قدر مسؤولون في مركز دبي المالي العالمي ان الأزمة المالية العالمية قد حررت شهادة الوفاة لمعايير ضبط الأداء المصرفي والمالي فيما يتعلق بكفاية رأسمال المعروفة باسم «بازل 2» بما يؤشر على اقتراب تدشين نسخة جديدة من هذه المعايير تحمل اسم «بازل 3» تشتمل على معايير تتعلق بإدارة مخاطر السيولة وتعزيز السلطات الإشرافية والرقابية وتشديد اللوائح والأطر التنظيمية والتطبيق الصارم لمثل هذه اللوائح وأشار المسؤولون إلى أن عملية الانتقال من «بازل 2» إلى «بازل 3» قد تستغرق بعض الوقت نظرا لأنها بحاجة إلى المزيد من المشاورات والتنسيق بين السلطات النقدية على مستوى العالم.
جاء ذلك في ندوة نظمها أمس مركز دبي المالي بعنوان «السيولة وإدارة المخاطر» بالتعاون مع الجمعية العالمية للمختصين في إدارة المخاطر (اءزذ) و«صن جارد»، ودعا المشاركون إلى مراجعة الإستراتيجيات القائمة وطرح إستراتجيات ورؤى جديدة لتعزيز إدارة كل من السيولة والمخاطر في ظل الظروف الراهنة.
ورأى الدكتور ناصر السعيدي رئيس الشؤون الاقتصادية في سلطة مركز دبي المالي العالمي أن «بازل 3» ستضمن المزيد من الصرامة في تطبيق اللوائح والأطر التنظيمية، والمزيد من تبادل المعلومات، فضلا عن التنسيق بين الجهات التنظيمية على أساس دولي، ولفت إلى أن «بازل 2» ركزت بشكل كبير على المتطلبات والمعايير الخاصة بكفاية رأسمال، وأعرب عن اعتقاده بأن «بازل 3» كانت متوقعة منذ عام 2003، ولكنها قد تستغرق بعض الوقت لأنها بحاجة إلى تنسيق دولي. وانتقد الدكتور ناصر السعيدي ما أسماه بالتركيز المفرط لـ «بازل 2» على معايير كفاية رأسمال، شارحا بأن رؤوس الأموال التي بحوزة تكون أقل عرضة للمخاطر، ولكن تظهر إشارات خاطئة مع مرحلة نمو دورة الأعمال، حيث يبدو خارجيا أن هناك نموا في كفاية رأس المال بحكم تحسن مستويات الأسعار بيد أن ما يحدث في الواقع هو تراجع هذا النمو نتيجة تأقلم معدل كفاية رأسمال مع تأثيرات دورة الأعمال، وهو ما يجعل في الواقع يتراجع.
واعتبر الدكتور ناصر السعيدي أن قيام المصارف المركزية بوضع إطار عمل لإدارة مخاطر السيولة من شأنه أن يمكنها من قياس كمية السيولة المتاحة في المؤسسات كفرادى وبالتالي فإن مثل هذا الإطار وضع اللوائح التنظيمية على مستوى المؤسسات سواء أكانت بنكية أو غير بنكية.
ورأى الدكتور ناصر السعيدي أن الإطار التنظيمي والإشرافي في دول مجلس التعاون الخليجي قد ركز بشكل دائم على تنفيذ معايير بازل 2، ولكن هناك أنواع أخرى من المخاطر تتعلق بالمخاطر المالية ومخاطر الائتمان ومخاطر السيولة، معربا عن اعتقاده بأنه جرى التركيز بشكل مفرط على معايير ومستلزمات كفاية رأس المال، فيما لم يعط سوق قدر من الاهتمام لمسألة إدارة مخاطر السيولة.
دروس الأزمة
وأشار الدكتور ناصر السعيدي إلى أن أحد الدروس المستفادة من الأزمة المالية العالية هو التأكيد على أهمية الإصغاء لمديري المخاطر، حيث لم يكن أحد يعر اهتماما للإصغاء إلى مديري المخاطر، كما لم تكن إدارات إدارة المخاطر على مختلف المستويات في المؤسسات في أوروبا والولايات المتحدة تعمل بشكل كفء، فعندما يمر الاقتصاد بأوقات جيدة، لا أحد يكون لديه الرغبة في الاستماع إلى من ينبه بشأن المخاطر، ولكن يرغب في الإصغاء إلى العوائد والأرباح.
وأكد الدكتور ناصر السعيدي على أن مسألة السيولة تعتبر بالغة الأهمية لكافة الأنشطة المتعلقة بالسوق، فعندما تختفي السيولة، تتوالي سلسلة الانهيارات، بدءا من انهيار السوق ذاته، ومرورا بانهيار المؤسسات، ووصولا بانهيار الاقتصاد،ومن ثم، فالمخاطر المستدامة صارت وثيقة الصلة بمجريات الحياة اليومية، وهي ليست محصورة في النظام المالي والمصرفي.
وأوضح الدكتور ناصر السعيدي أن المرحلة الراهنة أظهرت ترابط القطاع الغير مصرفي بشكل وثيق مع القطاع المصرفي والمالي، وبالتالي، لم يعد كافيا أن تقوم الجهات التنظيمية والسلطات النقدية والمصارف المركزية بالنظر فقط إلى ما يحدث في النظام المصرفي والمالي، بل أصبحت بحاجة لأن تنظر لأوجه الارتباط الموجودة بين القطاع المصرفي والقطاعات الغير المصرفية كالعقارات والشركات.. الخ.
وفاة «بازل 2»
وفي السياق ذاته، رأي الدكتور فابيو سكاسيافيلاني بالإدارة الاقتصادية بمركز دبي المالي العالمي أن الأزمة المالية العالمية قد حررت شهادة الوفاة لـ «بازل 2» وأن العالم ينتقل بسرعة إلى «بازل 3» وأستشرف أبرز عناصر الإطار الجديد لضبط الأداء المصرفي والمالي بقوله: أن إطار العمل الجديد سيتضمن 5 مكونات رئيسية تتعلق بزيادة معايير ومتطلبات كفاية رأسمال، وتقليل الاعتماد على الرافعة المالية، وتشديد اللوائح والأطر التنظيمية والتنفيذ الصارم لهذه اللوائح، وأقلمة دورة الأعمال مع مقاييس ومعايير تتسم بالحصافة والتماسك، مشيرا إلى أن مثل هذا الإطار الجديد سيعزز ربط متغيرات الاقتصاد الكلي مع الاستقرار على مستوى الاقتصاد الجزئي.
ورأى أن أحد أوجه قصور «بازل 2» أنها لم تأخذ في الاعتبار اختلاف الطريقة التي يتم بها معالجة المخاطر على المستوى الاقتصادي الكلي تختلف عن تلك المتبعة في معالجة المخاطر من زاوية الاقتصاد الجزئي.
فعلي سبيل المثال، من السهل التعامل مع البنك المتعسر، ولكن من غير الممكن فعل ذلك عندما تكون هناك مشكلة على صعيد الاقتصاد الكلي، وذلك نتيجة انهيار النظام، وهو ما حدث خلال الأشهر الستة أو الثماني الماضية.
وقال الدكتور فابيو ان الأزمة المالية العالمية سلطت الضوء على المخاطر النظمية والتي تجسدت في انهيار النظام بأكمله، كما أوضحت أزمة الائتمان ومشاكل شح السيولة أن المصارف المركزية بحاجة إلى تطوير إطار عمل لإدارة السيولة، حيث ان الدرس الرئيسي المستخلص من الأزمة هو أن الاختلالات في موازنات المؤسسات المالية يمكن أن يقود إلى تقلص نمو الاقتصاد الحقيقي.
وشرح الدكتور فابيو أبعاد قضية السيولة من زاوية الاقتصاد الكلي، شارحا بأنه ما يطلق عليه مصطلح «السيولة».
يشير في الواقع إلى ظاهرة تمزج فيها النواحي الطبيعية والاجتماعية على نحو معقد ومركب والتي تنتج مخاطر لانهائية ولا محدودة، فيما تقل بشكل بالغ الأدوات الإحصائية والرياضية التي يمكن توظيفها في التعرف على المخاطر وتحديدها، وبالتالي، تتسم التعبيرات الكمية للمخاطر بالتنوع والتعقيد البالغين، كما تعد المعرفة الرياضية المتوفرة في الوقت الحالي محدودة إلى حد أنها غير قادرة على توفير إطار متكامل يتيح وضع نماذج للمخاطر المالية.
استنتاجات رئيسية
وخلص من توصيفه لمسألة السيولة إلى عدة استنتاجات، تتمثل في التالي:
ـ أولا: ليس بالمقدور التحوط ضد كافة المخاطر، كما أنه ليس في المقدور التنبؤ بكافة المخاطر فالتحوط ليس معناه إزالة المخاطر، ولكنه يعني تغيير الصورة التي عليها هذه المخاطر.
ـ ثانيا: هناك عدم دقة يشوب مسألة قياس المخاط اعتمادا على البيانات التاريخية، وهو ما يعود إلى عدم توفر سلسلة بيانات تعود إلى فترات زمنية بعيدة مضت، كما أن وتيرة التغير في العالم تتسم بالسرعة التي تجعل البيانات المتوفرة عن فترة زمنية معينة عاجزة عن تقديم خطوط إرشادية لتوصيف فترة زمنية أخرى.
ـ ثالثا: أن المصارف المركزية بحاجة إلى أن تفرض مقاييس إدارة السيولة على النظام المصرفي التابع لها بما في ذلك البنوك الاستثمارية كما تبرز الحاجة لتطوير دور المصارف المركزية في النهوض بوظيفة «المقرض الأخير» و«الضامن المقبول».
ـ رابعا: توجد حاجة للتعامل مع المصادر المحتملة للمخاطر، وذلك من خلال تحسين أنظمة إدارة المخاطر، وكان السبب وراء تجاهل المصارف مخاطر الائتمان لدى عملائها هو أنها كانت تفترض أنه بمقدورها تحمل هذه المخاطر من خلال عمليات التوريق.
ـ خامسا: ان المستثمرين الذين اشتروا القروض المورقة لم يكونوا على دراية بتدهور جودة الضامن، نظرا لأن قراراتهم ارتكزت على السجلات السابقة لتعثر الرهن العقاري، وتقييم وكالات التصنيف العالمية وشجعت مثل هذه الممارسات على توخي الحذر في الإقراض، وهو أمر بحاجة إلى إصلاح لاستعادة التماسك المالي وثقة المستثمرين.
ـ سادسا: أن الأزمة المالية كشفت عن الحاجة لتعزيز ودعم آلية احترازية لفهم ومعالجة المشاكل الجارية المرتبطة بالسيولة والرافعة المالية، وانه يجب الحفاظ على مقاييس للائتمان في كافة الأوقات وأن يعمل المشرفين في البنوك على ضمان تطبيق مثل هذه المعايير.
ـ سابعا: يجب أن يواكب إصلاح بازل 2 وضع إطار فعال لإدارة مخاطر السيولة، حيث تبرز الحاجة لأن تخضع موازنات البنوك والشركات للمراقبة المنتظمة، كما يجب فهم أوجه الارتباطات المالية، ويتعين أيضاً على صناع السياسات والجهات التنظيمية تكريس المزيد من الموارد على نحو يكفل تدعيم المتابعة المالية والإشراف وإدارة المخاطر لتقليل المخاطر.
ـ ثامنا: هناك حاجة لفهم أفضل لديناميكية المخاطر الناشئة عن النظام المالي بما في ذلك شرائح السوق الأكثر أمانا كسوق التعاملات فيما بين البنوك، وهناك حاجة لزيادة الوعي بخصوصية وتفرد القطاع المالي، حيث يحمل تعثر وإخفاق هذا القطاع في طياته، وعلى خلاف القطاعات الأخرى، مخاطر إخفاق النظام الاقتصادي بأسره.
نسخة جديدة
واتفق براين ستاير والت مدير قسم الرقابة بسلطة دبي للخدمات المالية مع الرأي القائل بأن هناك نسخة جديدة من «بازل 2» بصدد الظهور تركز بشكل متزايد على معايير إدارة المخاطر وكفاية رأس المال بالنسبة لكل مؤسسة، مشيرا إلى أن مخاطر السيولة تنشا عندما تكون المؤسسة غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها في وقت الاستحقاق، وبالتالي، فان مخاطر السيولة هي تلك المخاطر المتعلقة بالعائدات ورفع رؤوس الأموال.
وأوضح براين أن إدارة السيولة تتطلب نطاق متسع من الأدوات، وأنه غير كاف الاعتماد على مقياس واحد لقياس مخاطر السيولة، ومن ثم، تحتاج إدارة السيولة إلى المضي قدما في وضع خطة تتعلق باحتياجات السيولة والاختبار الدوري للضغوط السوقية، خاصة إذا كان متوقعا تركيزا أكبر للتمويل نتيجة لتحويل الأموال المستثمرة من استثمار لآخر.
وقال براين ان إدارة المخاطر تشتمل على المخاطر الوثيقة الصلة بالائتمان والسوق والسيولة وأسعار الفائدة وسعر الصرف، فضلا عن المخاطر المرتبطة بالتشغيل والسمعة والدولة، إلى جانب المخاطر القانونية، وأشار إلى أنه ليس بمقدور مدراء المخاطر النظر إلى أي من هذه المخاطر بمعزل عن الأخرى.
وصنف براين مكونات مخاطر السيولة بأنها تشتمل على مخاطر تتعلق بتعديل أسعار الفائدة، ومخاطر السوق من ناحية صعوبة بيع الأصول وتجميع رؤوس الأموال، إلى جانب المخاطر المرتبطة بالأحداث الغير متوقعة والتي تكون خارجة بشكل كلي عن سياق عمليات المؤسسة أو الشركة.
بازل 2
جاء اقتراح «لجنة بازل للرقابة على البنوك». والذي تم الإعلان عنه في السادس عشر من يناير 2001، بتعديل معايير كفاية رأس المال السارية منذ عام 1988 بهدف تدعيم الملاءة المالية للجهاز المصرفي على مستوى العالم، وإيجاد المناخ المناسب للائتمان لضمان تفعيل الرقابة على مخاطره..
وقاد تطوير وإدارة مخاطر الإقراض في ظل المعايير الدولية لضبط الأداء المصرفي إلى إطلاق معايير كفاية رأس المال التي عرفت باسم مقررات لجنة بازل التي أعلنت في عام 1988 التي ألزمت الدول الأعضاء في لجنة بازل بتوحيد طرق الرقابة من قبل البنوك المركزية ورفع نسبة كفاية رأس المال لدى البنوك لتصبح في حدود 8% من مجموع أصولها الخطرة.
لذلك تحرص الحكومات على وضع نظم للرقابة المصرفية والإشراف على البنوك بهدف استقرار النظام المالي وضمان كفاءة النظام المصرفي بما يتواءم مع التطورات العالمية المتلاحقة.
وقد اكتسب موضوع كفاية رؤوس أموال البنوك أهمية كبرى في السنوات الأخيرة في ضوء التطورات المالية والمصرفية المتلاحقة. من أجل تلافي انتقال مخاطر العمل المصرفي بين الدول الصناعية بعضها البعض أو من الدول الأخرى.
وضماناً لتحقيق تلك الأهداف أرست لجنة بازل للرقابة المصرفية في 16 يناير 2001 مقترح «اتفاق بازل الجديد لكفاية رأس المال» ومن المنتظر أن يتم تنفيذ تلك المعايير عام 2005. وذلك من أجل تلافي قصور المعايير السابقة وتقوم المعايير الجديدة على ثلاث ركائز أساسية.
لتحقيق درجة أكبر من التناسب بين رأس مال البنك وأصوله الخطرة على أن يقترن ذلك بتدعيم فعالية الدور الرقابي للبنوك المركزية والسلطات النقدية وأهمية إفصاح البنوك عن قدر أكبر من المعلومات بشأن التزامها بمعايير كفاية رأس المال.
وقادت التطورات الحديثة إلى تغير العديد من المفاهيم التقليدية السائدة وخاصة فيما يتعلق بالتقسيم التقليدي للبنوك وفق أنشطتها وزاد عدد البنوك التي تعمل في كل من مجالي العمليات التجارية ومجالات الاستثمار والأعمال على حد سواء وذلك بالإضافة إلى قائمة طويلة من الخدمات المتطورة المعتمدة على تكنولوجيا الحاسبات في الاتصالات والمعلومات التي يمكن للعميل من خلالها تنفيذ كل معاملاته من منزله أو سيارته عن طريق الحاسبات الشخصية المتصلة بالبنوك.
دبي ـ مجدي عبيد

