لم يكن المشهد في السوق العقاري المحلي واضحاً خلال الأشهر الستة الماضية، فتداعيات الأزمة العالمية من مخاوف وقلق سيطرا بشكل لافت وبمساحات غير مبررة على تحركات القطاعات المتصلة بصناعة العقار بسرعة البرق، ورحّلت بعض المشاريع إلى رفوف التأجيل، ونقلت العديد من الشركات العقارية والمستثمرين إلى مقاعد المتفرجين والمراقبين فتأثر أداء سوقي العقارات والإنشاءات ولم يبق غير أصوات اللاعبين من ذوي الملاءة المالية المستقرة، لكن المؤشرات اليوم تعكس تفاؤلاً لما يحمله رحم النصف الثاني من العام الجاري.
في هذا الملف تستطلع «البيان الاقتصادي» ملامح شهر العسل الجديد بين السوق العقاري والانتعاش المقبل معتمدة على نجاح السوق في تلمس طريقه للخروج من تداعيات الأزمة العالمية ضارباً أكثر من عصفور بحجر واحد. فالمستثمرين باتوا أكثر نضجاً وحذراً والأسعار تخلت عن جناية حرق أحلام الراغبين بتملك منزل العمر.
فيما تلقى المؤجرون ضربات موجعة لطموحاتهم غير المشروعة بتحقيق أرباح على أكتاف الطلب المرتفع أمام المعروض المتراجع بينما بدأت الرياح تلبي ما تشتهيه سفن التطوير العقاري من مرونة التمويل إلى استقرار مواد البناء وتكلفته وأجور العمالة بعد تراجع صحي في القيمة.
في الحلقة الثانية نسلط الضوء على: العقارات الجاهزة بوصفها السلعة القيادية في الصفقات العقارية الحالية. وقد باتت عالماً مهماً في وقف نزيف خسائر المطورين كما تساهم في جر السوق للعودة إلى الصفقات الساخنة.
السوق يدعم
يرى المراقبون ان الأشهر الستة المقبلة ستكون عصراً لصفقات العقار الجاهز. ويعتقد المراقبون ان هناك مؤشرات على أن استمرار ذلك حتى 2010. ويرجع هؤلاء أسباب ذلك إلى ان العديد من المشاريع العقارية قد جرى تأجيلها ما يجعل الطلب مرتفعاً من جهة وما يجعل كفة العقار الجاهز مرجحة على العقارات المباعة على الخارطة.
عموماً تتمتع صفقات بيع العقارات الجاهزة بجاذبية أكبر من مثيلتها على الخارطة ويدعم الأولى مجموعة أسباب وعوامل أبرزها المكاسب التي يجنيها المشتري من العقار الجاهز وفقاً للفرص المتاحة في السوق في الوقت الراهن فيما لا تتمتع العقارات على الخارطة بأكثر من ميزة الأسعار التنافسية.
أبرز المكاسب
يمثل العقار الجاهز استثماراً طويل الأجل، بالإضافة إلى كونه جاهزاً للسكن، ويشكل مورداً استثمارياً عند التأجير، إلى جانب فرصه التي بالتأكيد ستكون أكبر عند عرضه للبيع، هذا غير فرصه الكبيرة عند قرار مالكه بالحصول على تمويل لشرائه، أو لإعادة تمويله. ويبقى أحد أبرز مزايا العقار الجاهز، شموله بقرار الحصول على تأشيرة زيارة قابلة للتجديد.
تحديات
أما العقار المباع على الخارطة فإن التحديات التي تواجهه أكبر بكثير من مكاسبه حسبما يرى الخبراء فهو غير جاهز للسكن، وفرصه أقل عند عرضه للبيع، وحظوظه أقل للحصول على التمويل، كما أنه غير مشمول بقرار الحصول على تأشيرة زيارة قابلة للتجديد. أما مكاسب العقار على الخارطة، فهي لا تتعدى كونه استثماراً طويل الأجل، وسعر شرائه تنافسي مقارنة بالعقارات الجاهزة.
حساب الضمان
مرت فترة طويلة على سن وتطبيق قانون حسابات الضمان العقاري لتنظيم سوق البيع على الخارطة في دبي. وأدى ذلك إلى السيطرة على السوق ولكن مؤخراً، أدت خلافات حول تأجيل عدد من مشاريع البيع على الخارطة إلى جعل المشترين أكثر حذراً، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى زيادة الطلب على العقارات المكتملة.
ولكن لم يكن لدى المشترين في سوق البيع على الخارطة الكثير من الشكاوى على مدى السنوات القليلة الماضية، حيث ارتفعت قيمة العقارات التي اشتروها من ضعفين إلى ثلاثة أضعاف أثناء عملية البناء، وحتى قبل أن يتموا دفع الأقساط.
وكانت تلك تجربة ناجحة للمشترين في مئات المشاريع المختلفة، إلا أن تلك المشاريع لم تنجح جميعها. فقد ألغيت بعض العقود وتمت إعادة النقود مع الفائدة.
الحذر مطلوب
ولعله من شأن هذه الحالات أن تجعل المشترين يفكرون مرتين قبل أن يشتروا على الخارطة، لأنه وعلى الرغم من أن حساب الضمان الجديد يضمن ألا يتم استخدام الأموال إلا للمشروع نفسه، فإنه لا يضمن أن يقوم المطور الثانوي بعمل متقن.
ولا يجدر على المشترين في سوق الشراء على الخارطة أن يشتروا إلا في المشاريع التي بدأت بالفعل، الأمر الذي سيوفر فرصة أفضل للتحرك حسب التاريخ المحدد. ولا يحبذ المقاولون التجول حول مواقع المشاريع متى بدأ العمل.
ولكن لن يساعد هذا كثيراً من حيث ضمان جودة المنتج النهائي. فقد تكون سمعة المطور والمقاول من المشاريع السابقة أفضل دليل ولكن ليس قطعياً.
ولا يعد إنجاز المشاريع على نحو غير متقن أمراً جديداً.
وعادة ما يحصل المشترون في سوق الشراء على الخارطة على خصم لموازنة بعض هذه المخاطر. ولكن ربما على المشتري الشراء من سوق العقارات المكتملة الثانوية إذا لم تثق في هذه الأمور، ولكن يجب عليك دفع نقود أكثر لتكون قادراً على رؤية الذي ستحصل عليه.
ربما ما زال سوق الشراء على الخارطة يتمتع بسمعة جيدة لكنه قد يكون متباطئاً جداً، حيث تم تعويض تأخر تسليم العقارات من خلال ارتفاع الأسعار والنوعية الجيدة والتي يمكن تطويرها بسهولة. ولكن ستكون العقارات المكتملة في السوق الثانوي المستفيد الرئيسي عندما يصبح المشترون أكثر حذراً حول البيع المبكر، مضيفاً سبباً آخر لارتفاع الأسعار هذا العام.
أسرار
هناك عدد من «الأسرار» - التي يسردها الخبراء في امي انفو - أو الاعتبارات الرئيسية عند شراء وحدات عن طريق الشراء المبكر وهي:
1. من هو المطور؟ ومنذ متى يعمل في السوق؟ وكم عدد المشاريع التي أطلقها وكم عدد المشاريع التي جرى تسليمها؟ هل كانت هناك أي شكاوى حول جودة هذه المشاريع؟ هل تثق بهذا النوع من الناس لتضع أموالك معهم؟
2. ما هو نوع الدعم المالي الذي يملكه المطور؟ ويرتبط هذا الأمر بالسؤال الأول إلا أنه مختلف بشكل قليل. وتعتبر المشاريع المملوكة للحكومة من أكثر المشاريع أماناً.
3. فكر أيضاً في أسعار الوحدات المعروضة للبيع من حيث تكاليف البناء. هل تبدو الوحدات رخيصة جداً بحيث لا تسمح للمطور باستكمال البناء؟ ورغم أن الأمر يبدو غير منطقي، إلا أنه ينبغي أن يطلق الشراء المبكر للوحدات الرخيصة إشارات تحذير، فقد يعني انخفاض التكلفة انخفاضاً في الجودة أو حتى عدم قدرة المطور على التسليم وخاصة إذا وقع في متاعب مالية.
4. أصبح فتح حساب ضمان إلزامياً في دبي لجميع مشاريع البيع المبكر. ولكن يجب عليك أن تعرف أي بنك يقدم تسهيلات الضمان. ومرة أخرى ستكون البنوك المملوكة للحكومة أو التي تمتلك حصة مسيطرة فيها على درجة عالية من الضمان.
5. يجب عليك أن تكون دقيقاً إذا اقترضت المال من أجل الشراء المبكر وخاصة في جعل الدفعات تتناسب وظروفك المختلفة. فأنت لا تريد أن تدفع فائدة على قرض من أجل مشروع متأخر، أو على الأقل أنت بحاجة لإبقاء فرص هذا الأمر قليلة قدر الإمكان.
6. يعتمد تحديد حجم المخاطرة التي تقوم بها أثناء عملية الشراء المبكر على مرحلة المشروع الحالية. وتعتبر المخاطرة عالية إذا لم يبدأ العمل في الموقع، وكان كل ما أمكنك رؤيته رسوم هندسية. أما إذا رأيت العمل جارياً وتم إحراز تقدم ملموس في البناء فإن إمكانية التسليم في الموعد المحدد تصبح أكثر احتمالاً. ويقوم العديد من المطورين بإبقاء بعض الوحدات للبيع في وقت لاحق من البناء، ولكن أسعارها تكون أعلى من سابقاتها.
7. ويجب أيضاً أخذ تكاليف الإيجار الحالية بعين الاعتبار. هل سيعني شراؤك المبكر بأنه عليك البقاء في مكانك ودفع إيجارات مرتفعة لمدة طويلة؟ إذا كان الأمر كذلك فانك بحاجة إلى أن تضيف تلك إلى التكلفة، وأن تفكر فيما إذا كان الانتقال إلى عقار مكتمل في السوق الثانوية سيكون منطقياً أكثر.
8. يعد المكان أهم اعتبار عند شراء أي عقار، ولكن يبدو أن الناس ينسون هذا الأمر عند الشراء المبكر وفي كثير من الأحيان. يجب عليك تفقد الموقع شخصياً، حتى ولو كانت مجرد قطعة من الصحراء! لأن هناك فرقاً كبيراً بين الذين يعيشون في «داون تاون» دبي قرب برج دبي، أطول مبنى في العالم، والذين يعيشون في الصحراء ضمن «دبي لاند».
صفقات متاحة
يعزو نيل تزايد المعاملات إلى عدد من الصفقات النقدية المتاحة للمشترين، والعودة البطيئة للسيولة بعدما عادت المصارف المحلية للاستمرار في الإقراض وإن كان في إطار معايير أكثر صرامة. «إن اثنين من أكبر مزوّدي الخدمات وهما أملاك وتمويل اللذان بلغت حصتيْهما من السوق نسبة 60%، لم يعودا لممارسة نشاطيهما على الإطلاق، كما أننا لا نعلم متى سيتم ذلك».
«بدأت المصارف التجارية في الدخول، ومن الواضح أنها تتطلّع إلى أخذ حصتها من السوق كما أن بعضها يتصرف بإصرار كبير. الإقراض الآن أكثر أماناً بالنسبة لهم بسبب انخفاض الأسعار، وعلى افتراض أنها لن تهبط أكثر من ذلك فإن لديهم شبكة أمان جيدة الآن».
دلالات
ارتفاع المعاملات
وقد سارعت بعض الشركات العقارية بإعلان سعادتها جرّاء حدوث ارتفاع في عدد المعاملات وتباطؤ الاستهلاك معتبرة ذلك نقطة تحوّل للسوق. فقد قال تشارلز نيل، المدير المالي لشركة لاندمارك للعقارات في مقابلة مع إمي إنفو «لست متأكداً ما إذا كانت عبارة (الارتداد من القاع) هي العبارة المناسبة لكن يمكن بالتأكيد القول اننا بدأنا الدخول في مرحلة الاستقرار».
«كان هناك هبوط في أسعار الإيجارات والمبيعات على حد سواء، وبعضها، كما أعتقد، كان سببه الذعر في أشهر نوفمبر وديسمبر ويناير. ما لاحظناه خلال الأشهر القليلة الماضية هو أن الفرق بين الأسعار المطلوبة وتلك الواردة في المعاملات قد أصبح ضيقاً. إنها دلالة على أن البائعين ليسوا مستعدين لخفض الأسعار أكثر من ذلك، إذ يفضلون سحب ممتلكاتهم من السوق على ذلك».
وقد لاحظ محللون عقاريون توجهاً مماثلاً في السوق كما قال مصرف ستاندرد تشارترد في تقرير له عن القطاع «وبعد أن وصل الهبوط إلى 40% فلقد ظهرت أول بوادر استقرار في قطاع العقارات في دبي، ما شكّل مفاجأة للمراقبين، حيث كان من المتوقع حدوث المزيد من الانخفاض.
اشارات
أسعار العقار
امتلأت وسائل الإعلام الإقليمية بروايات متضاربة عمّا إذا كان سوق دبي العقاري قد وصل إلى قعر دوامة الانحدار أم لا. في حين سارعت الشركات العقارية إلى الإشارة إلى بوادر تحسن محتمل في القطاع. حتى المحللين من بيوت المال العالمية مختلفون فيما تحمله الفترات القادمة لقطاع العقارات. فقد قال تقرير أصدره مؤخراً مصرف إتش إس بي سي ان أسعار العقارات في الإمارة قد ارتفعت بنسبة 4% خلال شهر أبريل و5% خلال شهر مايو.
حسبما جاء في التقرير فإن «بيانات السوق لشهريْ أبريل ومايو تظهر مجموعة من المؤشرات الإيجابية كارتفاع أسعار بيع الممتلكات، ومستوى العقود الجيد، وتخفيف المصارف قيودها على معايير الإقراض.
لكن لن نتمكن من تحديد مدى الاستدامة لهذا التوجه حتى وقت لاحق من عام 2009». ويقول مصرف دويتشه «إننا نتوقع انخفاضاً آخر لأسعار العقارات بنسبة تتراوح ما بين 15% إلى 20% عن المستويات الحالية، ولا نتوقع أن تصل السوق إلى مرحلة القعر قبل نهاية العام الجاري».
دبي ـ مشرق علي حيدر
