توقع لوران باتريك غالي نائب الرئيس في قسم الأبحاث في شعاع كابيتال أن يعود إنفاق المستهلكين في الدولة إلى عافيته بحلول الربع الأخير من العام الحالي 2009 وقال في حديث خص به «البيان الاقتصادي» إنه مازال هناك رغبة كبيرة لدى المستهلكين للإنفاق.

وأضاف أن أجواء الأزمة المالية العالمية الراهنة جعلت المستهلكين بشكل عام يتجهون إلى شراء البضائع والسلع التي تخضع لتخفيضات في أسعار بيعها والتي يمكن المساومة في عملية شرائها. وأضاف أن تقديم تنزيلات وعروض مغرية في المحلات والمتاجر من شأنه أن يشجع المستهلكين على العودة إلى مستويات الإنفاق المرتفعة كما كانت عليه قبل الأزمة وأكد باتريك على أهمية عودة الإنفاق إلى مستوياته الطبيعية قائلا أن إنفاق المستهلكين يلعب دورا أساسيا في الخروج من دوامة الأزمة الراهنة حيث يرفع الإنفاق من مستويات السيولة والتي عادة ما يعاد تدويرها واستثمارها في اقتصاديات الدول.

هرم الإنفاق الاستهلاكي

وشبه لوران باتريك الإنفاق الاستهلاكي بالهرم حيث قال إن قاعدته متينة تتمثل في قطاع الأغذية والمشروبات والذي لم يتأثر بتداعيات الأزمة الحاصلة على حد قوله فهو يقول لا يمكن أن يتوقف أحد عن شراء الغذاء والمشروبات وبالتالي لا يمكن خفض الإنفاق بشأنهما فهما عنصران لا غنى عنهما لحياة الإنسان وتوقع أن ترتفع مستويات الإنفاق بشكل عام في الفترة المقبلة.

وخاصة مع قرب حلول شهر رمضان المبارك وأعياد السنة الميلادية ويرى باتريك أن قطاع السيارات يتوسط هرم الإنفاق الاستهلاكي للفرد وبالتالي جاء تأثر مبيعات السيارات بالأزمة الراهنة واضحا وخاصة السيارات ذات الموديلات الحديثة والباهظة الأسعار، ويقول باتريك «دعيني أعطيك مثالا على ذلك مبيعات مرسيدس و بي إم دبليو انخفضت في الإمارات .

حيث انخفضت مبيعات مرسيدس بنسبة 20% خلال الربع الأول من العام الحالي وكان انخفاض مبيعات مرسيدس في دبي أكبر مقارنة بأبوظبي» حيث يرى بأن المستهلك على استعداد لخفض إنفاقه في ظل تداعيات الأزمة الراهنة أما قمة الهرم فتتمثل في الطائرات الخاصة واليخوت الفخمة والذهب والمجوهرات الثمينة والماركات والكماليات الباهظة جدا والتي قد يتردد المستهلك في شرائها أو التوجه للإنفاق الكبير من أجل شرائها خاصة في ظل نقص السيولة التي خلفتها الأزمة العالمية في دول العالم.

ويرى باتريك بأن الذهب والمجوهرات الثمينة إضافة إلى السلع والمنتجات والذي قرار شرائها عادة ما يكون متروكا لتقدير المرء كانت الأكثر تأثرا فيما يتعلق بتوجهات إنفاق المستهلكين مثل الأجهزة الإلكترونية والتي بالإمكان شراؤها .

ولكن في الوقت ذاته المستهلك غير مضطر لشرائها ويستعين باتريك ببعض الأرقام حيث يقول إنه خلال الربع الأول من العام الحالي هبطت مبيعات الذهب في منطقة الشرق الأوسط بنسبة 26% طبقا للتقرير الربع سنوي لمجلس الذهب العالمي وكذلك شهدت مبيعات المجوهرات في المنطقة هبوطا هي الأخرى بنسبة 26% في حين كان ارتفاع أسعار الذهب بسبب تداعيات الأزمة وحذر المستهلكين الشديد في الإنفاق في شراء الذهب والمجوهرات وراء هذا الهبوط.

ويؤكد باتريك على أهمية تحفيز المستهلكين على الإنفاق فهو على حد رأيه يوفر عائدات للمتاجر والشركات التي تبيع السلع والمنتجات لذلك يرى باترك أنه من الأهمية بمكان الأخذ في الحسبان كلفة السلعة أو المنتج وكذلك الهوامش وكذلك العنصر المالي الأساسي..الخ.

مؤشرات الإنفاق في الإمارات

قال باتريك إنه إذا قمنا بعملية حسابية قائمة على الدخل المنصرف سنجد أن متوسط إنفاق الفرد في الإمارات يقدر بـ 250 دولارا شهريا وبما أن دبي وأبوظبي يتركز فيهما أكثر من نصف عدد السكان في دولة الإمارات فهذا الرقم قياسا على المستهلكين في هاتين الإمارتين وقد يكون هناك اختلاف طفيف بين دبي وأبوظبي ولكن هذا هو المتوسط تقريبا طبقا لإحصائيات 2008،.

وفيما يتعلق باتجاهات الإنفاق فأعتقد أنه خلال الربع الأخير من هذا العام سنشهد تحسنا ملحوظا في حجم الإنفاق الاستهلاكي مقارنة بالربع الأخير من العام الماضي والذي بدأ خلاله المستهلك بإدراك حجم الضربة التي وجهتها الأزمة المالية الراهنة.

ويجب الوضع في الحسبان القدرة على الإدراك ففيما يتعلق ببيع التجزئة هناك ما يعرف بحالة المستهلك وقدرة المستهلك على الإدراك وبشكل مبسط عندما لا يكون الفرد لديه وظيفة سيمتنع عن الإنفاق ولكن عندما يكون لفرد آخر وظيفة ولكنه معرض لفقدانها في وقت قريب جدا فهو أيضاً لن يتجه للإنفاق.

وفيما يتعلق بالإمارات إذا ما فقد الفرد وظيفته فعليه المغادرة وهذا نفسيا يجعل هذا الفرد لا يقدم على الإنفاق في محاولة لادخار ما لديه من أموال ولكن بالنسبة لهؤلاء ممن مازالوا يحتفظون بوظائفهم وهم يدركون أن هناك تباطؤا اقتصاديا وفي ظل رؤية شواهد ثابتة على أرض الواقع تتمثل في التطمينات التي قدمتها الحكومة الإماراتية والمتمثلة في ضخ السيولة وضمان الودائع في بنوك الدولة..الخ من القرارات التي اتخذتها الحكومة الإماراتية لطمأنة المستثمرين الأجانب .

وكذلك الأفراد في الدولة إلى جانب أن 50% من أصحاب الأعمال يتوقعون أن يتحسن أداء أعمالهم خلال الربع الثالث من هذا العام الحالي 2009 جميع تلك المؤشرات تعد دلالة على تحسن المظهر الخارجي لاقتصاد الدولة وهذا بالتأكيد سيكون له انعكاس إيجابي على إدراك هؤلاء المستهلكين ومن ثم ستعود مستويات إنفاقهم كما كانت عليها.

خطط التحفيز

يرى باتريك أن من السهل جدا تحفيز الإنفاق لدى المستهلكين وإعادة مستويات الإنفاق إلى ما كانت عليه قبل الأزمة وذلك من خلال تقديم خصومات كبيرة وتشجيع المستهلكين على الشراء من خلال العروض المغرية وقسائم الهدايا..الخ ويضيف قائلا ما سيشجع المستهلك على الإنفاق هو الإدراك الحسي لدى المستهلك بأن الأمور بدأت بالفعل تتحسن .

وسيكون كل شيء على ما يرام وعندما يشعر المستهلك بأن كل شيء سيكون على ما يرام سيعود إلى الإنفاق الكبير مرة أخرى وليس بالضرورة أن يأتي هذا التطمين من الإمارات فقد يأتي على سبيل المثال من أرقام من الولايات المتحدة تفيد بانخفاض أعداد العاطلين عن العمل أو من خلال ارتفاع أسعار النفط.

والذي نشهده حاليا مقارنة بانخفاضه الكبير الذي شهدناه مؤخرا أي إعطاء صورة مشرقة عن الاقتصاد بشكل عام وبأنه بالفعل بدأنا نشهد تحسنا ملحوظا وتخطينا أسوء ما في الأزمة في العالم. ويؤكد باتريك على أن إنفاق المستهلكين في منطقة الشرق الأوسط في توقيت الأزمة الراهنة مازال أفضل بكثير مقارنة بدول مثل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي.

أداء الأعمال والأزمة

وعن توجهات الأزمة الراهنة قال لوران باتريك بثقة كبيرة : « لقد تجاوزت الإمارات الأسوأ في هذه الأزمة وأضاف قائلا : كلامي ليس نابعا من شعور شخصي وإنما حقائق على أرض الواقع يشير وباعتراف أصحاب الأعمال في الدولة إلى ارتفاع أنشطة أعمالهم منذ بداية شهر مارس الماضي من هذا العام بعد أن شهدت أعمالهم بطئا ملحوظا خلال شهري فبراير ومارس الماضيين من هذا العام وتابع قائلا بشكل عام .

وفيما يتعلق بالأزمة المالية العالمية الراهنة هناك نقطتان مهمتان أولا إذا ما قلنا بأن الأزمة انتهت وافتقرنا للبيانات التي تؤكد على تلك الحقيقية فلن يقتنع أحد بهذا الكلام لذلك من الأفضل القول بأننا مازلنا في خضم الأزمة وهناك انكماش ومن ثم القول بأن الأزمة أصبحت وراءنا. والنقطة الثانية والمرتبطة بالنقطة الأولى .

وهي أن البيانات التي تخرج دائما ما تخرج متأخرة ودعيني أعطيك مثالا على ذلك فبعض الصحف نشرت مؤخرا المؤشرات الخاصة بثقة المستهلكين الخاصة بشهر مارس الماضي طبقا لتوقعات الربع الأخير من 2008 والآن سيقوم هؤلاء بنشر المؤشرات الخاصة بثقة المستهلكين خلال الربع الأول من العام.

وبالتالي ستكون صورة مؤشر الإنفاق الاستهلاكي ولا تعكس حقيقتها على أرض الواقع لذلك فإن بعض ما قد ينشر عن مؤشرات الثقة لا يعكس حقيقة الإنفاق الحقيقي الحاصل في الوقت الحالي ودعني أعطيك مثالا فمثلا في السوق الأميركية إذا ما تابعت مؤشر المبيعات للأجهزة الأوتوماتيكية فسترين أن هناك بيانات شهرية عن تلك المبيعات فمثلا المؤشر الذي سيصدر عن أول أسبوعين من يونيو سيختص بمؤشر مبيعات شهر مايو لذلك لا يتوجب على الفرد الانتظار شهرين أو ثلاثة للحصول على مؤشر مبيعات شهر مايو وهكذا، لذلك أنا أقول أنه من المهم جدا تقديم مؤشرات مكتملة تعكس الواقع الحقيقي في كل قطاع.

فقدان الأمن الوظيفي يعزز ثقافة الادخار

قالت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية إن الأزمة المالية والتراجع الاقتصادي الذي تشهده الولايات المتحدة والعالم دفع بالأميركيين إلى العودة إلى ثقافة الادخار، وقال عدد من الاقتصاديين إن عادة الادخار لدى فئات المجتمع ستستمر إلى أن ينتعش الحال الاقتصادي مجددا. وأوضحت الصحيفة أن ذلك التغير الذي طرأ على نمط معيشة الأميركيين قد يعتبر تغيرا حميدا يفيد تلك الطبقة من المستهلكين التي اعتادت أن تنفق أكثر مما تنتج أو تكتسب.

واستدركت نيويورك تايمز بالقول إن المشكلة تكمن في اعتماد الشركات الأميركية على الإنفاق الاستهلاكي، وإن أي تراجع في معدل الإنفاق سينعكس سلبا ويؤدي إلى تقلبات اقتصادية غير متوقعة وأضافت أن ظاهرة الخوف من فقدان فرص العمل وعوامل القلق بشأن السكن وغيرها حدت بفئات من المجتمع لادخار القرش الأبيض إلى اليوم الأسود، بحيث ارتفع معدل الادخار في العام الماضي إلى 4% من الصفر.

وأشارت إلى أن عادة الادخار المتزايد تتجدد مع كل انكماش اقتصادي تشهده البلاد، مضيفة أن الجميع عادة ما يعودوا إلى الإنفاق ويتوقفوا عن الادخار حالما يتعافى الاقتصاد وينتعش.ويتراوح معدل الادخار بين 14% إلى سالب 7, 2% على مدار الثلاثين سنة الماضية، مما يشير إلى أن الأميركيين ينفقون أحيانا أكثر مما يملكون.

وقال خبراء إن الزيادة المستمرة في معدل الادخار من شأنها أن تؤثر سلبا على بنية الاقتصاد الأميركي في ظل تشكيل الإنفاق الاستهلاكي ما نسبته 70% من الناتج الإجمالي المحلي. وأضافوا أنه إذا ما أضيفت آثار التقشف الحكومي وتراجع الطلب على البضائع والخدمات فإن النتائج ستكون وخيمة في البلاد والخارج، حيث تعتمد اقتصاديات نامية كثيرة على الإنفاقات الأميركية الكبيرة.

كفاية أولير

kifaya@albayan.ae