قال الدكتور همام الشماع المستثار الاقتصادي لشركة الفجر للاوراق المالية ان اعادة الهيكلة عملية مطلوبة للإنفاق العام وللسياسة المالية العامة في دولة الامارات حيث يجب ان تؤدي الى تقليص الاستهلاك وخصوصا التبذيري والهدر في الموارد الذي يغذي الاستهلاك المستورد .مشيرا الى ان بعض اشكال الهدر في الموارد هو الاعتماد المفرط على الأيدي العاملة الوافدة.
واكد الشماع في حوار مع «البيان الاقتصادي» انه وفي جانب الإنفاق العام يمكن ان يكون هناك قدر من الانتقائية. وفيما يتعلق بالانفاق العام الاستثماري يمكن انتقاء القطاعات التي تديم نشاط الشركات العقارية وبحيث يتجه الانفاق الى البنى التحتية لتعويض التقلص في الإنفاق الخاص في هذا المجال، مشيرا إلى أن الرقابة على الائتمان من أولى مهام المصرف المركزي ووضع سقوف للائتمان مسالة في غاية الأهمية وخصوصا القروض الشخصية المضرة بعادات الاستهلاك.وفيما يلي نص الحوار الذي شمل أيضا الحديث عن الجوانب المختلفة للازمة العالمية ما هي خصوصية السياسة الانفاقية المطلوبة في الإمارات لمواجهة تبعات الأزمة العالمية؟ان اعادة الهيكلة عملية مطلوبة للانفاق العام وللسياسة المالية العامة في دولة الامارات حيث يجب ان تؤدي الى تقليص الاستهلاك وخصوصا التبذيري والهدر في الموارد الذي يغذي الاستهلاك المستورد .
وبعض اشكال الهدر في الموارد هو الاعتماد المفرط على الايدي العالمة الوافدة وضرورة إحلال المكننة كلما امكن وذلك مثل تطوير النقل العام الجمعي بدلا من النقل الفردي (التاكسي) ان توفير موارد بالعملة الاجنبية تزيد من الناتج المحلي لان الناتج المحلي هو (عوائد عوامل الانتاج المحلية + عوائد عوامل النتاج من الخارج).
ويمكن وبسبب غياب الضرائب في الدولة استخدام الرسوم التميزية للوصول الى هذا الهدف فمن خلال تطبيق خطة النقل الجماعي العام فرض رسوم على تجديد رخص سيارات الاجرة الفردية او رسوم تجديد اقامة سواقة سيارات النقل الفردي وهكذا في كل المجالات التي تكشف عن وجود افراط في استخدام الموارد كالتعبئة والتغليف والخدم المنزلي والسواق الشخصين . وعلى الشخص الذي يريد ان يفرط في استخدام الموارد ان يتحمل من دخله الشخصي ويعوض المجتمع عن الهدر الذي يتسبب فيه.
وفي جانب الانفاق العام يمكن ان يكون هناك قدر من الانتقائية. ففيما يتعلق بالانفاق العام الاستثماري حيث يمكن انتقاء القطاعات التي تديم نشاط الشركات العقارية وبحيث يتجه الانفاق الى البني التحتية لتعويض التقلص في الانفاق الخاص في هذا المجال . وفي داخل النفقات الاستثمارية يمكن الانتقاء بين عدة مشاريع في البنية التحتية منها ما يوسع الطاقات الاستيعابية للقطاعات السلعية كالزراعة والصناعة ومنها ما يحفز تطوير القطاع العقاري الخاص كالطرق والجسور.
في ذات الوقت فان السياسة الانفاقية يجب ان تتوخى تقليص الاستهلاك ابان الازمة من خلال تجميد الأجور والمكافئات الحكومية التي تؤثر على مستويات الاجور في القطاع الخاص.
السياسة النقدية
كيف يمكن تقييد الانفاق الخاص من خلال السياسة النقدية ؟
ان التحكم في عمل المصارف هو من مهام السياسة النقدية والتي قد تحد من ميل المصارف نحو تشجيع بعض انواع الائتمان الاستهلاكي و المنتجات المصرفية هي وليدة البلدان الصناعية المتقدمة .
وحتى في هذه البلدان فقد ظهرت الحاجة للمزيد من الرقابة على المصارف، فمن مصلحة هذه المصارف ومد رائها التنفيذيين رفع مستويات ربحيتها، وكما هو معرف فان المصارف هي بمثابة الدم في جسم الانسان واي خلل في تدفقه يمكن ان يحدث آثار سلبية عديدة. على انه ليست كل ربحية هي حالة ايجابية اقتصاديا ، فارتفاع قيمة الاصول بسبب المضاربة ، يحقق ارباحا ورقية عالية ولكنه لا يضيف الى النتاج المحلي ولذلك نتحدث عن اقتصاد مالي وعن اقتصاد حقيقي و في بداية العام الماضي 2008 كانت القيمة السوقية للاسهم في الدولة اكثر من 800 مليار .
ولكن عندما حاول الجميع تسييلها في وقت واحد انخفضت الى اقل من الثلث. وبالعودة الى البنوك التي تقرض اموالا غير ممتلكة بهدف تحقيق ربح من الفرق بين الفوائد المدفوعة والمقبوضة ، لا تنظر الى الكيفية التي سيتم استخدام هذه الاموال بها. بل تميل الى التوسع في الاقراض المضمون ذو العائد الاعلى. تقدم بطاقات الائتمان دون ان تراعي آثاره التوسعية على الاستهلاك المستورد كما تتوسع بالقروض الشخصية دون ان تنظر لاثارها الضارة اجتماعية وخصوصا في الوقت الراهن.
ما هو دور المصرف المركزي كصانع للسياسة النقدية؟
ان الرقابة على الائتمان من اولى مهام المصرف المركزي ووضع سقوف للائتمان مسالة في غاية الاهمية وخصوصا القروض الشخصية المضرة بعادات الاستهلاك في مجتمعات لا تزال غير منتجة لمعظم حاجاتها الاستهلاكية.ان عادات الاستهلاك ونمطه في الدول المتقدمة لا تتناسب مع الاوضاع الاقتصادية في الدول الخليجية و في ظل الازمة المالية اتضحت جزئيا اهمية ضبط انماط الاستهلاك. ولكن الصورة قد تكون اكثر سوداوية فيما لو تحول العالم عن النفط الى مصادر بديلة للطاقة. كيف يمكن تلبية الاحتياجات الاستهلاكية .
بافتراض تعرض العالم الى ازمة وفقاعة اخرى تسبب خسائر هائلة في استثمارات الصناديق السيادية و كون الامارات قد تحسبت للمستقبل من خلال الصناديق السيادية لا يعني ترك انماط الاستهلاك تحذو حذوا مماثلا للدول المتقدمة .
اهتمام المحللين
لماذا اصبح المستهلك وسلوكه محل اهتمام المحللين بعد الازمة المالية العالمية؟
نعم هذا صحيح ففي ظل الركود الذي ضرب الاقتصاد العالمي ، اصبح المستهلك وسلوكه محط اهتمام كل المحللين والمراقبين. واصبح مؤشر مبيعات التجزئة ومؤشر تقه المستهلك من المؤشرات الهامة جدا في الاقتصاد والتي تحرك الاسواق صعودا وهبوطا. والحديث دائما عن ان الاستهلاك يشكل ثلثي الاقتصاد هو تاكيد قديم جديد للفكر الكنزي الذي استطاع ان يخرج الاقتصاد من هاوية الركود العظيم الذي حل في الاقتصاد الاميركي والعالمي في اواخر عشرينات القرن الماضي.
فهو يذكر صناع القرار بنظرية الطلب الفعّال والتي تقوم على فكرة ان الطلب هو الذي يخلق العرض وليس كما في الفكر الكلاسيكي القائم على عكس ذلك. ففي ظل الفكر التقليدي القائم على فاعلية العرض، فان الدورات الاقتصادية ومنها دورة الكساد، هي شرور لابد منها. بل ان البعض من اللبرالين الجدد يرون ان الية السوق والحرية الاقتصادية المطلقة والدورات الاقتصادية ومنها الكساد والركود العميق هو امر جيد للاقتصاد كونه يخرج ويستبعد النشاطات والاعمال الضعيفة ويّعلم الشركات القوية كيف تتمكن من البقاء على قيد الحياة من خلال ازالة الترهل الذي يزيل الهدر وهو ما درج على تسميته «تصحيح».
الاقتصاد والركود
هل يمكن اعتبار الركود حالة جيدة بالنسبة للاقتصاد فعلا من وجهة نظركم؟
يمكن القول نظريا بأن الركود هو امر جيد للاقتصاد في بعض الحالات ، كونه يخرج ويستبعد النشاطات والاعمال الضعيفة ويّعلم الشركات القوية كيف تتمكن من البقاء على قيد الحياة من خلال ازالة الترهل الذي لا تحتاجه ويساعدها في البقاء على قيد الحياة عبر ازالة الهدر وهو ما درج على تسميته «تصحيح». والسؤال الذي يطرح هنا هو: هل هناك اجماع على ان الركود جيد للاقتصاد ، ولماذا؟
وللاجابة عن السؤال يجب القول اذا كانت وظيفة الركود هي ازالة الترهل من النظام الاقتصادي ، للتخلص من الزوائد ، افلا يمكن ان نتوقع ظهور توسع ونمو اقتصادي بدون ركود الا يمكن ان يتم الترشيق وازالة الهدر دون التضحية بسرعة النمو من خلال الكساد او الركود؟ الا يمكن للمخطط التاشيري او المخطط على مستوى المنشاة ان يلاحظ الهدر ويوصي بازالته.
ان الجواب ايضا يتمثل في ان الضغوط المختلفة تحول دون ذلك حتى لو تم اكتشاف الخلل قبل وقت مناسب. فما لم يحدث الركود ونتائجه المتمثل بكساد توظيف عناصر الانتاج، فلا يمكن ان يحرر العمالة الماهرة وراس المال وبعيد توظيفها في اي مكان اخر بصورة اكثر كفاءة. فالاعمال والشركات القوية التي تستفيد من الانكماش من اجل ان تحقق نموا اكثر كفاءة هي التي يمكنها الاستفادة من الموارد(العمالة الماهرة ورأس المال )خلال حقبة الانتعاش والتوسع التي ستلي الركود ومن المعروف ان الاقتصاد يخرج من الانكماش اصغر حجما ولكن اكثر كفاءة وبمستوى جيد من التاقلم مع الموجة التالية من النمو والتقدم. كما ان بقاء الاقوى سيساعد على تسريع وتيرة نسب النمو بافضل مما كانت عليه.
العرض والطلب
ما هي الاسباب التي تؤدي الى حدوث الكساد او التباطؤ الاقتصادي؟
ان الاساس في اي اقتصاد هو التوازن خصوصا بين العرض والطلب و قبل عصر المعلوماتية كانت التقلبات الاقتصادية حادة جدا ومنها الكساد العظيم الذي حل في العالم في نهاية العشرينات من القرن الماضي. يحدث الكساد عندما يؤدي الانتعاش الى توسع غير محسوب يجعل الانتاج يفوق الطلب فيزداد المخزون ويتراكم وتقل بالمقابل التدفقات النقدية الداخلة بالمقارنة مع التدفقات النقدية الخارجة فيضطر المنتج للاقتراض بفوائد عالية ، تكون في العادة مرتفعة في فترة الانتعاش.
مما يرفع من كلفة الانتاج المتزايد الذي لا يجد ما يكفي من الطلب. فتبدا دورة اخرى من تراكم الخزين وتراجع الارباح . وهنا يضطر المنتج الى تقليص الانتاج او ايقافه لتصريف الخزين المتراكم وهذا يعني تسريح الايدي العالمة جزئيا او كليا مما يؤدي بدورة الى المزيد من تراجع الطلب في الاقتصاد ، لتبدا موجة جديدة من التراجع في الطلب.
لكن هل ساهم التصحيح في اسعار السلع والاصول في عدم حدوث الازمات؟
في اعقاب استخدام النقود والاصدار النقدي الجديد في ادارة الاقتصاد وتحقيق الاستقرار فيه، بدات ظاهرة جديدة بالظهور في الاقتصاد وهي ظاهرة الانفصام بين الاقتصاد الحقيقي والاقتصاد المالي.
فالسياسة الانفاقية العامة اصبحت قادرة على تحيق الاستقرار في العرض والطلب من خلال زيادة الانفاق العام او انقاصه مما حال دون حدوث تفاوت حاد يخلق الازمة عبر العجز او الفائض بالموازنة العامة للدولة. ولكن الدولة لم تعد في ظل السياسات الاقتصادية الداعية للحرية الاقتصادية بتطرف :اللبراليون الجدد ، هي الطرف الوحيد في المعادلة القادر على التوسع في خلق النقود والسيولة والتمويل. فالمصارف وفي ظل تراجع دور رقابة السلطات النقدية عليها.
وبدافع من هاجس الربح العالي المخاطر، بدات تذهب بعيدا جدا في خلق السيولة لتمويل الشراء والمضاربة في السلع والاصول، اعتمادا على فكرة ان التصحيح كفيل بتاشير الحدود التي يجب الوقف عندها. وهذه الحدود هي انفجار الفقاعة المتولدة من الافراط في التمويل، والتي يؤدي التصحيح الى تفجيرها وما لم يكن بحسبان دعاة اللبرالية الجديدة هو الارتباط الوثيق بين الاقتصاد المالي والاقتصاد الحقيقي.
.. الأزمة دروس وعبر
بات الجميع متفقين على ان آثار الأزمة الاقتصادية التي عصفت بدول العالم بدأت بالتراجع التدريجي خلال الاسابيع الماضية وانعكست عملية بدء التعافي فيما نشهده من انتعاش في اسواق الاسهم العالمية والخليجية مما يعزز من امكانية العودة بشكل كامل الى الوضع السابق من النمو الاقتصادي مع بداية العام 2010 على اكثر تقدير.
ومع تراجع حدة الازمة التي تعد الاقوى منذ الكساد العظيم في مطلع القرن الماضي بات لازما على الجميع سواء دول او مؤسسات اخذ الدروس والعبر مما حدث واعطاء اهمية كبيرة لموضوع التحوط من المخاطر او ما يعرف بادارة مخاطر الاستثمار بعدما ثبت مدى اهميتها في التقليل من آثار الازمات على الدول.
وربما لا يكون من قبيل الاكتشاف القول ان الدول الخليجية كانت الاسرع في العودة الى التعافي من آثار الازمة مقارنة مع غيرها من الدول الاخرى التي شارف بعضها على الافلاس نظرا لهشاشة وضعها الاقتصادي وافتقادها للادارة الحصيفة في مواجهة الازمات.
وفي دولة الامارات فان المعطيات على ارض الواقع تشير الى الوضع الاقتصادي بات مطمئنا بفضل السياسات الحكيمة لصانعي القرار الاقتصادي والتحرك الايجابي للحكومة للتصدي للآثار السلبية للازمة الاقتصادية العالمية مما ساهم في عودة الامور الى نصابها الصحيح وفقا لما تؤكده التقارير التي اصدرتها المؤسسات الدولية مؤخرا.
ولعل من نافلة القول بعد تخطي اثار الازمة التاكيد على ضرورة اعادة هيكلة استراتيجية الانفاق العامة ومعالجة الانفاق غير الضروري على وجه الخصوص الذي لا يساهم في خلق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني وذلك من اجل منحة المزيد من القوة للاقتصاد خلال الفترة القادمة.
ناصر عارف

