ما بين مطرقة البطالة وسندان فقدان الأجور والرواتب في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا بفعل الأزمة المالية العالمية الراهنة يثور تساؤل مهم وهو: أين سيذهب هؤلاء، وخاصة ان أرقام البطالة تتسارع في بلدانهم بشكل يومي مع افلاس بنك وانهيار مصنع وإغلاق شركة أو مؤسسة بحيث أصبحت أرقام البطالة في تلك الدول مخيفة تهدد بعدم استقرار اجتماعي وتنذر بارتفاع معدلات الجريمة والفقر إلى مستويات غير مسبوقة الأمر الذي أفرز بطالة في أوساط الخبراء.
الدبلوماسيون في عدد من القنصليات والسفارات الأجنبية بالدولة الى جانب سياسيون ورجال أعمال أجمعوا على أن المنطقة الخليجية وعلى رأسها الإمارات وتحديدا دبي ستكون الوجهة المفضلة على الأرجح لهؤلاء الذين يبحثون عن عمل وكشف الدبلوماسيون عن تلقيهم لعدد ضخم من طلبات العمل من قبل أفراد وشركات في دولهم يبحثون عن فرص عمل جديدة في الإمارات أو الانتقال بأعمالهم ومشاريعهم التجارية إلى الإمارات من أجل الانطلاق من دبي إلي أسواق جديدة في العالم بعيدا عن التأثيرات القوية للأزمة ومحيطها الأكثر تأثرا بتداعياتها.
معدلات مخيفة
وفي إحصاء حديث لمكتب الإتحاد الأوروبي اتضح أن معدلات البطالة في منطقة اليورو قفزت في أبريل الماضي إلى أعلى معدلاتها منذ ما يقرب العشر سنوات مما يضعف الآمال بحدوث انتعاش سريع من أسوأ ركود اقتصادية منذ الحرب العالمية الثانية.
وقال مكتب الإتحاد الأوروبي للإحصاء أن معدل البطالة في منطقة اليورو التي تضم 16 دولة ارتفع إلي 9.2 % من 8.9 % في مارس الماضي في ظل فقدان 396 ألف شخص لوظائفهم ليصل عدد العاطلين عن العمل إلي 14.579 مليون عاطل وهذا الرقم الذي فاق توقعات الاقتصاديين التي قدرت معدلات البطالة عند 9.1 % ، وتتوقع المفوضية الأوروبية ارتفاع معدل البطالة في منطقة اليورو إلي 9.9 % خلال العام الجاري وأن يصل إلي 11.5 % في 2010 وذلك مقارنة مع 7.5 % في 2008 .
وقال هارولد أرتشر الاقتصادي بمؤسسة «أي إتش إس» جلوبال إنسايت أنه على الرغم من العلامات المتزايدة على أن معدل الانكماش الاقتصادي في منطقة اليورو يتراجع على نحو معتدل فإنه من المحتمل ألا يمنع ذلك من استمرار ارتفاع البطالة وأضاف أرتشر أن الارتفاع الحاد في معدل البطالة سيشكل عبئا على الإنفاق الاستهلاكي خاصة ان شأنه أن يؤدي إلى تباطؤ نمو الأجور.ويذكر أن معدل البطالة في دول الاتحاد الأوروبي ال«27» ارتفع إلى 8.6% مقارنة مع 8.4% في مارس وهو أعلى مستوى منذ بداية عام 2006.
6500
سألنا اللورد إيان لودر عمدة حي المال والأعمال في لندن «سيتي أوف لندن» عن التقرير الذي أطلقه مركز الاقتصادي للدراسات والبحوث في بريطانيا والذي توقع فيه أن يخسر 6500 موظف لوظائفهم في حي المال والأعمال في لندن، مما يعني الاستغناء عن ما نسبته 2% من إجمالي الوظائف في (سيتي أوف لندن) .
وعن انعكاسات ذلك على أداء القطاع المالي في لندن رد اللورد لودر بالقول لم أطلع على تلك الدراسة التي خرجت بتلك الأرقام في حين أن إجمالي الموظفين العاملين في حي المال والأعمال خلال فترة العمل النهارية 300 ألف موظف وحسابيا 6500 تمثل تقريبا ما نسبته 2 % ، وأنا أعتقد أن الأمر يتوقف على كيفية النظر للأمور فقد ينظر البعض إلي الكوب الممتلئ نصفه بالماء على أنه نصف ممتلئ وهذا ما سأقوله شخصيا وقد ينظر إليه آخرون على أنه نصف فارغ..
والأمر ينطبق تماما على (سيتي أوف لندن)، فإذا ما قلنا ان هناك 6500 موظف سيفقدون وظائفهم في حي المال في لندن فبمعنى آخر فإن 98% من الموظفين في حي المال في لندن ما زالوا يحتفظون بوظائفهم بالرغم من الأزمة وهذا أمر جيد للغاية وبالطبع هو غير جيد لنسبة 2% ممن هم معرضين لفقدان وظائفهم، وهؤلاء سوف يجدوا فرص عمل في وظائف أخرى كلما ابتعدنا عن الأزمة .
وقال مارتن داي الناطق الإقليمي باسم الحكومة البريطانية في السفارة البريطانية في دبي أن هناك أعدادا من البريطانيين يبحثون عن فرص أعمال مواتية في مناطق العالم المختلفة بفعل البطالة التي خلفتها الأزمة المالية العالمية الراهنة في بريطانيا وهناك اهتمام ملحوظ بدبي ودولة الإمارات بشكل عام وخاصة في ظل ارتفاع مستويات البطالة في بريطانيا بفعل الأزمة حيث سجلت معدلات البطالة في بريطانيا 7.1 % خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي 2009 في حين بلغ إجمالي العاطلين عن العمل في بريطانيا 2.22 مليون عاطل عن العمل.
اقبال من الشركات
وقال مارك بيير رئيس مجلس العمل البريطاني في دبي: دبي لا تزال أكثر الاقتصاديات المتحررة في منطقة الخليج وسوف تظل كذلك. وهناك ارتفاع بنسبة 20 % في الشركات البريطانية التي تريد أن تفتح مقار أو مكاتب لها في دبي.
وسوف يؤدي قرار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الأخير بعدم فرض رسوم جديدة أو رفع الرسوم القائمة على الأعمال والشركات إلى تعزيز ودعم جاذبية الإمارات للمشاريع والشركات البريطانية والمواهب البريطانية وغيرها أيضا. ورغم ظهور علامات الانتعاش على الاقتصاد المحلي فإن آثار الأزمة الائتمانية العالمية سوف تستمر إلى حد ما في دول العالم ودبي والإمارات بشكل عام سوف تفيد من تحسن الأوضاع بدرجة أكبر.
ونعتقد في استمرار تدفق المواهب والشركات على دبي حيث تسعى إلى الاستفادة من المناخ التجاري والاقتصادي الحر والنشط فيها.
تدفق اسباني
أما مانويل فابي المستشار التجاري والاقتصادي في السفارة الإسبانية فكشف عن وجود تدفق كبير لأبناء الجالية الإسبانية وللشركات الإسبانية لدبي تحديدا والإمارات و المنطقة الخليجية بشكل عام بفعل ارتفاع مستويات البطالة في إسبانيا بسبب تداعيات الأزمة الراهنة الشديدة على دول الإتحاد الأوروبي بما فيها إسبانيا العضو في الإتحاد الأوروبي فطبقا لإحصاءات مكتب الإتحاد الأوروبي الأخيرة سجلت اسبانيا أعلى معدل بطالة في الاتحاد الأوروبي اذ وصل إلى 1, 18% مقارنة مع 17.3% في مارس الماضي من العام الحالي .
ويضيف فابي أن السفارة الإسبانية تلقت وما زالت تتلقى أعدادا مضاعفة من طلبات العمل من إسبانيا حيث يريد هؤلاء العمل والإقامة في دولة الإمارات في حين أن النسبة الأكبر من تلك الطلبات أبدت رغبة كبيرة للعمل والعيش في دبي .
وقال ان العدد الأكبر من تلك الطلبات كانت لمهندسين معماريين ومصممين وعمال بناء وشركات عقار وخاصة أن القطاع العقاري في أوروبا قد تعرض لضربة قاسية جراء الأزمة الراهنة وأضاف فابي أن شركات العقار الإسبانية تتدفق على دبي لثقتها الكبيرة بمتانة القطاع العقاري في الدولة فهو على حد وصف فابي أساساته بالقوية وبدأ في النهوض وبقوة بعد التباطيء الذي لحق به جراء الأزمة ويؤكد فابي على أن الشركات الإسبانية تتخذ من دبي مركزا للانطلاق بأعمالها والتوسع إلي المنطقة الخليجية والعربية والإفريقية والآسيوية .
وأضاف فابي أن تعداد الشركات الإسبانية ارتفع من 50 شركة إلي أكثر من 150 شركة إسبانية خلال العامين الماضيين فيما تركز 80% من تلك الشركات في إمارة دبي و 20 % إلي أبوظبي وباقي إمارات الدولة وتوقع فابي أن تتضاعف تلك الأرقام إلي ثلاثة أضعافها خلال الفترة المقبلة .
وكذلك الطلبات المقدمة من المواطنين والعمال الأسبان عبر السفارة الإسبانية في الدولة خلال الفترة المقبلة وأضاف فابي أن الأزمة قد آثرت سلبا على اقتصاديات العالم مؤكدا على أن الحكومة الإسبانية تبذل أقصى جهودها لتجاوز تلك الأزمة وخاصة ان الاقتصاد الإسباني شأنه شأن الاقتصاديات الأوروبية الأخرى مرتبط بالاقتصاد الأمريكي .
وتوقع فابي أن تشهد المنطقة الخليجية تحديدا تدفقا من الغربيين الباحثين عن وظائف والذين خسروا وظائفهم بسبب الأزمة الراهنة عقب انهيار عدد من المؤسسات والشركات والمصانع التي يعمل بها هؤلاء في بلدان أمريكا وأوروبا.
الموقف الياباني
من جانبه يقول كوني فوناكي الرئيس التنفيذي لهيئة التجارة الخارجية اليابانية لدبي والشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن معدلات البطالة في اليابان وصلت إلي نسبة 5 % وهي تعد الأسوأ خلال السنوات الأربع الماضية بفعل تداعيات الأزمة المالية العالمية الراهنة .
والتي تسببت في فقدان الكثيرين لوظائفهم ووصف فوناكي معدلات البطالة في اليابان بأنها تجاوزت المعدلات الطبيعية وهذا يعني على حد قوله بأنه حتى ولو تحسنت الأوضاع الاقتصادية فإن معدلات البطالة ستسوء وأضاف أن الحكومة اليابانية قامت بوضع ميزانية إضافية من أجل خفض مستويات البطالة المرتفعة حاليا في اليابان.
وعن توجهات العمال اليابانيين ممن خسروا وظائفهم في المرحلة المقبلة قال فوناكي ان هؤلاء يبحثون حاليا داخل اليابان عن فرص عمل جديدة والقليل منهم فقط من يبحث عن فرص عمل خارج حدود اليابان وربما تكون المنطقة الخليجية والإمارات تحديدا الأوفر حظا لتكون وجهة لهؤلاء مما يفكرون في البحث عن فرص عمل جديدة خارج حدود اليابان.
وعما إذا ما كانت أسواق آسيا ستكون الأسرع في عملية التعافي مقارنة بأسواق الولايات المتحدة وأوروبا بفعل الأزمة قال فوناكي ان الأسواق في الولايات المتحدة قد تأثرت كثيرا بالأزمة وبالتالي ما زالت بطيئة وبما ان الشركات الآسيوية تعتمد بشكل كبير في أعمالها على عصب التصدير لذلك فهي تتابع بحرص وعن قرب أداء الأسواق الأميركية لمعرفة مدى قدرة وسرعة الأسواق الأميركية على التعافي من حمى الأزمة الراهنة.
البطالة وكرة الثلج
الأزمة المالية العالمية تسببت في فقدان الآلاف لوظائفهم في دول العالم وما حدث من فقدان للوظائف وخاصة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أشبه بالكرة الثلجية والتي يزداد حجمها كلما تدحرجت، فلا يمر يوم دون أن نسمع عن فقدان آلاف العمال لوظائفهم في مصانع وبنوك ومؤسسات وشركات في الغرب.
رئيس البنك الدولي روبرت زوليك حذر مؤخراً من إمكانية تحول الأزمة المالية الراهنة إلى أزمة بطالة في كل أنحاء العالم ستفاقم تدهور أوضاع الناس وقلقهم وخوفهم مما سيؤدي حسب رأيه إلى حالات غضب خاصة في الدول الفقيرة ومنظمة العمل الدولية وفي تقرير متشائم توقعت زيادة عدد العاطلين في العالم إلى350 مليون شخص العام المقبل بعد فقدان عشرين مليون وظيفة ما سيزيد عدد الفقراء بالطبع.
وتأتي إفرازات الأزمة العالمية لتزيد من حدة أزمة البطالة. ولكن السؤال البسيط الذي سيطرأ على بال حتى الإنسان البسيط أين سيذهب هؤلاء بحثاً عن فرص عمل جديدة خاصة أن أسواق العمل في الولايات المتحدة وأوروبا لا تبشر بالخير، فهذه الدول لا تزال غارقة في بحر الأزمة العميق وبنظرة سريعة على تداعيات الأزمة وباعتراف خبراء اقتصاديين ودبلوماسيين ورجال أعمال أجانب تبقى منطقة الخليج الأقل تأثراً بتداعيات الأزمة الراهنة مما يجعل المنطقة الخليجية .
وعلى رأسها الإمارات وتحديداً دبي الوجهة المفضلة لمن فقدوا أعمالهم في الغرب وخاصة في وجود دلائل على تزايد تعداد طلبات العمل المقدمة عبر السفارات وملاحق الدول الأجنبية في الدولة.. دبي وفي فترة قياسية نجحت في بناء اسم ساطع لها عبر حدود العالم وأثبتت أنها الملاذ الآمن في وقت الشدة والأزمات حتى لهؤلاء المهددين بفقدان وظائفهم واستقرارهم.
كفاية أولير
