على مدار التاريخ، تألقت دول ومدن كمراكز مالية، ولكن استطاع القليل منها البقاء والاستمرار، فقبل عام 1870، ظهر عدد كبير من المدن التي تقدم خدمات مالية عالمية وإقليمية، وشملت كل من أمستردام وبرلين وفلورنسا وفرانكفورت وهامبورج وجنوا ولندن وميلان ونيويورك وباريس وفيلادلفيا ورما وفينيسيا وتوربن، ودخلت هذه المدن في منافسة شرسة على جذب الأعمال، ولكن مع حلول نهاية هذه الحقبة، بدأت كل من باريس ولندن في الظهور كمراكز مالية عالمية قوية، واشتبكت المدينتان بدورهما في منافسة لا هوادة فيها.
وبعد عام 1870، وانتهاء الحرب الروسية الفرنسية، وهزيمة فرنسا على يد الألمان، فازت لندن بمكانة المركز المالي العالمي المسيطر، وظلت تتمتع بهذه المكانة حتى نشوب الحرب العالمية الأولى في عام 1914، وبعد الحرب، تحدت مدينة نيويورك وضعية مدينة لندن كمركز مالي عالمي.ولكن المدينتين تقاسمتا هذه المكانة حتى حلول فترة الكساد الكبير الذي ضرب الاقتصاد العالمي في الثلاثينات من القرن العشرين، وفي هذا الوقت، تمكنت مدينة نيويورك من التفوق على لندن، وتمتعت مدينة نيويورك بوضعية المركز المالي العالمي الأول خلال فترة الحرب العالمية الثانية والسنوات التي تلتها.
المؤسسات تلعب دوراً محورياً
أكدت نماذج التنمية المتبعة في الجيل الجديد من المدن العالمية أهمية الدور المحوري للمؤسسات في عملية التنمية الاقتصادية، وفي سنغافورة على سبيل المثال، سمح التعريف الواضح والصريح للأهداف إلى جانب الحوافز المتاحة للمنظمات العامة والخاصة هياكل مؤسساتية شفافة ومحاسبة ومتجانسة، ببروز تكتلات وتجمعات مصالح في أوساط الأعمال، وأثمرت هذه التكتلات في حصول سنغافورة على تقدير دولي إلى جانب تحقيقها مستويات عالية من النمو، كما سمحت التغذية الارتجاعية النشطة للأعمال الدولية في تطوير السياسات وإعادة تبويب وترتيب الأهداف، ومن ثم تجنب الصدمات، وزيادة القدرة على التكيف والتأقلم.
ومثل هذه الميزة المستمدة من تواصل الحوار حول السياسات، قد تعززت أكثر بتشكيل اتحاد للأعمال والذي خول مسؤوليات في تجميع وتكتيل مجتمع الأعمال في سنغافورة، والأمر الملاحظ، أن استجابات وردود أفعال المنظمات العامة والخاصة تحمل الكثير من أوجه الشبه، وهو ما يعكس الشفافية والإفصاح والمصارحة في ثقافة الأعمال، وتعتبر هذه أحد المفاتيح الرئيسية للمدينة الناجحة، حيث تكون مصالح وتطلعات مجتمع الأعمال في خط مواز مع مصالح وتطلعات المؤسسات العامة والعكس صحيح.
التنافس والتكامل يحكمان علاقات المدن العالمية
يقر المحلل كيفاني بارسا في دراسة بعنوان «المدن العالمية الصاعدة: مقارنة سنغافورة بمدن الإمارات المتحدة» بأنه على الرغم من الدراسات والبحوث المكثفة التي تم إجراؤها لفحص ودراسة تأثير عمليات العولمة على التنمية الحضرية والإقليمية في مناطق جغرافية عديدة بما في ذلك سنغافورة، إلا أن هناك نقصاً كبيراً في البحوث والدراسات التي تتناول مدن دول الشرق الأوسط خاصة مدن دولة الإمارات المتحدة.
وبناءً على ذلك، سعت الدراسة المذكورة آنفاً إلى استكشاف المسار الذي اعتمدته هذه المدن، بهدف تقييم أوجه التقدم الذي تم إحرازه في الماضي والحاضر، واستشراف القدرة المستقبلية لهذه المدن على تحقيق رؤاها وتصوراتها المتعلقة بالبزوغ كمراكز اقتصادية عالمية، من خلال اتباع المنهج المؤسسي.
حيث ان هناك مناهج مختلفة في دراسة العولمة والمدن العالمية، ولكن بعض المفاهيم المهمة التي برزت من بنيان الأدبيات، تبرز هذه المدن كما لو كانت تكمل بعضها البعض، ولكنها في الوقت ذاته، تتنافس فيما بينها على جذب الاستثمارات الأجنبية، وأحد الأبعاد التي تبرز من هذه الدراسات هو الإقرار بزيادة أهمية بيئة الأعمال كعامل محدد لمدى تنافسية المدينة، والشيء المحوري في هذا المجال، هو دور العوامل المرتبطة بالسياسات، والهيكل المؤسسي للمدينة.
«البيان»

