دفعت الأزمة المالية عواصم أوروبية إلى تنفيذ برامج سياحية مبتكرة في سبيل تحريض السوّاح على المضي قدما ببرامج السفر. وفي ألمانيا، التي تجتذب فنادقها من دول مجلس التعاون الخليجي 721, 724 إقامة ليلية، بحسب إحصاءات العام ما قبل الماضي، ترتكز مدن مثل كولونيا على تاريخها وعناصرها الطبيعية الساحرة من أجل صياغة سياسة ترويجية جذابة.
وفي تاريخ المدينة، التي يقسمها النهر إلى شطرين، ثمة حكايات وأساطير كثيرة بدأت تستقطب السياح، تحديدا أولئك المتحمسين للبحث عن تاريخ الأصول، بالنسبة إلى الشخصيات والصناعات. فكولونيا، وكما يشير اسمها، منحت العطر اسمها.
يقول صادق الحسن، وهو خبير سياحي متخصص بأماكن الجذب في أوروبا وتاريخها، أن الناس يهوون زيارة المدن التي ارتبطت في ذاكرتهم بحوادث محددة، أو بأسماء علامات تجارية لمنتجات كانوا يستخدمونها، تحديدا في فترة الطفولة. يقول:« لطالما رغب السائح باقتفاء أخبار الحكايات التي ارتبطت بطفولته ولطالما حلم بأن يكون جزاء منها».
وهذا ما يفسر ربما الإقبال المتزايد من قبل السيّاح العرب تجاه مدن مثل «كولونيا». وتقول الحكاية أنه في عام 1709، حلت أسرة فيرينا الايطالية في مدينة كولونيا لتمارس فيها التجارة، وقام آنذاك العطار يوهان ماريا فيرينا يتولى جانب العطور في شركة العائلة، حيث حمل معه من إيطاليا فن صناعة العطور التي تميزت بها عائلته.
وأطلق على ماء العطر الذي كان يصنعه «فيرينا أوي دي كولونيا» تكريما لوطنه الجديد كولونيا. وهو الماء الذي أخذ فيما بعد شهرة عالمية ولا زال يحمل حتى اليوم اسم الكولونيا وإن تنوعت أشكاله وتغيرت وصفاته وخلطاته بمرور الزمن. ويوجد حاليا متحفا في مدينة كولونيا يضم ما تبقى من هذه العائلة وطرق وأدوات صنع ماء الكولونيا.
لقد كان فيرينا فيلسوفا في مجال تخصصه، فقد وصف العطر الذي ابتكره وهو لا يعلم أنه سيدخل به مع مدينة كولونيا التاريخ قائلا: «لقد وجدت عطرا يذكرني بعليل صباح يوم ربيعي جميل في إيطاليا وبرائحة النرجس الجبلي والبرتقال بعد المطر. هذه الرائحة تنعشني وتقوي لدي الحواس والخيال».
لكن ليست تلك الحكاية الوحيدة في تاريخ المدينة. فالمتأمل عبر النوافذ المهيبة لفندق فيلاحياة ريجنسيلالا، بوسعه أن يتابع حركة القطارات، كذلك مرور السفن من تحت الجسر الحديدي، فوق نهر الراين، في مواجهة الحدائق الخلابة المنتشرة على طول ضفاف النهر، وأيضا المشهد المؤثر للكاتدرائية التي يعود التي يعود تاريخها إلى العصر الروماني و المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي.. كل تلك المظاهر ترتبط بمئات من الحكايات التي يود السوّاح سماعها عن المدينة:« لا يجب أن نتعجب للأمر، فكولونيا هي أكبر تجمع لشركات الإعلام في ألمانيا، لذلك فتاريخها مرتبط بالمعلومات».
هذه المعرفة، التي ظلت مخزّنة في سراديب المدينة إلى وقت قريب، خسرت جزءا كبيرا من وثائقها عقب انهيار دار المخطوطات والمحفوظات، قبل شهور قليلة. لكن ما قد يبعث قدراً من الأمل، هو أن العديد من هذه الوثائق والمخطوطات الثمينة التي يعود معظمها إلى القرون الوسطى، تم نسخها في السابق على شكل أشرطة ميكروفيلم نُقلت فيما بعد إلى منجم «بربارشتولن» الواقع على مقربة من مدينة فرايبورغ لتخزينها في مكان آمن.
يقول مدير الدائرة الثقافية في بلدية كولونيا غيورغ كوندر أنه إضافة إلى سجلات مدينة كولونيا احتفظ الأرشيف بمخطوطات لكتاب وفلاسفة كبار عاشوا في المدينة، ومن بينهم كارل ماركس وفريدريش انغلز وتوما الاكويني وهاينريش بول، فضلا عن المراسم التي أصدرها القيصر الفرنسي نابوليون إبان احتلاله لمدينة كولونيا:« إنها كلها محطات انسانية في حياة مشاهير غيروا وجه التاريخ، آن الآوان للتركيز عليها في المنتج السياحي.. في الوقت الحاضر».
دبي- «البيان»
