة العاملة في مختلف القطاعات الاقتصادية.
وأكد أن استمرار هذه الأوضاع في البورصات الخليجية بشكل عام سيترك آثارًا ضارة على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فالأمر لا يتعلق بالأزمة المالية العالمية والتي بدأت تستقر، وإنما في تركيبة هيكلية الأسواق وافتقارها إلى التشريعات والأنظمة التي تحدد بشفافية معاملاتها اليومية والاتجاهات الاستثمارية للشركات المساهمة المدرجة.
وشدد على إن تغيير اتجاهات أسواق المال وتحويلها من صالات للمضاربة إلى مراكز تنموية أمر ممكن وتتوفر له كافة متطلبات النجاح، وذلك من خلال تطوير الأنظمة التي تحد من عمليات المضاربات اليومية إضافة إلى نشر الوعي الاستثماري وتعزيز الشفافية والإفصاح فضلا عن تأسيس الشركات المسماة بصانعة السوق والتي يمكنها المساهمة في ضمان استقرار الأسواق والحد من المضاربات ودعم عملية التحول المنشودة.
وقال إن ذلك يتطلب تغيير عقلية الاستثمار التي هيمنت على الأسواق المحلية في غالبية القطاعات خلال المرحلة الماضية والقائمة على المضاربة السريعة لتحقيق أعلى أرباح ممكنة في فترة زمنية قصيرة للتحول إلى اعتماد ثقافة الاستثمار في المدى المتوسط والطويل في الفترة المقبلة مع بدء التعافي من انعكاسات الأزمة المالية العالمية.
أبوظبي - «البيان»
