احدث (التقليعات) في عالم الجريمة الالكترونية بل ومن المضحك المبكي معا أن باعة المعلومات والأجهزة أصبحوا منافسين حقيقيين لنظرائهم (الشرعيين) فهم لا يبيعونك أرقام بطاقات ائتمان بسعر زهيد أو أجهزة سيرفر وكمبيوترات مسروقة تحتوي على ملايين المعلومات الحساسة، بل يقدمون لك خدمة ما بعد البيع مجاناً، بمعنى أنك إذا اشتريت منهم «سيرفر» لتحصل على معلومات سرية وتعطل أثناء الاستخدام فإن من حقك ارجاعه واستبداله بواحد جديد.

ولا تصاب بالذعر أبدا إذا ذهبت إلى محرك البحث غوغل وكتبت أرقام بطاقة الائتمان الخاصة بك ووجدتها منشورة ضمن قائمة طويلة جدا على صفحات الانترنت معروضة للبيع، فكل هذا جائز وممكن جدا لأن الأنظمة الرقابية في معظم دول العالم لا تزال غير قادرة على ضبط المسائل!هذا ما كشفه ريك فيرغسون، الخبير العالمي في أمن الإنترنت ومكافحة الجريمة الإلكترونية، والذي يشغل منصب كبير المحللين الأمنيين لدى تريند مايكرو، خلال زيارته لدبي أن منظمات الجريمة على الانترنت أصبح لديها لوائح أسعار لكافة (السلع) والبيانات المسروقة وأنه قد تم تعميمها في منتديات العالم السفلي، فمثلا يُمكن شراء المعلومات الكاملة الخاصة ببطاقات الائتمان بقيمة 15 دولارا للبطاقة الواحدة، وأن سعر 000, 10 جهاز كمبيوتر «بوت» يصل إلى 1000 دولار، أما سعر مليون عنوان بريد إلكتروني فيُمكن شراؤه بمبلغ زهيد يصل إلى 8 دولارات فقط!

والغريب أن الأمر لا يتوقف عند ذلك الحد، فقد وصلت درجة التنظيم في العالم السفلي لأن يتم بيع هذه «السلع» مع ضمان! فمثلاُ تم الإعلان في احد المنتديات عن بيع 15 سيرفر «بوت»، يُمكن للمشتري استخدامها كما شاء، بقيمة 100 دولار أميركي، ويُضيف المُعلن أنه يضمن استبدال أي سيرفر بآخر عند تعطله.

ورداً على سؤال حول مدى تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية على سلوك المخترقين وأخصائيي الإجرام الإلكتروني، أجاب فيرغسون أن الأزمة العالمية قد عزّزت من عالم الجريمة الإلكترونية، حيث زوّدت المخترقين والمجرمين بمزيد من الأيدي العاملة التي أصبحت متوفرة نتيجة لفقدانهم وظائفهم ويأسهم في الحصول على المال.

كما أتاحت الأزمة الاقتصادية العالمية للموظفين الذين لا يزالون على رأس عملهم، وتم تخفيض رواتبهم وساعات عملهم، إلى استغلال ميزة نفاذهم إلى معلومات حساسة لدى الشركات أو المؤسسات التي يعملون لديها وبيعها إلى العالم السفلي مقابل مبالغ من المال، وقد شهدنا بالفعل ارتفاعاً في هذا النوع من المخاطر.

لكن المُحيّر في مجال الجريمة الإلكترونية والذي يقلق السلطات المعنية وشركات مكافحة الفيروسات والجريمة الإلكترونية، أن طبيعة هذه الجرائم غير ثابتة ودائمة التغيّر. فلا يستمر المجرمون بالأسلوب ذاته لفترة طويلة من الزمن كي لا يتم اكتشافهم أو تتبعهم وإحباط محاولاتهم.

تطور الجريمة الإلكترونية

أوضح ريك فيرغسون أن بيئة الجريمة الإلكترونية قد تطورت خلال السنوات القليلة الماضية، حيث كانت في العام 2001 تقتصر على الفيروسات التقليدية وتفش للديدان الإنترنتية، ومن ثم تطورت في العام 2003 إلى ما يُعرف بالبريد الإلكتروني التطفلي (َِّفٍ)، وبعد ذلك في العام 2004 ظهر ما يُعرف بالبرمجيات التجسسية.

والتي تهدف في المقام الأول إلى سرقة معلومات المستخدم سواء معلوماته الشخصية لاستخدامها فيما بعد في أغراض خبيثة، أو سرقة معلوماته الائتمانية، أي أرقام بطاقاته الائتمانية، وبيعها كجزء من حزمة تجارية فيما بعد في «العالم السفلي».

أما العام 2005 فقد شهد تحولاً في نمط الجريمة الإلكترونية، حيث تفشى ما يُعرف بالروبوتات (التي يُطلق عليها اسم بوت ُُّ اختصاراً). ويُطلق مصطلح «بوت» على كل جهاز مُصاب ببرمجيات خبيثة حيث يحصل المجرمون الإلكترونيون على تحكم تام بالـ «بوت» دون علم أو شعور المستخدم بأن هناك خللا ما في جهازه.

ويستمر الجهاز في حالته الطبيعية إلا أن يُقرر المُتحكم استخدامه لأغراض غير قانونية، سواء لشن هجمات البريد التطفلي أو نشر الديدان أو الفيروسات، أو حتى لاستخدام هذه الأجهزة كسيرفرات لاستضافة مواقع الإنترنت التي تحمل في طياتها مزيداً من البرمجيات الخبيثة. وبطبيعة الحال يصعب اكتشاف مصدر البريد التطفلي نتيجة لاستخدام المجرم أجهزة أخرى كغطاء لهجماته.

وشهد العام 2007 تفشي ما يُعرف بالبرمجيات الخبيثة، وهو مزيج من جميع ما ذُكر من تهديدات أمنية إضافة إلى أحدث التقنيات واساليب الاحتيال والتفشي. ومن أبرز الأمثلة على البرمجيات الخبيثة هي دودة الكونفيكر التي تفشت مؤخراً لتُصبح أكبر شبكة من البوتس في العالم حيث أصابت أكثر من 10 ملايين جهاز حول العالم بطاقة استيعابية هائلة وصلت قدرتها إلى إمكانية إرسال 10 مليارات رسالة إلكترونية تطفلية في اليوم.

اقتصاد العالم السفلي

ويُضيف ريك أن الجريمة الإلكترونية قد تطوّرت على مر السنين لتُصبح الآن من أنشط القطاعات العملية ليُصبح اليوم اقتصاداً ضخماً منظماً يفوق بقيمته ورؤوس أمواله على العديد من القطاعات العملية الأخرى، مدفوعة بمعدلات استخدام الإنترنت المتزايدة ونقص الوعي العام والاستخفاف بأضرار الجرائم الإلكترونية.

الائحة أسعار التهديدات الأمنية

وأوضح فيرغسون أن جرأة العالم السفلي قد وصلت لدرجة قيام المتخصصين بالجريمة الإلكترونية بوضع لائحة لأسعار التهديدات الأمنية، إذ يتم تداول وبيع منصات لإطلاق التهديدات الأمنية تشمل بيع عناوين بريد إلكتروني ومعلومات بطاقات ائتمانية وسيرفرات مُصابة ببرمجيات خبيثة جاهزة لأن تصبح تحت السيطرة الكاملة للمشتري، وغيرها من تقنيات النصب والاحتيال الإلكتروني.

ويتم تحديد السعر وفقاً لسرعة الإنترنت في الأجهزة المصابة وفترة اتصالاها بالإنترنت. فكلما كانت الإنترنت أسرع في الأجهزة المصابة ومواصفات الأجهزة أفضل كلما زاد سعر الصفقة والعكس صحيح.

ورداً على سؤال حول أحدث أساليب النصب والاحتيال الإلكتروني، أجاب فيرغسون أن المجرمين أصبحوا يستهدفون المواقع والشبكات الاجتماعية على الإنترنت مثل الـ «فيس بوك» والـ «تويتر» والـ «ماي سبيس»، مستخدمين عامل الثقة الذي يُعد أساسياً في الشبكات الاجتماعية على الإنترنت.

وأضاف فيرغسون أن الهاتف النقال أصبح على رأس قائمة أهداف المجرمين، حيث يزداد ويتنوع استخدام الهاتف النقال سواء لتصفح الإنترنت أو لإجراء المعاملات البنكية.

وأشار فيرغسون إلى أنه من الصعب التكهن بقيمة الأضرار المادية التي قد تلحق بالمؤسسات والشركات حول العالم نتيجة للاختراقات والتهديدات الإلكترونية وذلك لأنه لا يتم اكتشافها فوراً ويكون الضرر المادي قد وقع، لكن على سبيل المثال، تعرضت شركة أميركية تُدعى تي جيه أكس شتظ إلى اختراق نظامها الحاسوبي وسرقة بيانات عملائها.

وتبين لاحقاً أن عدد العملاء الذين تأثروا نتيجة لهذه الاختراقات فاق 7, 45 مليون عميل، ووصلت الأضرار المادية نتيجة لذلك إلى أكثر من 8 مليارات دولار أميركي!

وحذّر فيرغسون من أن منطقة الشرق الأوسط من أولى المناطق المستهدفة من قبل مجرمي الإنترنت نتيجة لمعدلات استخدام الإنترنت الآخذة بالارتفاع، بالإضافة إلى رؤوس الأموال المتوفرة في هذه المنطقة، والأهم من ذلك هو نقص الوعي بالمخاطر الأمنية على شبكة الإنترنت.

وعند سؤاله عن بعض أهم النصائح للمُستخدم العادي، أجاب فيرغسون أن أهم الأمور على المستخدم اتباعها هي عدم إعطاء معلوماته الشخصية لأي كان على الإنترنت، لا سيما الأرقام والبيانات الخاصة بالحسابات البنكية وبطاقات الائتمان. ومن المهم كذلك تحديث البرمجيات الموجودة على جهاز الكمبيوتر، فهي عادة ما تكون تحديثات أمنية مهمة صدرت نتيجة لاكتشاف ثغرة أمنية ما في النظام. ومن الأهمية بمكان كذلك استخدام برمجيات لمكافحة الفيروسات والبريد التطفلي، إذ لا يلزم الأمر أن يقوم المستخدم بتحميل الفيروس أو البرمجيات الخبيثة شخصياً، فزيارة واحدة إلى موقع إلكتروني خبيث قد يعني أن جهاز الكمبيوتر أصبح مصاباً بهذه البرمجيات الخبيثة.

************

الأزمة العالمية تشجع «الهاكرز» على الإبداع

عزّزت الأزمة العالمية من أداء عالم الجريمة الإلكترونية، حيث زوّدت المخترقين والمجرمين بمزيد من الأيدي العاملة التي أصبحت متوفرة نتيجة لفقدانهم وظائفهم ويأسهم في الحصول على المال.

كما أتاحت الأزمة الاقتصادية العالمية للموظفين الذين لا يزالون على رأس عملهم، وتم تخفيض رواتبهم وساعات عملهم، إلى استغلال ميزة نفاذهم إلى معلومات حساسة لدى الشركات أو المؤسسات التي يعملون لديها وبيعها إلى العالم السفلي مقابل مبالغ من المال، وقد شهدنا بالفعل ارتفاعاً في هذا النوع من المخاطر.

ومن جانب آخر، دفع ازدهار الجريمة المنظمة الكترونيا بقادتها وباعة التجزئة فيها إلى تطوير أساليبهم التسويقية والإعلانية، بدءا من حملات الخصومات السعرية إلى تقديم خدمات ما بعد البيع، كحق استبدال الأجهزة المعطلة بأخرى جديدة، وكذلك البيع بالمزادات الالكترونية العلنية التي تعقد على بعض مواقع المنتديات الالكترونية الخاصة بقادة العالم السفلي أو من ينوب عنهم!

هذا الواقع الاجرامي المزدهر والمنتشي يقابله كسل بل شلل من الجهات الحكومية والرسمية ليس في دولنا العربية فقط بل في الدول المتقدمة تقنيا وتشريعيا، فلا تتوقع ابدا أن يبادر غوردن براون أو ساراكوزي بالانتقام لك لأنك اكتشفت صدفة بأن جميع بياناتك البنكية معروضة للبيع على موقع الكتروني في كوريا الشمالية، فالقانون لا يحمي المغفلين، ولا يعاقب على الجريمة قبل وقوعها! هذا باختصار ما رشح إلى مسامعنا حتى اللحظة، وللحديث بقية.

دبي ـ محمد بيضا