لم يكن المشهد في السوق العقاري المحلي واضحاً خلال الأشهر الستة الماضية، فتداعيات الأزمة العالمية من مخاوف وقلق غير مبررين سيطرت بشكل لافت وبمساحات مبالغ فيها على تحركات القطاعات المتصلة بصناعة العقار بسرعة البرق، ورحّلت بعض المشاريع إلى رفوف التأجيل، ونقلت العديد من الشركات العقارية والمستثمرين إلى مقاعد المتفرجين والمراقبين فتأثر أداء سوقي العقارات والإنشاءات ولم يبق غير أصوات اللاعبين من ذوي الملاءة المالية المستقرة، لكن المؤشرات اليوم تعكس تفاؤلاً لما يحمله رحم النصف الثاني من العام الجاري.
في هذا الملف يستطلع «البيان الاقتصادي» ملامح شهر العسل الجديد بين السوق العقاري والانتعاش المقبل معتمداً على نجاح السوق في تلمس طريقه للخروج من تداعيات الأزمة العالمية ضارباً أكثر من عصفور بحجر واحد. فالمستثمرون باتوا أكثر نضجاً وحذراً والأسعار تخلت عن جناية حرق أحلام الراغبين بتملك منزل العمر. فيما تلقى المؤجرون ضربات موجعة لطموحاتهم غير المشروعة بتحقيق أرباح على أكتاف الطلب المرتفع أمام المعروض المتراجع بينما بدأت الرياح تلبي ما تشتهيه سفن التطوير العقاري من مرونة التمويل إلى استقرار مواد البناء وتكلفته وأجور العمالة بعد تراجع صحي في القيمة.
في الحلقة الأولى نسلط الضوء على: ملامح التحول في سلوك البنوك ومؤسسات التمويل تجاه الإقراض العقاري بعد ما يمكن تسميته بالقطيعة التي ظهرت جلية بداية العام الجاري على خلفية الأزمة العالمية.
أرباح البنوك
هناك لاعب وحيد في سوق التمويل اختار ان يسجل قصب السبق في إعادة الإقراض على نحو مرن وغير متشدد، وبالطبع فإن المصارف الإسلامية هي ذلك اللاعب الذي بدأ يمزق الصمت المطبق في سوق التمويل العقاري مدعوماً ـ ربما ـ بأرباح سجلتها أربعة مصارف إسلامية مدرجة في سوقي أبوظبي ودبي الماليتين خلال الربع الأول من العام الجاري وبلغت 43 مرة بوصولها إلى مستوى 6 .789 مليون درهم مقارنة بأرباحها المسجلة في الربع الأخير من العام الماضي والتي بلغت 8 .17 مليون درهم.
وقد أعلن بنك دبي الإسلامي، أكبر بنك إسلامي في دولة الإمارات، عن توفيره تمويلاً سكنياً بما يصل إلى 90% من قيمة العقار في الإمارات.
ويمكن لمشتري العقارات الاستفادة من فترة التمويل التي يوفرها «الإسلامي للتمويل السكني» والتي تمتد حتى 25 عاماً على العقارات الجاهزة والعقارات قيد الإنشاء من المطورين المرخصين. وتتوفر هذه التمويلات للمواطنين والأجانب المقيمين، كما يقدم البنك حلول إعادة تمويل العقارات الجاهزة.
وقال الدكتور عدنان شلوان، رئيس الخدمات المصرفية للأفراد والأعمال في بنك دبي الإسلامي: «يبحث مشترو العقارات في دولة الإمارات عن حلول سهلة ومريحة للتمويل السكني. وانطلاقاً من التزام بنك دبي الإسلامي تجاه عملائه، فإنه يسعدنا فتح أبواب جديدة لهم من خلال تمويل ما يصل إلى 90 من قيمة بيت أحلامهم».
زيادة الإقراض
وقد كشفت بيانات المصرف المركزي عودة نشاط البنوك لإقراض الأفراد بزيادة 6 مليارات درهم في شهر مايو الماضي لأول مرة منذ مطلع العام. والإقراض الشخصي يشمل التمويل السكني والسيارات وقروض الأفراد. وارتفع عرض النقد الأوسع في السوق المحلي خلال مايو ليصل إلى 940 مليار درهم مقابل 922 مليار درهم في شهر ابريل الماضي.
وأظهرت إحصائيات المركزي زيادة صافي أصول البنوك 2 .1% إلى 498 .1 تريليون درهم مقارنة بحوالي 480 .1 تريليون في ابريل.
وتمكنت البنوك من رفع حجم الودائع لديها خلال شهر مايو الماضي بواقع 11 مليار درهم، حيث ارتفع حجم الودائع من 6 .961 مليار درهم في ابريل إلى 4 .972 مليار درهم بنهاية مايو. هذا في وقت زادت القروض بواقع 9 .5 مليارات درهم لتتجاوز التريليون درهم بنهاية مايو، حيث كانت قد بلغت 7 .997 مليار درهم في شهر ابريل و995 مليار درهم بداية العام وتأتي هذه الزيادة نتيجة ارتفاع حجم القروض الشخصية بنسبة 3% في مايو والتي بلغت 6 .207 مليارات درهم مقابل 7 .201 مليار في شهر ابريل الذي سبقه مقارنة بـ 207،2 مليارات درهم مطلع 2009 الجاري.
وكرر ستيف برايس مقولته حول ردة الفعل المحتملة للمطورين العقاريين حيال أي تباطؤ في السوق العقاري في دبي، وقال ان الانخراط الحكومي في القطاع مرتفع لدرجة ان المطورين العقاريين يحافظون على الكثير من الوحدات السكنية شاغرة بدلاً من عرضها في السوق، وبذلك يحافظون على مستوى مرتفع للأسعار لم يكن ليستمر لو كان السوق مفتوحاً.
ويؤكد ان هذه السياسة تتسم بناحية سلبية وهي انها في فترة تعرض القطاع العقاري للضعف فان هذه الفترة تكون أطول زمنياً مما لو كانت في سوق عقاري حر، ولكن من الناحية الأخرى، فان هذه السياسة تشكل عامل ضمان إضافياً بالنسبة إلى الأشخاص الذين اقترضوا لمدة طويلة.
تراجع بلغ مداه
وقال اتش.اس.بي.سي في تقرير حديث ان تراجع السوق العقاري في الإمارات العربية المتحدة بدأ يبلغ مداه مع استقرار الأسعار.
وقال التقرير ان الأسعار المتفق عليها ارتفعت أربعة بالمئة على أساس شهري في ابريل وخمسة بالمئة في مايو لكنها لا تزال أقل 23 بالمئة من الذروة التي لامستها في سبتمبر 2008.
وقال التقرير «استقرار الأسعار يبدو نتيجة لعدة عوامل».
وأوضح أن السيولة بدأت تعود إلى السوق مع قيام شركات التمويل العقاري برفع نسب القرض إلى القيمة وتسهيل معايير الائتمان.
وبالإضافة إلى ذلك تتراجع أسعار القروض العقارية مع استمرار انخفاض سعر الفائدة المعروض بين بنوك الإمارات (ايبور) في وقت تتراجع أسعار الودائع أيضاً. وقال البنك ان العائد الإيجاري لا يزال مغرياً أيضاً.
وأضاف البنك انه في حين لا تزال الفرص طويلة الأجل لشركة الدار العقارية التي تتخذ من أبوظبي مقراً «مواتية» إلا أن استثماره المفضل الآن هو إعمار العقارية في دبي.
عودة التمويل
هناك أكثر من إشارة على أن عملية الإقراض العقاري في الإمارات عموماً ودبي على نحو خاص سوف تعود من جديد على نحو أوسع مما كان عليه خلال الـ 6 أشهر الماضية، ويدعم توجه مؤسسات التمويل قيم العقارات التي وصلت إلى مستوى معقول وعادل.
قال بارماك بيشاراتي، العضو المنتدب في «الماس كابيتال»: «بالنسبة للتمويل العقاري، تنظر البنوك إلى قيم العقارات الآخذة بالتراجع، فلا ترغب بالتورط في الأصول منخفضة القيمة».
لذا، سوف يكون الإقراض متاحاً عندما تصل قيمة العقارات إلى حد معقول على مستوى الدولة. قام بيشاراتي بتعريف «المستوى العادل» على أنه المستوى الذي عنده تتمكن العائلات متوسطة الدخل من تحمل النفقات، لكنه استثنى كلاً من العمال القادمين من الخارج بعقود عمل محددة، وجماعة الأثرياء في الدولة.
تراجع متوقع
يقول ستيفن أشفورد، الخبير العقاري في إحدى شركات التطوير «كنا نعلم جميعاً ان هناك تراجعاً سيحدث في السوق عام 2009 /2010، والأمر الذي فاجأ الجميع هو سرعة تأثرنا بما حدث، حيث كان له كل ذلك التأثير الكبير والحقيقي على القطاع العقاري.
أما الآن، فقد بات من تحدي عمل أي مشروع في هذا السوق، هذا لأن السوق الحالي القائم على مبيعات مشاريع خارجة عن الخطط المرسومة يعتمد على الديون، فاستعادة رأس المال جاء نتيجة لهذه الأزمة. لطالما كانت تلك المبيعات تأتي بنتائج مختلفة مما غيَّر القطاع جذرياً على المدى القصير.
وحيث ان السوق يعتمد أساساً على التدفقات النقدية، لا يمكن للشركة المطورة أن تكمل أي مشروع إلا إذا تم تزويدها بالمال من قبل الزبون. فلا يمكن التعامل في هذه السوق ان كان هناك دين أو نقص في التمويل.
في المشاريع غير المرسومة، عندما كنت تبيع 100 وحدة عقارية خلال ساعة واحدة، كان ذلك بمثابة انجاز كبير بغض النظر عن الجهة التي قامت بالشراء ومدى استمرارها على التمويل، هذا ما قاله خالد هولادار مسؤول الاعتماد في موديز.
وأضاف: ان الوصول إلى القاع لا شأن له بالأساسيات بل هي مسألة الثقة، فينبغي أن يكون هناك طرفي تعامل بالسوق البائع والشاري. هناك من يرغب بالشراء لكنه لا يحصل على التمويل حيث تتحفظ البنوك على أمواله. وأشار « أنا أرى الاستمرارية على المدى الطويل».
نظرة تفاؤل
ورأى خبراء بأن النظرة طويلة المدى للقطاع العقاري في دبي إيجابية، قال أشفورد ان مدى تأثر القطاع العقاري بالمساعدات الحكومية العالمية بدأ يتضح لخدمة السوق.
وقال بيشاراتي: «أنا متفائل بالنسبة للتطلعات طويلة المدى، فدبي سوف تصبح مكاناً أمثل للعيش عندما تتماشى تكاليف الإيجارات وأسعار الشراء مع المستوى الذي تستطيع عنده العائلة تحمل النفقات.
مقدرة
استقرار وسيولة مالية
تؤكد الإمارات يوماً تلو اخر قدرتها على مواجهة تداعيات الأزمة المالية العالمية من خلال أرضية صلبة ترتكز على جملة التدابير الاقتصادية الحاسمة والإجراءات الفورية التي بادرت إليها الدولة.
وجاءت تلك النتائج على خلفية الدراسة الخاصة التي أجريت بهدف دعم المصارف في إعداد جداول إدارة المخاطر الخاصة بها وهدفت إلى تقييم إمكانات المصارف ومدى تماشيها مع المعايير الوطنية وأفضل الممارسات العالمية. وقد لعبت اللجنة الوزارية دوراً مهماً في اتجاه ضمان ازدهار القطاع المالي في الدولة واتخذت عدة خطوات لضمان استمرار قوة القطاع بما في ذلك ضخّ 50 مليار درهم لدعم القطاع المالي بغية التأكد من وجود سيولة كافية والتحول إلى المستوى الثاني لرأس المال.
وكذلك اتخاذها عدداً من التدابير الوقائية الداعمة للمصارف وإطلاقها برنامجاً لضمان الودائع المصرفية المشتركة لزيادة الثقة بالقطاع إضافة إلى إعلانها إدراج بعض الأدوات المصرفية وموافقة مجلس الوزراء على إعادة النظر في قانون الإفلاس وقانون الدين العام.
وفي دبي، عكس الأداء الصحي للمصارف العاملة في الإمارة تلك الحقائق، حيث جاء الأداء المتوازن للبنوك الوطنية الرئيسية العاملة في دبي خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي وتحقيقها نتائج متوازنة خلال الربع الأول واستئنافها تدريجياً لعمليات الإقراض، ليبدد المخاوف من تعرضها لعمليات تخفيض في التصنيفات الائتمانية الممنوحة من قبل مؤسسات التقييم العالمية، خاصة خلال فترة الأزمة المالية العالمية.
وحققت بنوك دبي المدرجة في سوق دبي المالي أرباحاً بلغت 2 .2 مليار درهم خلال الربع الأول من العام الحالي مقارنة مع 2 .3 مليارات درهم عن الفترة ذاتها من العام الماضي، فيما سجلت ودائع العملاء نمواً لافتاً نتيجة القرارات التي اتخذتها الحكومة بضمانها لترتفع بنسبة 18% إلى 330 مليار درهم مقابل 280 مليار درهم مسجلة في نهاية العام الماضي.
نتائج
دعم أسعار المنازل
شرح المحللون الاقتصاديون في ستاندرد تشارترد بنك في آخر نشرة عن التوقعات بالنسبة إلى الإمارات كيف يدعم الازدهار الاقتصادي في الإمارات القطاع العقاري في دبي، وهذا الأمر يستحق التفحص بالتفصيل لأنه يلقي الضوء على النظرة المستقبلية للقطاع العقاري في دبي في وقت من السنة، حيث تسجل المبيعات تباطؤاً.
وقد رفع التقرير الأخير الصادر عن ستاندرد تشارترد بنك بعنوان «الشرق الأوسط في الميزان» من توقعاته بالنسبة إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات إلى 2 .10% خلال العام الحالي وذلك يعود جزئياً إلى نمو القطاع النفطي بنسبة 11% مع ارتفاع أسعار النفط ودخول منشآت نفطية جديدة حيز الإنتاج إضافة إلى زيادة الإنفاق الحكومي بنسبة 20%.
ومع الأخذ في الاعتبار ان أسعار الفائدة في الإمارات مرتبطة بالدولار الأميركي فإن ذلك يؤدي إلى معدلات فائدة حقيقية سالبة، وكان صندوق النقد الدولي قد توقع ان يبلغ معدل التضخم في الإمارات خلال العام الماضي 8%، ولكن الرقم لم يتضمن الزيادة المسجلة في أسعار الإيجارات بنسبة 1 .30% بالمقارنة بين أول 3 أشهر من العام الجاري مع الفترة نفسها من 2005.
ان معدلات الفائدة الحقيقية السالبة في اقتصاد ما تؤدي إلى ارتفاع قوي في عمليات شراء العقارات مع تآكل القرض المخصص لتسديد أقساط المنازل بالأرقام الحقيقية في حين ان القيمة الاسمية تتزايد مع ارتفاع التضخم، وفي اختصار فان القروض تتقلص وأسعار المنازل تنمو في ظل هذا المناخ الاقتصادي.
وكما أشار الخبيران الاقتصاديان في ستاندرد تشارترد بنك ستيف برايس ومونيكا مالك فان القطاع العقاري في دبي لا يزال مغرياً من ناحية الأسعار بالمعايير النسبية والمطلقة مقارنة مع الأسعار في مدن تعتبر مراكز تجارية عالمية، كما ان العائد التأجيري يعتبر مرتفعاً بالمعايير العالمية، كما لاحظ الخبيران ان نسبة النمو السكاني في الإمارات والمقدرة بـ 7 في الإمارات أكثر من كافية لاستيعاب الزيادة المستمرة في المعروض من الوحدات السكنية.
دبي ـ مشرق علي حيدر

