لم يكن المشهد في السوق العقاري المحلي واضحاً خلال الأشهر الستة الماضية، فتداعيات الأزمة العالمية من مخاوف وقلق سيطرا بشكل لافت وبمساحات غير مبررة على تحركات القطاعات المتصلة بصناعة العقار بسرعة البرق، ورحّلت بعض المشاريع إلى رفوف التأجيل، ونقلت العديد من الشركات العقارية والمستثمرين إلى مقاعد المتفرجين والمراقبين فتأثر أداء سوقي العقارات والإنشاءات ولم يبق غير أصوات اللاعبين من ذوي الملاءة المالية المستقرة، لكن المؤشرات اليوم تعكس تفاؤلاً لما يحمله رحم النصف الثاني من العام الجاري.

في هذا الملف تستطلع البيان الاقتصادي ملامح شهر العسل الجديد بين السوق العقاري والانتعاش المقبل معتمدة على نجاح السوق في تلمس طريقه للخروج من تداعيات الأزمة العالمية ضارباً أكثر من عصفور بحجر واحد. فالمستثمرون باتوا أكثر نضجاً وحذراً والأسعار تخلت عن جناية حرق أحلام الراغبين بتملك منزل العمر.

فيما تلقى المؤجرون ضربات موجعة لطموحاتهم غير المشروعة بتحقيق أرباح على أكتاف الطلب المرتفع أمام المعروض المتراجع بينما بدأت الرياح تلبي ما تشتهيه سفن التطوير العقاري من مرونة التمويل إلى استقرار مواد البناء وتكلفته وأجور العمالة بعد تراجع صحي في القيمة...

في الحلقة الثالثة نسلط الضوء على: تتغير بوصلة البناء على محورين الأول عقود البنية التحتية والمحور الثاني بناء الفيلل والسكن الاقتصادي خلال الأشهر الستة المقبلة. وبحسب المراقبين فإن هذا التحول لا يخرج عن انعكاس واضح للتحولات السعرية في سوق الإنشاءات بشقيه مواد البناء وتكلفة التشييد على خلفية التصحيح ألسعري الذي جاء كنتيجة حتمية لتأجيل بعض المشاريع وتزايد أعداد المقاولين بنوعيهم الرئيسي والفرعي.

الإسكان المتوسط

يرى الخبراء بأن شركات التطوير العقاري اليوم باتت أكثر حذراً فيما يتعلق بتطوير منشآت سكنية تستهدف ذوي الدخول العالية. وأصبحت تلك الشركات تعمل على إنجاز ما بدأت به أو تأجيل ما لم يتم ببيعه خوفاً من ظهورها كمن يسبح ضد تيار الطلب في السوق الذي بات اليوم في صالح السلعة العقارية التي تلبي متطلبات ذوي الدخول المتوسطة.

وتدرس العديد من تلك الشركات اتخاذ خطوات هامة خلال الأشهر الستة المقبلة لجهة مراجعة المشاريع قيد الدراسة وتحويلها من مشاريع فاخرة إلى مشاريع إسكان متوسط. فنسبة العقارات الفاخرة في السوق أصبحت كافية والمعروض منها يغطي الطلب عليها لعامين مقبلين مع انجاز المشاريع الجاري تنفيذها حالياً.

ويرى المراقبون بأن ما يزيد على 80% من المشاريع العقارية تغازل فئة ذوي الدخول المرتفعة فيما تذهب النسبة المتبقية لذوي الدخول المتوسطة التي تعاني نقصاً حاداً منذ عامين لكن مع تغير ملامح السوق في الزمن الراهن فإن المطورين العقاريين باتوا أكثر انتباها لهذه الشريحة بوصفها الطبقة الأكثر فاعلية في تحريك السوق من جهة ولتحقيق التوازن المطلوب في سوق الإيجارات والتملك من جهة أخرى.

ودعا الخبراء الى ضرورة قيام المطورين بزيادة عدد مشاريع الاسكان المتوسط استمرار إطلاق مشاريع تستهدف ذوي الدخول المرتفعة، سيؤثر على شريحة ذوي الدخل المحدود الذين يعانون من ارتفاع إيجارات مساكنهم.

وحذر بعض المراقبين من مغبة تفاقم مشكلة النقص الحاد في المشاريع السكنية المتوسطة، لما لها من انعكاسات سلبية نظرا للحاجة المستمرة لخدمات ذوي الدخل المتوسط في الكثير من القطاعات الإنتاجية.

تحول لصالح الفيلل

أجمع العديد من مديري الشركات العقارية التي استطلعت أراءهم «البيان الاقتصادي» على أن السوق العقاري بالدولة عموما وفي دبي على وجه الخصوص يشهد تحولات نوعية بين الحين والآخر على خلفية بوادر نضج تلوح في أفق السوق وفي سلوك المطورين والمشترين والمستأجرين.

ويقول هؤلاء إن الطلب على الفيلل السكينة الآن يتقدم بفارق كبير على الطلب الموازي له على صعيد الشقق السكنية، بسبب ما تتمتع به الفيلل من مواصفات تدعم تفوقها وجاذبيتها مقارنة بالشقق السكنية فالفيلا تشيد على ارض تكسبها المزيد من القيمة بعكس الشقة التي تعد جزءاً من مجمع سكني،بالإضافة إلى أن كل أسواق العقارات العالمية تتعامل مع تقييم الفيلل بأعلى من الشقق.

وقريبا من الطلب والعرض فان أولئك العقاريين يرون بان الطلب على الإيجار في اغلب إمارات الدولة سيشهد تراجعا خلال الأشهر الست المقبلة لصالح الشراء على خلفية التراجع في أسعار العقار مقارنة بالإيجار وبنسب متفاوتة.

تحول في السلوك

يذهب الخبراء إلى التأكيد على أهمية تزايد الطلب على الفيلل السكنية مقابل الطلب على الشقق التي ما زال الطلب عليها مستمرا، ما يقود على الاعتقاد بان سلوك المطورين تغير إلى جانب تطور سلوك المشترين باتجاه تفضيل الفيلل على الشقق. ويرى هؤلاء بأن الفارق الجوهري بالنسبة إلى المستثمرين الذين يشترون الفلل بدلاً من الشقق ناجم عن أن عدد الفيلل قيد الإنشاء في دبي حالياً اقل بكثير من عدد الشقق، كما أن العديد من المقيمين يفضلون استئجار الفلل أكثر من الشقق.

ويشرح هؤلاء مميزات الفيلا على «أنها مبنية على قطعة ارض مما يكسبها المزيد من القيمة بعكس الشقة التي تعتبر جزءاً من مجمع سكني، وهناك عامل أضافي آخر يدخل في الحساب وهو انه في كل أسواق العقارات العالمية يتم تقييم الفيلل بأعلى من الشقق، في حين يتم بيع الفيلل في دبي بحسومات مماثلة لشقق «الدوبلكس»، وهي علاقة ترابطية ينبغي أن تنعكس مع الوقت.

ولا يبدو الاستنتاج غريباً انه في مدينة، حيث يتم تشييد 216 برجاً وفق احدث الإحصائيات ويفترض أن ينجز بناء عشرات آلاف الشقق في السنوات القليلة المقبلة، ان سوق الفيلل تعاني من نقص في المعروض، وبالتالي فان المعروض من الفلل سيتناقص مع ازدياد عدد الشقق.

ويعتقد المراقبين بان مستقبل العرض والطلب يكشف بان الفيلا في دبي تبدو أفضل للشراء من الشقة، على الأقل في الفئة الفخمة من السوق.وبالطبع عندما تشتري فيلا على التصاميم كما فعل المشترون في العديد من المشاريع فأنهم هنا لا يملكون ضمانة لناحية الجودة النهائية للفيلا إضافة إلى موعد التسليم المفترض ولكن احتمالات عدم القدرة على تأجير الفيلا تبدو بعيدة، كما ان فرصة تحقيق أرباح رأسمالية من الفيلا أفضل بالتأكيد من سوق الشقق التي سيكون فائض المعروض فيها اقل في ذلك الوقت.

معاناة

ويجد المواطنون صعوبة كبيرة في الحصول على فيلا مناسبة بالرغم من تضاعف قيمة إيجار الفيلا بنسبة كبيرة وصلت في الأعوام الماضية إلى 300% بحيث قفزت من 25000 درهم قبل 3 سنوات إلى ارقام خيالية حتى نهاية 2008.

وذكر تقرير لشركة «لاندمارك الاستشارية» لعام 2009 إنَّ السوق العقارية الإماراتية باتت تقف اليوم على عتبة عهد جديد. وأشار التقرير إلى أنَّ السوق العقارية في المنطقة ستشهد تحولاً لافتاً خلال المرحلة المقبلة عبر خضوعها لدينامية ومعادلة العرض والطلب، بحيث تحدِّد احتياجات العملاء الفعلية وأفضلياتهم أسعارَ العقار بعيداً عن المضاربات المحمومة التي هيمنت خلال المرحلة السابقة.

وقال دانيال سيلينو، المحلِّل والباحث في لاندمارك الاستشارية: «مع تواصل تراجع الأسعار على امتداد غالبية القطاعات العقارية في عام 2009، فإن المطوِّرين العقاريين الذين يفون بوعودهم ويطبقون المعاييرَ الهندسية والإنشائية الفائقة سيواصلون مسيرتهم وإنجازاتهم خلال السنة الحالية، فيما ستكون الوحدات العقارية ذات المعايير الهندسية والإنشائية المتدنيَّة الأكثر تأثراً بالأزمة الاقتصادية الراهنة وما يترتب عليها من تراجع في أسعار العقار.

وفي المعدَّل، نتوقع أن تتراجع أسعار الشقق بنسبة 20 بالمئة وأسعار الوحدات المكتبية بنسبة 35 بالمئة، فيما من المرجَّح أن تستقر أسعار الفيلل نسبياً خلال المرحلة المقبلة».

وألمح التقرير إلى متانة قطاع وحدات المستودعات الذي يُعدُّ من القطاعات التي تشهد طلباً متنامياً يفوق عدد الوحدات المعروضة، الأمر الذي يدعم أسعارها خلال المرحلة المقبلة بسبب قدراتها التأجيرية العالية.

توقعات

تكاليف ورسوم

اما توقعات تكاليف البناء للعام 2009: فلا تخرج عن أشارت على انخفاض تكلفة البناء. ومن المتوقع أن الأسعار ستستمر بالانخفاض حتى الربع الثاني من العام 2009 بنسبة 10%-15% البحث عن الأسعار واستكشافها: لقد أُعيد تقييم أسعار العقارات نسبة للتقلبات في السوق العقاري واختلاف دوافع كل من البائع والمشتري.

محاولة معرفة أسعار العقارات سبب بعض الفوضى في قائمة البيانات ، حيث لا يمكن الاعتماد على تلك القوائم كمؤشر للأسعار الحقيقية في السوق. وفيما يتعلق برسوم الصيانة: فهي تكلفة عادةً ما تكون خفية ويجرى التغاضي عنها، إلا أنها تخضع لمفاجآت وتغيرات جذرية في بعض الأحيان. في الوقت الحاضر، يحاول الملاك الربح عن طريق تحميل هذه الرسوم على المستأجرين.

دبي- مشرق علي حيدر