الأسواق الناشئة تستمر بالمعاناة من الانكماش في عائدات التجارة الدولية والتمويل بصورة أكبر، ولكن من المتوقع أن تشهد بعض النمو بالإجمال هذا العام. وضمن هذه المجموعة، نضع أكبر الآمال على توجهات بعض الدول، مثل الصين، التي تمتلك النطاق اللازم، بالإضافة إلى الوسائل لتعزيز مستوى الطلب المحلي للتعويض عن التراجع في مستوى الطلب الدولي.

تنطوي نوعية المؤشرات الاقتصادية التي تتطور اليوم على أهمية كبيرة أيضاً، حيث نشهد ظهوراً للنموذج الكلاسيكي الخاص ب«دورة المخزون». ففي المرحلة الأولى من الركود الاقتصادي، تشهد الشركات بشكل نموذجي انخفاضاً مفاجئاً في مستوى الطلب على منتجاتها، ما يؤدي إلى تراكم في المنتجات غير المباعة في المخازن. ورغم ذلك بدأنا نشهد أدلة تشير بوضوح إلى أن الانكماش الحاد الذي يواجه الاقتصاد العالمي حالياً لن يتطور إلى مرحلة ركود. وتطرح بعض المؤشرات بما فيها ثبات مستوى إنفاق المستهلكين في الولايات المتحدة، والتطور الكبير في مستوى الثقة بالأعمال في الصين، احتمالا بأن يعود الاقتصاد العالمي للنمو في وقت لاحق من العام الجاري.

وبسبب صعوبة التمييز بين الانخفاض الدائم والمؤقت في مستوى الطلب، تتابع الشركات بنفس مستوى الإنتاجية لبعض الوقت، ما يخفف من حدة سقوط إجمالي الناتج المحلي في المرحلة الأولية. ولكن عندما يتضح بأن مستوى الطلب سيظل منخفضاً، تقوم الشركات بتخفيض وتيرة الإنتاج بصورة أكثر حدة من هبوط مستوى الطلب، بغية التخلص من المنتجات غير المباعة المتراكمة.

ونحن اليوم في هذه المرحلة الثانية من دورة المخزون كما يشير الضعف النسبي للانتاجية الصناعية بالمقارنة مع مستوى مبيعات التجزئة.

وهذه هي المرحلة التي تشهد أسرع هبوط في إجمالي الناتج المحلي. ومن المتوقع أن يخف تقليص الانتاجية بعد تصفية المخزونات الموجودة.

إن مبادرات صناع السياسة المالية مشجعة. وعلى الرغم من صعوبة الفترة السابقة من الأزمة، أحدثت المحفزات المالية التي تتعهدها الحكومات الآن، بما فيها «المثبتات التلقائية» مثل زيادة المساعدات للعاطلين عن العمل، تغييرات مهمة.

حتى أن الدول التي كانت أكثر تردداً في البداية برفع مستوى الانفاق، مثل ألمانيا واليابان، قد فعلت ذلك الآن.

وعلى الجانب المالي، فقد تمّت تحركات جذرية، مع تدخّل بنك انجلترا، والاحتياطي الفدرالي، وبنك اليابان في عملية ضخ الأموال من خلال شراء السندات الحكومية والخاصة، كما بدأ المصرف الأوروبي المركزي الآن بشراء بعض أنواع الصكوك.

ويبين ذلك جديّة المصارف المركزية في محاولاتهم لتجنب تحوّل الوضع من حالة تباطؤ في التضخم إلى حالة انكماش في التضخم (هبوط مطول في الأسعار)، ولتخفيض أو المحافظة على تكاليف التسليف في مجمل الاستحقاقات.

ومازال الوقت مبكر جداً لإعلان فوز جهود السياسة المالية لتعديل النظام المالي. ولكن قد تمّ تقليص خطورة اختلال النظام بشكل ملحوظ من خلال بعض الجهود مثل برنامج الشراكة الاستثمارية بين القطاعين الخاص والعام في الولايات المتحدة الذي يوفر للمستثمرين تسهيلات في القروض لشراء وإزالة الأصول «المسمومة» من ميزانيات البنوك.

كذلك تبين برامج أخرى، مثل تمويلات صندوق النقد الدولي المطولة، القابلية لاتخاذ التحركات على صعيد دولي لتجنب انتشار تخلفات الدفع والأزمات القاسية في الدول النامية.

أخيراً، يجدر الذكر بأن الانحدار الحاد في سعر النفط من قمته القياسية في العام الماضي هو عامل مفيد لكبار مستوردي النفط الصافي (مثل الولايات المتحدة واليابان ومنطقة اليورو)، حيث يزيد الدخل الأسري بغض النظر عن المحفزات المالية.

كل هذا يمنحنا الأمل بأن فرص حصول ركود كارثي في الاقتصاد العالمي لا تتعدى الواحدة من عشرة، وأن الانكماش الحالي «لا يتعدى» بحجمه ذلك الذي حصل في بداية الثمانينات. على مستوى الدول، نتوقع بأن الاقتصادات التي تأخذ الخطى الأكثر جذرية في سياستها المالية، هي التي ستحقق نمواً أفضل نسبياً هذا العام.

لذا نتوقع بأن اقتصاد الولايات المتحدة سيواجه تقلصاً أقل من دول منطقة اليورو، والمملكة المتحدة وخصوصاً اليابان. ونعتقد بأن اقتصاد الولايات المتحدة قد يعود للنمو مجدداً في النصف الثاني من العام الجاري.

ولكن التباطؤ في أسواق العمالة سيستمر، حتى ولو تبين بأن نهاية الانكماش الاقتصادي أصبحت وجيزة. ومن المتوقع أن تؤدي التنافسية المرتفعة على الوظائف وفرص العمل الشاغرة في المصانع إلى تضليل ضغوطات التضخم، حتى بعد اضمحلال نبضة التقلص الناجمة عن الهبوط الأخير في سعر النفط.

بالإجمال، نعتقد بأنه سيتم تجنب الركود ؟ على الرغم من عدم القدرة على تجنب الانكماش والتقلص. وعادة، عندما تتواجد الثقة بالتحسن كما هو الحال الآن، نكون متحمسين جداً للاستثمار في الأسهم.

ولكننا ما زلنا حذرين في هذه الآونة. وقد يكون التأثير النفسي على المستهلكين ورجال الأعمال والمستثمرين من جراء فشل سياسة مالية جريئة وعالمية متفرعة، مدمراً ويزيد احتمال وقوع «عقد ضائع» في تاريخ الاقتصاد العالمي. لذا، في الوقت الحالي نقترح بأن يزيد المستثمرون المخاطرة في ملفاتهم الاستثمارية بشكل طفيف.

ونقترح اعتماد موقفاً استثمارياً أقل دفاعية، واختيارالاستثمارات الدورية التي تحقق نتائج أفضل مع زيادة الرغبة بالمخاطرة ؟ ومن المفضل أن تكون ضمن الاستثمارات التي لا تتأثر في حال حصول انقلاب في التطورات الاقتصادية.

وبترجمة ذلك إلى نصائح خاصة بالمحافظ الاستثمارية، نحن حريصون تحديداً على معدلات الدخل الثابتة. ونعتقد بأن الاستثمارات ذات المدخول الثابت وذات الجودة العالية توفر أفضل العائدات بحسب المخاطرة، ولكننا ننظر نظرة إيجابية حذرة أيضاً إلى الاستثمارات دون الجودة العالية. وعلى الرغم من أن التخلفات الاستثمارية ستزيد، إلا إننا نعتقد بأن العائدات ستعوض المستثمرين عن المخاطرة المرتفعة.

وكما ناقشنا سابقاً، ما زلنا حذرين جداً من الأسهم، على الأقل حتى نكوّن ثقة أكبر بأنه سيتم تجنب انهيار اقتصادي. والأهم هنا هو اعتماد تحيزاً دورياً، على صعيد مفاضلة القطاعات والدول على السواء.

ومناطقنا المفضلة هي حدود المحيط الهادئ بدون اليابان والأسواق النامية حيث أنها أفضل الأماكن للاستفادة من النمو الصيني الصلب والمحفزات القوية في السياسة المالية الاقليمية. وعلى صعيد القطاعات، نقترح الانتقال من القطاعات «الدفاعية» الباهظة الكلفة إلى القطاعات «الدورية» الرخيصة. في هذا المجال تبدو قطاعات المواد، والصناعات، والمعلوماتية هي الأكثر جاذبية.

مدير قسم الأبحاث والاستراتيجيات ببنك باركليز

Email@albayan.ae