أثار قرار الاتحاد الأوروبي الخاص بتجارة الانبعاثات الكربونية ردود فعل غاضبة من قبل مسؤولي الاتحاد الدولي للنقل الجوي (الاياتا) وشركات الطيران التي يفرض عليها القرار مزيدا من الأعباء المالية في قطاع يعاني أصلا من المتاعب.

ويركز مشروع تبادل حقوق إطلاق الانبعاثات على شراء رخص تسمح للشركات باطلاق ثاني اوكسيد الكربون في الجو، وبيعها. وسيكون في إمكان الشركات التي تتجاوز الحد المسموح به، شراء رخص غير مستخدمة من شركات اتخذت خطوات باتجاه خفض انبعاثاتها، اما الشركات التي تتجاوز السقوف المفروضة وتعجز عن شراء الرخص المتاحة، فتُفرض عليها غرامة على كل طن من ثاني أوكسيد الكربون، تكون مسؤولة عن اطلاقه، وتخشى شركات الطيران من ان تقود تكلفة تبادل هذه الحقوق، شركات الى الإفلاس. إجراءات عملية وحول موقف الدول العربية من هذا القرار قال الخبير الدولي في شؤون الطيران ابراهيم الخياط ان المنطقة العربية ممثلة بشركات الطيران ستضطر في البداية الى التنفيذ لكنها بدأت العمل حاليا على اجراءات عملية لمواجهة اثار مثل هذا القرار ومنها اللجوء الى الاتحاد الدولي للنقل الجوي (الاياتا) والمنظمة الدولية للطيران (الايكو) .

وهناك مساع لاتخاذ موقف عربي موحد تجاه هذه القضية حيث تستضيف قطر في نوفمبر المقبل اجتماعا يخصص لمناقشة هذه القضية بتنظيم من الاتحاد العربي للنقل الجوي وسيبحث في وضع خطط واجراءات عربية لمواجهة تبعات القرار وقد يتم بحث تطبيق اجراء مماثل خصوصا ان تطبيق مثل هذا القرار يعني خسائر اضافية تصل الى 200 مليون دولار سنويا.

حرب تجارية

ويؤكد الخياط ان القرار الاوروبي وفي حال تنفيذه سيمهد لحرب تجارية كبرى بين مختلف دول العالم ذلك ان دولا مثل استراليا واليابان والصين تعد العدة حاليا لتبني نظام مماثل ردا على القرار الاوروبي الذي وصف من قبل كثير من دول العالم بأنه قرار غير مدروس.

وقال القرار الذي اعتمده وزراء البيئة في اوروبا بناء على اقتراح من احد النواب لم تكن حكومات اوروبا على دراية كاملة به ولم تفكر في اليات تطبيقه ووضع كلا من الاتحاد الاوروبي والسلطات المختصة بالطيران المدني في مأزف حول كيفية تنفيذ مثل هذا القرار الذي يعد سابقة من حيث تدخله بشؤون الطيران المدني ومن المتوقع تطبيقه اعتبارا من اغسطس المقبل مع فترة سماح تمتد حتى عام 2012.

واضاف ان هذا القرار شكل لاول مرة تدخلا في شؤون صناعة النقل الجوي الخارجية ويضع المزيد من الاعباء على هذا القطاع الذي يعاني اصلا من تعدد الازمات خصوصا في ظل الاوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها العالم اليوم.

كما انها سياسة احادية الجانب من الاتحاد الاوروبي وستثير الكثير من القضايا التجارية بين دول العالم فلا يعقل ان تفرض على كل شركة طيران تطير داخل الاتحاد الاوروبي او خارجه رسوما تصب في النهاية في جيب الاتحاد ولا تذهب الى حماية البيئة. واشار الى ان الولايات المتحدة ما زالت تعارض بشدة هذا القرار وهددت باجراءات قوية حال تنفيذه مما يعزز من احتمالية نشوب حرب تجارية بين قطبي الاطلسي وبالتالي بين دول اخرى في العالم ستعاني من جراء تنفيذ مثل هذا القرار.

أسس جديدة

ستبحث قمة كوبنهاجن المقبلة هذه القضية في محاولة للتوصل الى اسس لاعادة صياغة اليات حماية البيئة ودور الطيران المدني فيها حيث لا تتعدى حصة القطاع من الانبعاثات الكربونية 2 بالمئة في الوقت الذي يشكل فيه انتاج لتر واحد من الحليب لترا من غاز الميثان الضار بالبيئة وتنتج اوروبا مثلا 14 مليار لتر مكعب من الحليب مما يعني ان قواعد نظام الاستهلاك الاوروبي بات بحاجة الى مراجعة.

وكان وزراء البيئة في الاتحاد الاوروبي قد اتفقوا على فرض سقوف على مستويات انبعاث ثاني اوكسيد الكربون المسموحة لشركات الطيران، في محاولة للتصدي لآثارها السلبية على تغير المناخ، بدءاً من عام 2012 في الوقت الذي تعارض فيه الولايات المتحدة ما يُعرف بمشروع تبادل حقوق إطلاق الانبعاثات وهددت باتخاذ اجراءات قانونية في حال تطبيق.

ورغم ان الانبعاثات الغازية التي تتسبب بها شركات الطيران تضاعفت منذ عام 1990 الان نصيب القطاع من الانبعاثات لا يتجاوز 3 بالمئة. وبموجب نظام التبادل، حدّد الاتحاد الاوروبي سقفاً لكمية ثاني اوكسيد الكربون على شركات الطيران الالتزام به، بالسقوف المحددة سواء بخفض الانبعاثات او بشراء رصيد الانبعاثات من شركات اخرى. وينص القرار على إلزام شركات الطيران شراء 10 في المئة من رخص اطلاق الانبعاثات مسبقاً خلال مزاد علني عام 2012 وهي حصة تقلّ عن التي اقترحها البرلمان الاوروبي.

واتفقوا ايضاً على حصر سقف الانبعاثات الغازية بالمعدّل الوسطي المسجل بين عامي 2004 و2006. وأعفيت من المشروع شركات الطيران الصغيرة خوفاً من تعرّضها الى الإفلاس.

ولم تقتصر معارضة القرار على شركات الطيران من خارج دول الاتحاد بل ان الشركات الاوروبية ستتأثر هي الاخرى بهذا القرار وقد اشتكت كثير من شركات الطيران الاوروبية من انها لا تلقى المعاملة العادلة التي تستحقها وهي تعاني اصلا من المنافسة غير المهنية مع شركات الطيران الاقتصادي ومثال على ذلك وطبقا للمشروع الاوروبي فان رحلة طيران من لوس انجلوس الى لندن عليها ان تطلق انبعاثات مساوية لرحلة داخلية وهو امر لا يمكن فهمه على الاطلاق وفقا لمسؤول طيران اوروبي.

مبادرات الاياتا

اعتمد الاتحاد الدولي للنقل الجوي الاياتا مبادرة تهدف الى الوصول الى نسبة صفر من الانبعاثات الكربونية في عام 2020 وهو اول قطاع عالمي يتخذ هذه المبادرة بشكل موحد. ويقول جيوفاني بسيناني الرئيس التنفيذي للاياتا ان الالتزام بهذه المبادرة يستند على ثلاثة اعمدة رئيسة في صناعة النقل الجوي وتحسين كفاءة الوقود بنسبة 5, 1 بالمئة سنويا اعتبارا من 2009 وحتى 2020 والوصول الى نسبة صفرية للانبعاثات بحلول العام 2020 ومن ثم تخفيض بنسبة 50 بالمئة في حجم الانبعاثات بحلول عام 2050.

ولتحقيق هذا الهدف يتوجب على جميع الشركات والمؤسسات العاملة في صناعة النقل الجوي ان توحد جهودها لهذه الغاية من خلال استخدام التكنولوجيا المتقدمة وعمليات التشغيل الفاعلة ووجود بنية تحتية ملائمة واجراءات اقتصادية يجابية لدعم القطاع.

ووفقا لبيانات الاياتا فان حجم الانبعاثات التي يسهم بها قطاع الطيران المدني سيتراجع بنسبة 7 بالمئة منها 5 بالمئة بسبب حالة الركود العالمي و2 بالمئة نتيجة لاجراءات المنظمة العملية لتخفيض نسب الانبعاثات وهو ما لم تقم به أي صناعة في العالم كما يقول بسيناني. ومن جهتها تسعى المنظمة الدولية للطيران المدني «الايكو» الى الزام الشركات المصنعة للطائرات بانتاج طائرات صديقة للبيئة من حيث نسب الكربون التي تنتجها وهي بصدد وضع اطر قانونية وتنظيمية في هذا الاتجاه.

كما ان الحكومات مطالبة ايضا باتخاذ اجراءات عملية بالتعاون مع مزودي خدمات الملاحة لتحقيق هذا الهدف ووضع مبادرات ومشاريع مثل السماء الاوروبية الموحدة ومشروع «نيسكت جين الاميركي».

قمة كوبنهاجن

تنظم الامم المتحدة قمة كوبنهاجن الخاصة بالبيئة والتغير المناخي في ديسمبر المقبل ويتوقع ان تحفل القمة بمناقشات موسعة حول حماية البيئة ودور الحكومات في هذا المجال. ويتوقع ان يدور جدل ساخن حول القرار الاوروبي بتجارة الانبعاثات والاثار المترتبة عليه. خصوصا ان الولايات المتحدة تعارض بشدة هذا القرار.

*****************

حماية للبيئة أم سياسة حماية؟

القرار الأوروبي الخاص بتجارة الانبعاث غير مفهوم على الإطلاق لا في التوقيت ولا حتى في آليات التطبيق وهو يلقي المزيد من العوائق أمام قطاع يعاني كثيرا من تيارات عكسية تهدد شركات الطيران بالتوقف.صناعة الطيران المدني في العالم واجهت على مدار السنوات الماضية مطبات عديدة لعل أبرزها أحداث 11 سبتمبر 2001 مرورا بمرض السارس ثم جاءت الازمة العالمية التي تهدد اساس هذه الصناعة وأخيرا القرار الأوروبي الذي يصب مزيدا من الزيت على النار وقد يطلق حربا تجارية عالمية .

حيث عددت الولايات المتحدة بإجراءات قوية حال تنفيذ المشروع. الغريب في المبادرة الأوروبية أن الرسوم المفروضة على شركات الطيران لن تصب في مشاريع بيئية بل ستذهب الى جيوب الاتحاد الاوروبي مما يضفي مزيدا من الشك حول نية القرار والذي قد يفسره البعض بانه سياسة حمائية اكثر منها سياسات لحماية البيئة خصوصا ان بعض شركات الطيران العربية تواجه حروبا تجارية شرسة داخل اوروبا بسبب النجاح الذي حققته هناك، حيث باتت الشركات الاوروبية تخشى المنافسة المهنية.

قانون تجارة الانبعاثات يلقي بمزيد من المتاعب امام قطاع الطيران المدني وهو القطاع الذي يعمل فيه أكثر من 5, 5 ملايين موظف بشكل مباشر ويساهم بمبلغ 425 مليار دولار أميركي في الناتج المحلي الإجمالي العالمي وإذا اعتبرنا قطاع الطيران دولة فهو سيحتل مرتبة ثامنة في هذا المجال ما بين إيطاليا وإسبانيا فلماذا يحارب من اكثر من جهة ولماذا يتم وضع العراقيل في دواليب هذه الصناعة؟

علي الصمادي

asmadi@albayan.ae