تألقت الإمارات وسنغافورة وهونغ كونغ في فضاء الأسواق الصاعدة ليست بوصفها نمورا اقتصادية بازغة فحسب، ولكن كذلك لكونها تعبر عن مولد جيل جديد من المدن العالمية التي شكلت على مدار الحقب التاريخية المختلفة مفاصل حركة التدفقات التجارية والمالية بين مختلف مناطق العالم، وتضم الإمارات مدنا عالمية.
وهي أبوظبي ودبي والشارقة، في حين تعد الثانية والثالثة مدنا عالمية في حد ذاتها، وسطرت المدن العالمية الثلاث في الإمارات مسيرة بزوغ الدولة كنمر اقتصادي خليجي يتقاطع في بعض ملامحه وقسماته مع النمور الاقتصادية الآسيوية الأخرى، ولكنه احتفظ بقسمات متميزة أكسبته خصوصية متفردة.وقد تألق دور المدن العالمية في دولة الإمارات، فمن جانب ركزت مدينة دبي رؤاها الاقتصادية حول دورها التقليدي كمركز للتجارة والنقل في منطقة الشرق الأوسط، وتهدف الآن إلى توسيع هذا الدور ليشمل تأدية وظائف عالية القيمة المضافة في خدمات تكنولوجيا المعلومات والشركات وأنشطة البحوث والتطوير والسياحة، وتتبع مدينة أبوظبي نفس الإستراتيجية ولكن مع تركيز أكبر على الصناعات الكثيفة رأسمال.
وتمتلك الشارقة اقتصادا أصغر، ولكن رؤيتها الاقتصادية تتمحور حول إرساء نفسها كقاعدة تصنيع إقليمية لجذب المشروعات المتوسط والصغيرة الحجم بشكل كبير، وفي نفس الوقت، تهدف المدينة كذلك إلى توسيع صناعات النفط والغاز لديها، وتطوير صناعة السياحة الثقافية، فضلا عن القيام بوظائف القيمة المضافة العالية لأجل الحصول على جزء من السوق لأجل وظائف مقار قيادات الشركات وخدمات الشركات ويتوازي مع ذلك، تطلعها لأن تصبح مركزا للتعليم العالي في الإمارات والمنطقة.
ومن زاوية الطموحات الإقليمية والاستثمار الدولي، تمتلك المدن الثلاث في الإمارات وضعا مميزا لدرجة معينة، ويتمثل في عدم قدرة المنافسين المحتملين على مجاراتها في توليفة الحوافز المقدمة من جانبها والتي تشمل إلى جانب الاستقرار السياسي والاقتصادي، وجود بنية تحتية بالغة التطور والحداثة، ومنشآت لدعم الأعمال تتميز بالجودة والحيوية.
وقد نجحت المدن الثلاث في ترسيخ مكانتها كمقر إقليمي من الطراز الأول لتقديم خدمات للشركات، فضلا عن ترسيخ مواقعها كمقاصد سياحية وتجارية، بحيث صارت مصنفة ضمن فئة الجيل الجديد من المدن العالمية.
نتاج العولمة
ويجسد هذا الجيل الجديد من المدن العالمية تطورات عمليات العولمة، وما رافقها من تفاعلات وانعكاسات مهمة بالنسبة لأفق نمو وتطور المدن، بيد أن مردود هذه التفاعلات لم يأخذ شكل القالب الواحد بالنسبة للدول الثلاث، نظرا للتباينات الموجودة فيما بينها نتيجة لاختلاف الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية الموروثة.
وبالتالي، تميز المسار التنموي لكل حالة من الحالات بالخصوصية والتفرد، وهو ما يؤشر على طريق المدينة نحو الإقليمية والعالمية تحكمه مجموعة متنوعة من العوامل، كتلك الخاصة بالموقع الجغرافي والموارد المتاحة ومزايا الخدمات والإنتاج المحلي. ويتقاسم الجيل الجديد من المدن العالمية صفة أنها في الأصل «موانئ»، وهو ما يجعل سكانها أكثر تطلعا إلى الخارج. وينطبق هذا الأمر على الإمارات التي ارتبطت على مدار حقب التاريخ بحركة ازدهار التجارة بين الضفة الغربية من الخليج العربي والبلدان الواقعة فيما وراء مياه الخليج المفتوحة.
وهو الأمر الذي ساعد على ازدهار التجارة في هذه البقعة الجغرافية من العالم، وساهم كذلك في مزج مجتمعات هذه المنطقة بثقافة التطلع إلى ما وراء البحر، وطبعها ببصمات شكلت نسيجها الثقافي حتى الآن، وهي قبول التنوع والتعدد الثقافي والتسامح مع ثقافات الشعوب الأخرى الذي يعد احد المكونات الرئيسية لثقافة المراكز المالية العالمية المزدهرة، وتقدم سنغافورة نموذجا إضافيا يدلل على صحة هذا الافتراض، كما أن هونغ كونغ استفادت من موقعها القريب من الصين الشعبية الدولة الأم.
وفي الغالب، ينظر محللون إلى سنغافورة وهونغ كونغ على أنها نموذجان قابلان للاحتذاء بهما، فيما ينظرون إلى المدن الموجودة في الإمارات المتحدة، وهي دبي وإمارة أبوظبي والشارقة على أنها من المراكز الصاعدة التي تتطلع إلى التفوق على سنغافورة في سلم المدن العالمية الصاعدة، ويرون أن نجاح المدن الثلاث على المدى الطويل يعتمد على قدرتها المؤسساتية في تأدية وظائف القيمة المضافة العالية.
وهو ما يعتمد على معالجة أوجه التحديات المثارة في هذا المجال، وتنبع بعض هذه التحديات من الهياكل واللوائح التنظيمية، فيما ترتبط تحديات أخرى بالهيكل التنظيمي لكل مدينة على حدة، كما تعتبر تايوان جزيرة وبالتالي فهي تمتلك مساحة محدودة من الأرض، ولكن لم يؤد مثل هذا القصور في تبطئة وتيرة نموها.
ويعتبر التوجه التصديري أحد ملامح الجيل الجديد من المدن العالمية، فجميعها بدون استثناء اعتمدت على إستراتيجية نمو تتجه إلى الخارج، فمن جانب، قطعت المدن العالمية الثلاث في الإمارات خطوات مهمة ومؤثرة على مسار التنمية الاقتصادية على مدى السنوات القليلة الماضية، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى قيام هذه المدن بتوفير بيئة تنظيمية كفئة فعالة.
ومن المتوقع أن تلعب الخدمات دورا ضخما في اقتصاد هذه المدن خلال المديين المتوسط والطويل، وذلك مع النمو السريع للقطاعات الخدمية كالنقل البحري والجوي والخدمات اللوجيستية والسياحة الطبية والأدوية والعقاقير وتكنولوجيا المعلومات.، وهو ما ينسجم مع رؤية كلية وشاملة تهدف إلى تحويل الإمارات إلى مركز للممارسة الأعمال على المستوى الإقليمي وحتى على المستوى الدولي، ولأجل إنجاز مثل هذه الرؤية، تلتزم الحكومة بسياسات حرية التنقل (دعه يعمل دعه يمر) وإقامة علاقات مشاركة بين القطاعين العام والخاص.
كما تصدرت أجندة الحكومة على مدار العقدين الماضيين قضية التنويع الاقتصادي بعيدا عن النفط، وذلك من خلال التركيز على الصناعة والخدمات، ويعتبر كذلك قطاع التصنيع أكبر القطاعات الاقتصادية غير النفطية، ويضم هذا القطاع صناعات الأسمنت والسيراميك والمنسوجات والملابس والأدوية والذهب والمجوهرات، فضلا عن القطاعات الفرعية الأخرى، وجاء نمو قطاع التصنيع نتيجة لزيادة الطلب الناتج عن الزيادة السريعة في عدد السكان، وزيادة العرض المتجه نحو التصدير، وذلك مع توسع المناطق الحرة والاستثمارات الأجنبية المباشرة.
ويتقاسم الجيل الجديد من المدن العالمية ملمحا آخر، وهو اعتماد نماذج التنمية على توفير بيئة قانونية وتنظيمية مواتية للأعمال، وفي هذا السياق، تمتلك العديد من الدول في أفريقيا وأميركا اللاتينية أنظمة قانونية تنص على الانفتاح على الاستثمارات الأجنبية المباشرة ولكنها تعاني هذه الدول من الإخفاق في التنافس مع نظيراتها الأقل جاذبية من الناحية القانونية، حيث تتعلق التنافسية بشكل اكبر بما هو يدور على أرض الواقع بشكل يومي أكثر مما تتعلق بتشييد وضع مثالي على الورق.
ويتجلى هذا الأمر بكافة تعبيراته في المدن العالمية الثلاث بدولة الإمارات، حيث قادت التطورات المتلاحقة إلى تبني سياسات وأطر تنظيمية قائمة على السوق الحرة. وخلق بيئة أعمال مواتية للنمو الاقتصادي، وهو الأمر الذي ساهم في جذب هذه المدن لشركات الدولية ذات السمعة والشهرة العالمية.
وعلى مدار السنوات القليلة الماضية، ارتفعت السيولة المحلية مع زيادة رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية المباشرة وصعود أسعار النفط وخلق الائتمان من جانب البنوك المحلية. ومع الأخذ في الحسبان الربط الثابت للدرهم الإماراتي بالدولار الأميركي، والتدفق الحر لرؤوس الأموال، تواجه عملية وضع سياسة نقدية فعالة الكثير من التحديات، حيث تتحدد أسعار الفائدة المحلية بناء علي أسعار الفائدة الأميركية، ولذلك، يعمل المصرف المركزي الإماراتي على إدارة التقلبات في السيولة المحلية عن طريق شهادات الإيداع.
وترى دراسة أعدها المحلل كيفاني بارسا في دراسة بعنوان «المدن العالمية الصاعدة: مقارنة سنغافورة بمدن الإمارات المتحدة «أنه على غرار حالة سنغافورة، يمكن معالجة هذا التحدي من خلال اتباع إستراتيجية مزدوجة تهدف إلى تدريب الطاقات البشرية المحلية، وجذب العقول الأجنبية ذات الكفاءة العالية، بالإضافة إلى تطوير أسليب مبتكرة لتعزيز قاعدة المعرفة والكفاءة للأشخاص العاملين، علاوة على التسريع بالتنسيق فيما بين المؤسسات وخلق الشعور بالهدف المشترك والتفاهم فيما بينها.
بمعزل عما إذا كانت دبي ستكون ناجحة في التفوق على سنغافورة، وبمعزل عما إذا كانت دبي والشارقة سيعملان بشكل مكمل لبعضهما البعض، وبمعزل أيضا عما إذا كانت أبوظبي ستصبح أكثر مؤسساتية، وما إذا كانت سنغافورة المدينة العالمية ستظل أحد الملامح الرئيسية للمستقبل، فإن هناك شيئا يمثل القاسم المشترك بين المدن العالمية الجديدة.
وهو حاجتها لتنفيذ إستراتيجيات، من شأنها أن تعظم استفادتها من تألق مكانتها الاقتصادية وتراكم رأسمال البشري، وبالتالي، فانه بالنسبة لمدن الإمارات، تنتصب سنغافورة كنموذج ومثال، ولكن حاجة سنغافورة للاندماج بشكل أكبر في الاقتصاد العالمي، وهو ما ينسحب أيضا على مدن الإمارات الثلاث، ترتكز على بناء الرأسمال البشري والتعجيل بإقامة اقتصاديات ذات قيمة مضافة ترتكز على المعرفة.
إستراتيجية التوجه إلى الخارج
اتبعت تايوان إستراتيجية تنهض على التصدير إلى الخارج عقد الستينات من القرن العشرين، ونجحت هذه الإستراتيجية في مضاعفة الصادرات التايوانية خمسة أضعاف، بينما ارتفعت الواردات بأربعة أضعاف ونمت الصادرات لتحل محل المساعدات الأجنبية والسماح بزيادة كبيرة في الواردات، وكانت الأخيرة ضرورية حيث كان الاقتصاد يحتاج إلى الإنتاج بدرجة كبيرة. وقد تكونت قائمة الصادرات الأولية لتايوان من المواد الغذائية المصنعة والمنتجات المشابهة، وقد توسعت قائمة الصادرات لتشمل المنسوجات والملابس والماكينات الكهربائية وغيرها من الصناعات.
وارتبطت زيادة الصادرات والدخل الحقيقي بزيادة معدلات التوظف والأجور الحقيقية، واستهدفت السياسات الحكومية تشجيع الصادرات عموما، وتتمثل نقطة الانطلاق المنطقية بالنسبة لدولة الإمارات في خلق مثل هذا النوع من العمل المشترك فيما بين الإمارات مع بعضها البعض، حيث انه في غير مقدور أي واحدة منها تحمل تعثر تحقيق أهدافها التنموية نتيجة وجود تضارب في إستراتيجيات التنموية، وعلى أية حال، فان هناك أنشطة وظائفية متواصلة ومكملة لبعضها البعض فيما بين الإمارات مع بعضها البعض.ال
ثقة بالمستقبل
يبعث نجاح النموذج الاقتصادي الإماراتي على التفاؤل بالافاق المستقبلية للمنطقة العربية، حيث انه برهن على أن النجاح أمر غير مستعص بالنسبة للعقلية العربية، وأن شفرتنا الجينية ليست ضد التقدم، بل قادرة على تسجيل قصص نجاح أسوة بالشعوب الأخرى في العالم المتقدم، وبالتالي، يجب أن نشد بالنواجذ على هذا النموذج، فهو دليل حي على أنه بمقدورنا أن نثب وثبات النمور في تحقيق تطلعاتنا وأهدافنا، بحيث بصبح نجاح الإمارات في الحصول علي لقب «نمر اقتصادي خليجي» مجرد بداية وليس نهاية مطاف.
وينصرف اصطلاح «النمور الاقتصادية الآسيوية» في أدبيات التنمية الاقتصادية الدولية إلى مجموعه دول جنوب شرق آسيا التي حققت نموا اقتصاديا بمعدلات سريعة ومرتفعة مثيرة وملفتة للأنظار بما يشبه قفزات النمور في سرعتها لتمتد قوتها لسنوات عديدة قبل أن تصل إلى مرحلة الشيخوخة. فمن المعروف أن النمور تسير بخطوات وثابة إلى الإمام. كما انها تسير مرفوعة الرأس، شامخة في تطلعاتها إلى المستقبل. ويضفي هذا الحال عليها نوعا من التفاؤل في حياتها. وهذا هو سر التسمية.
الإمارات نمر اقتصادي خليجي
صار ينطبق على الإمارات وصف «نمر اقتصادي» الذي التصق دائما بالدول الآسيوية الواقعة على المحيط الباسيفيكي، وربما يتقاطع نموذج الإمارات في التنمية في بعض قسماته مع دول النمور الآسيوية، وربما يمتلك ملامحه المتفردة والمتميزة، وهو ما يجعل وصف «نمر اقتصادي خليجي» التوصيف الأكثر ملاءمة للتعبير عن أوجه تميز وتفرد النموذج الإماراتي.
داعب حلم الانضمام إلى «نادي النمور الآسيوية» مخيلة الكثير من الدول في داخل المنطقة وخارجها، وصارت أساليبها ونماذجها في التنمية موضع إعجاب وتقدير على الصعيدين المحلي والإقليمي، ولكن ظل إنجاز هذا النموذج على أرض الواقع مستعصيا على دول المنطقة من مشرقها إلى مغربها.
وذلك على الرغم من أن الجميع على معرفة يقينية بعناصر الإستراتيجية أو «الوصفة» ـ إذا جاز التعبير ـ التي تكفل تحقيق هذا النموذج. بيد أن الإمارات هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي نجحت في الربط بين التخطيط والتطبيق، بحيث صارت الخطط والرؤى الاقتصادية ليست مجرد تصورات مثالية عن المستقبل بل واقعا محفورا على الأرض، وهو ما جعلها تكتسب شهرة في مختلف الأوساط بأن أقوالها وأفعالها وجهان لعملة واحدة، وأنه إذا ما بدر عن المسؤولين فيها أية أقوال عن مشروعات أو برامج استثمارية، فانه سرعان ما تتحول هذه الأقوال إلى أفعال وتصرفات.
«البيان»

