يعكس مركز دبي المالي العالمي دخول الإمارات مرحلة أكثر رحبا وأتساعا صوب تأكيد دورها كفاعل مالي عالمي يخاطب المستقبل ويتعامل مع ضرورات الواقع، وبقدر إسهام عامل الجغرافيا في ارتقائها سلم الصعود إلى مصاف المراكز المالية العالمية، من ناحية إكسابها المجتمعات البشرية التي قطنت ضفاف شواطئ الدولة بثقافة «الانفتاح على الخارج «والتي تعتبر المكون الأهم في النمط الثقافي للمراكز المالية، فانه وبالقدر ذاته، أثر امتلاك الدولة ترياق النجاح، في الاستفادة من مقومات الجغرافيا، ويعد هذا الترياق مزيجا فريدا من نوعه.
حيث تجتمع فيه الأحلام والتطلعات التي تطاول عنان السماء، مع الرؤية الثاقبة والمدروسة التي تخاطب المستقبل، إلى جانب التحرك المدروس على ارض وعرة مليئة بتعرجات ونتوءات استعصت على كثيرين، إما بسبب الاستخفاف والاستهانة بهذه المصاعب، وإما بسبب عدم امتلاك مقومات السير على هذا الدرب المفروش بالأشواك.
انطلق مركز دبي المالي العالمي على هذه الأرضية الاجتماعية والثقافية والجغرافية، وصار عمره ليس محسوبا بالسنوات القليلة التي أعقبت إنطلاقه، بل تمكن في غضون فترة وجيزة من اكتساب الصفة العالمية أسوة بالمراكز المالية العتيدة على غرار تلك الموجودة في وول استريت ولندن.
وتتقاسم أغلب هذه المراكز صفة أنها في الأصل «موانئ»، وهو ما يجعل من سكانها أكثر تطلعا إلى الخارج.
وينطبق هذا الأمر على الإمارات التي ارتبطت على مدار حقب التاريخ بحركة ازدهار التجارة بين الضفة الغربية من الخليج العربي والبلدان الواقعة فيما وراء مياه الخليج المفتوحة، وهو الأمر الذي ساعد على ازدهار التجارة في هذه البقعة الجغرافية من العالم، وساهم كذلك في مزج مجتمعات هذه المنطقة بثقافة التطلع إلى ما وراء البحر، وطبعها ببصمات شكلت نسيجها الثقافي حتى الآن، وهي قبول التنوع والتعدد الثقافي والتسامح مع ثقافات الشعوب الأخرى الذي يعد احد المكونات الرئيسية لثقافة المراكز المالية العالمية المزدهرة.
تحديات ونجاحات
تجسد هذا الواقع بتضاريسه الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في الرؤية التي عبر عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي وهدفت إلى تحويل دبي إلى مركز مالي دولي معترف به كمقر نشط للتمويل المؤسسي لتحفيز التطور والازدهار والنمو الاقتصادي في دولة الإمارات والمنطقة بشكل عام، والمساهمة بشكل فعال في استقطاب تدفقات رؤوس الأموال والاستثمارات إلى المنطقة، واستعادة نسب متزايدة من رؤوس الأموال العربية المستثمرة في الخارج والتي تقدر بقرابة التريليون دولار.
وأدرك القائمون على مركز دبي المالي العالمي أنه من المتعين عليهم السير على طريق وعر وشائك لتحويل هذه الرؤية إلى واقع معاش على الأرض، انطلاقا من اعتقاد راسخ بأن تأسيس واجهه براقة تحمل يافطة» المركز المالي العالمي «شيء، وامتلاك مركز مالي عالمي حقيقي شيء آخر، والاحتفاظ بهذه المكانة شيء ثالث.
حيث لا يعد إطلاق المراكز المالية أمرا صعبا أو مكلفا، بالنظر إلى احتياج هذه المراكز بالدرجة الأولى إلى رأسمال بشري أكثر من احتياجها إلى الاستثمارات الرأسمالية، وبالتالي، يمكن للمراكز المالية أن تتلاشي وتختفي بسرعة، إذا لم تفلح في تأسيس بنية تحتية تنظيمية تحظى بثقة التجار والمستثمرين من مختلف شرائح السوق، وإذا لم تفلح في إقامة بيئة أعمال مواتية لتدفقات الأموال.
وضع القائمون على مركز دبي المالي العالمي جملة من المفاهيم والتصورات، بناء على الخبرات التاريخية المستقاة من حركة صعود وأفول المراكز المالية العالمية، وشكلت هذه المفاهيم الأسس التي نهض عليها بنيان المركز، ووفرت كذلك الحصانة والمناعة ضد التحديات والعقبات الموروثة التي طالما عانت منها مراكز عالمية مالية رئيسية، وتتمثل هذه المفاهيم في التالي :
أولا ،أن تنسجم اللوائح التنظيمية والقوانين والتشريعات مع أفضل الممارسات الدولية المطبقة في هذا المجال، لكي يتسنى جذب كبريات المؤسسات المالية في العالم، وأن يتم وضع هذه القوانين على أساس نماذج القوانين المطبقة في المراكز المالية في المملكة المتحدة وسنغافورة.
بحيث يتكامل هذا الإطار التشريعي العالمي المستوى، مع القوانين الشاملة لمركز دبي المالي العالمي، مما يوفر للمؤسسات المالية التي تختار العمل انطلاقاً من المركز بيئة عمل مألوفة لها، كما يمنحها الثقة القانونية بسلامة البيئة التي تنشط بها.
علاوة على أن يكون الإطار القانوني للمركز منسجما مع المعايير السارية في منظمات كمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «أوسيد» ومنظمة «قوة مهام العمل المالي» المختصة بمكافحة غسيل الأموال، واتفاقية بازل.
ثانيا : أن يتمتع مركز دبي المالي العالمي بسلطة قضائية وقانونية مميزة، تكفل له بأن يصبح جهة منظمة تتمتع بالاستقلالية التنظيمية، وبحيث تشكل استقلالية سلطة دبي للخدمات المالية المحور الأساسي لمفهوم مركز دبي المالي العالمي مع التنسيق الكامل مع الجهات التنظيمية في الداخل.
ثالثا: أن تغطي قوانين المركز مختلف العمليات والأنشطة، وتشمل: القانون التنظيمي، قانون الشركات، قانون تطبيق التشريعات المدنية والتجارية، والقانون المتعلق بتطبيق تشريعات مركز دبي المالي العالمي وقانون شركات المسؤولية المحدودة وقانون العقود وقانون الإفلاس وقانون التحكيم وقانون حماية البيانات وقانون الشراكة العامة وقانون الأسواق وقانون تنظيم الأنشطة الإسلامية.
مرونة القوانين
رابعا : أن تكون القوانين والنظم التي تحكم عمل المركز واضحة مسبقاً للمصارف والمؤسسات المالية الدولية الكبرى. بأن يتم وضعها وفق التشريعات المتبعة في مدينة لندن، وأن يتم صياغتها باللغة الإنجليزية التي تعتبر لغة المال والأعمال الدولية.
خامسا: أن يكون النظام القانوني مرنا، وذلك على نحو يسمح بتطويره بشكل مستمر بما يتوافق مع التغيرات المستجدة في البيئة القانونية العالمية.
وأن يراعى توفير بيئة تشريعية دولية المستوى تتسم بقدر كبير من الشفافية وتجسد في الوقت نفسه استقلالية المركز وتمتعه ببيئة تشريعية تستند إلى أرقى الممارسات الدولية في هذا المجال.
سادسا: أن يعمل المركز على توفير الشفافية في كافة المراحل وليس الترخيص فقط. وأن تلتزم الشركات بالشفافية في عملها. على اعتبار أن المركز يوفر بيئة عمل عالمية وليست محلية.
واجه القائمون على المركز منذ لحظة إطلاقه الأولى تحدي تحويل هذه المفاهيم والتصورات إلى إطار عمل تنظيمي وقانوني موجود على أرض الواقع رحلة لم تكن حافلة بالإحداث السارة، وإنما بالعديد من التحديات التي كان من المتعين عليهم مواجهتها والتوصل إلى حلول لها من دون التفريط في جودة المقاييس والمعايير المستهدفة، وواجهوا في هذا المجال لحظات مخاض صعبة، جرى تضخيمها من جانب بعض المحللين بتحميل المسؤولين في المركز مسؤولية تقويض المصداقية التي اكتسبتها الدولة في تنفيذها للمشروعات العملاقة، وزعم البعض الآخر بأن الدولة تقف على قدم مشلولة في تنفيذها لهذا المشروع الضخم ودخل آخرون في لعبة التكهن بما هو وراء الكواليس حول منازعات وصراعات لم تكن موجودة سوى في ذهن هؤلاء الذين روجوا لها.
تبلور البنيان التنظيمي
ولكن انطلقت مسيرة المركز، وتطور بنيانه التنظيمي، فعلى غرار مراكز المال الدولية العريقة، تعد الهيئة التشريعية المستقلة (سلطة مركز دبي المالي العالمي للخدمات المالية) أساس مفهوم مركز دبي المالي العالمي، وتضم السلطة نخبة من الكفاءات التي تتمتع بخبرات طويلة في هيئات تشريعية رائدة في مختلف أنحاء العالم.
وتعد سلطة مركز دبي المالي العالمي للخدمات المالية (دي إف إس أيه) بمثابة هيئة تشريعية وإشرافية مستقلة، مسؤولة عن منح التراخيص وتنظيم أنشطة المؤسسات المالية ضمن مركز دبي المالي العالمي، وقد تم إنشاؤها اعتمادا على نماذج التشريعات الأساسية السائدة في نيويورك ولندن، كما أن نظامها التشريعي يتوافق مع المعايير السائدة في مراكز المال، وتماشياً مع ما هو سائد في المراكز المالية الدولية الرئيسية.
ورغم أن إطلاق مركز دبي المالي العالمي شكل في حد ذاته نقلة نوعية في تاريخ المنطقة التي ستغطيها خدماته، إلا أن بلوغ ما هو مطلوب ومخطط له من مهام وادوار، ليس بالأمر الهين والبسيط، حيث إنه من المطلوب منه أن يضطلع بدور حيوي في نمو اقتصاد المنطقة وازدهارها، وان يقوم بتعزيز الروابط بين دول المنطقة نفسها والعلاقات التي تربط هذه الدول مع بقية دول العالم، كما أنه من المطلوب منه أن يسهم في استقطاب الاستثمارات من أنحاء العالم بأحجام غير مسبوقة إلى هذه المنطقة، مما سيتيح للشركات الإقليمية الحصول على رأس المال الذي تحتاج إليه لتحقيق النمو وتطوير أعمالها.
وبعبارة أخرى، تمثلت مهمة مركز دبي المالي العالمي في العمل كجزء من آليات تسيير النظام المالي العالمي، وأن يقدم سوقا مالية تخدم المنطقة الممتدة عبر المناطق الزمنية بين لندن والمراكز المالية الموجودة في الشرق والتي تغطي كل من منطقة الشرق الأوسط وتركيا وآسيا الوسطي وشبه القارة الهندية وبالتالي تكملة النظام المالي العالمي وليس الدخول في منافسة مع هذه المراكز.
خطوات محسوبة
وأختار القائمون على المركز نهج التدرج وعدم الركض وراء اتخاذ خطوات وقرارات متسرعة لمجرد البرهنة على أن الدولة تمتلك يافطة «المركز المالي العالمي «ولكنها في الواقع العملي أبعد ما تكون عن العالمية، وبالتالي، فهم أيقنوا أن بداية الطريق لبلوغ العالمية تكمن في الانطباعات والمدركات الواقرة في عقلية التاجر والمستثمر والسمسار بشأن بيئة التداول داخل المركز، وأنه من الممكن أن يهوي المركز إلى القاع، إذا ما تسرب الشك إليهم بأن اللوائح التنظيمية والمعايير ليست هي تلك الموجودة في البورصات العالمية.
وعليه، وضع القائمون على المركز إطار تنظيمي يحكم تسيير عمل المركز وينهض على أرقي المعايير والمقاييس العالمية المطبقة في مراكز المال العالمية، بحيث يشعر المستثمر الدولي بأن بيئة الأعمال داخل المركز هي نفسها الموجودة في مراكز المال العالمية الأخرى، وأن بدايات المركز لا تحتمل أيه أخطاء أو تعثرات.
حيث أن أية خطأ مهما صغر أو كبر حجمه سيكون كفيلا بوأد المركز قبل أن يشتد عودها ويقوي وبالتالي، فأنه كان لا بد أن يكون الإطار التنظيمي من الإحكام والقوة لمنع تفادي أية أخطاء أو ممارسات تؤثر سلبا على بيئة الأعمال داخل المركز.
وعليه، تمكن المركز من إرساء إطارا تنظيميا موضع فخر واعتزاز من قبل القائمين عليه، وهكذا تحول مركز دبي المالي العالمي وفي وقت قياسي إلى العالمية، وحصل على اعتراف دولي بمصداقيته ومواتيته لازدهار الأعمال، وقام بعقد اتفاقات مع جهات عالمية بهدف تطبيق اعلي درجات الشفافية والحكومة الرشيدة، وتعزيز الثقة بالقطاع المالي الإقليمي والإسهام في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتشجيع المصارف المحلية والإقليمية على توفير التمويل اللازم للشركات الصغيرة والمتوسطة.
ويبدوا أن الرحلة التي قطعها مركز دبي المالي العالمي لم تنته فصولها بعد، بل تنتظره الكثير من التحديات التي يجب أن يتعامل معها لكي يتحول إلى بؤرة نشطة لصناعة المال على صعيد المنطقة بأسرها، وذلك حتى يصبح كيانا قادرا ليس فحسب على البقاء والاستمرار، وإنما كذلك قادرا على مواصلة مسيرته متمتعا بمقومات الازدهار والانتعاش.
ملأ الفراغ
ملأ مركز دبي المالي العالمي فراغا عانى منه أصحاب الثروات العربية لعقود، وهو غياب وجود مركز مالي عربي يضع ضمن أولوياته خدمات إدارة الأصول والثروات، وهو ما جعل بوصلتهم تتجه تلقائيا إلى عواصم المال في الغرب، وذلك رغم الجدل المثار دوما حول ما درجت الأدبيات العربية على توصيفه «بالأموال العربية المهاجرة»، وعجت هذه الأدبيات بالمقولات التي تزج بأصحاب هذه الثروات في قفص الاتهام، الأمر الذي رسخ القناعة لدي هؤلاء بأن إدارة ثرواتهم بعيدا عن هذه الأرض المترامية الإطراف، هو الضمان لشعورهم بالاطمئنان على أموالهم ،وهكذا ظهرت فكرة توطين رؤوس الأموال العربية على أنها مجرد خيال محض لا تمت للواقع العملي بأية صلة.
ورغم تباين التقديرات بالنسبة لحجم الأموال العربية المهاجرة والتي تتراوح بين 800 مليار دولار أميركي إلى 3 تريليونات دولار أميركي، إلا أن الأهمية الكبرى لمثل هذه الأموال تكمن في حاجة الدول العربية إليها لتمويل مشروعاتها التنموية التي يعول عليها كثيراً في دفع عجلة التنمية في العالم العربي الذي يعاني من نقص شديد في معدلات الاستثمار، وما يرتبط بها من مضاعفات تؤثر سلبا على الخدمات العامة كالتعليم والصحة فضلا عن النقص الحاد في المشروعات التي من شأنها أن تساعد في محاربة آفتي البطالة والفقر.
مدينة مالية
تدفقت المؤسسات المالية العالمية على مركز دبي المالي العالمي، وهو ما عكس التحول الذي طرأ على المركز، بحيث أضحى أشبة بالمدينة المالية، فهي تمتلك قوانينها ومحاكمها الخاصة بها، ويتابع قضاه هذه المحاكم تطبيق القوانين.
حيث يوجد في المركز نظام المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف التي تمكن المركز من التعامل مع مختلف النزاعات التجارية ضمن حدود منطقته، في حين يتمتع المركز ببنية تشريعية عالمية تتناول مختلف القوانين المتعلقة بتسيير الأعمال في المركز بما فيها القوانين التجارية، وتعزز هذه القوانين من إمكانات المركز كمنطقة حرة تتمتع باستقلالية تامة في الوقت الذي لا تتعارض فيه مع القوانين المحلية والاتحادية ذلك أن القوانين الاتحادية تنص على قيام مراكز مالية في إمارات الدولة تتمتع بسلطة مستقلة وقوانين خاصة كما أن اختيار المحامين للدفاع في المحكمة يتم وفق معايير محددة بحيث يكون المحامي مؤهلا للترافع في دولته، حيث ستكون المداولات في المحكمة باللغة الانجليزية.
وتوفر قوانين مركز دبي المالي العالمي التي تم تشريعها للمحاكم نظاماً قضائياً يلائم طبيعة العمليات التي تجري في المركز.
وحفزت السيولة النقدية التي تزخر بها المنطقة الكثير من المؤسسات المالية العالمية على الانضمام إلى المركز هذا التقاطر على مركز دبي المالي العالمي وهو حالة السيولة النقدية التي صارت تزخر بها المنطقة نتيجة لارتفاع العوائد النفطية.
دبي ـ مجدي عبيد
