خفف سيدات من شكواهن بشأن مدى انفتاح صناعة النفط والغاز أمامهن، ورغم اتفاق بعضهن على هيمنة الرجل على صناعة النفط والغاز، وتوصيف بعضهن هذا القطاع بأنه أشبه ما يكون بعالم قاصر على الرجال، إلا أنهن اتفقن على أن هناك تطورا ضخما على صعيد استقطاب هذه الصناعة لأعداد متزايدة من النساء.

ولكن طالب بعضهن بأن تتفهم الشركات احتياجات النساء الخاصة، بأن تراعي اتباع قدر من المرونة في ساعات وبيئة العمل، بيد أنهن رفضن الفكرة القائلة بأنه ربما تكون النساء الأكثر فقدانا للوظائف في قطاع الطاقة نتيجة لتشدد ميزانيات الشركات، بل ذهبن إلى حد ترسخ الاعتقاد لديهن بأن المستقبل يحمل الكثير من الآفاق الواعدة والمبشرة على صعيد زيادة حصة النساء ضمن كوادر العاملين في مجال الطاقة.

وقد نزعت سيدات الكمامة عن أفواههن، خلال انعقاد جلسات الدورة الخامسة للمؤتمر العالمي للقيادات النسائية في مجال الطاقة والتكنولوجيا الذي اختتم أعماله مؤخرا بدبي، وهي المرة الأولى التي يعقد فيها المؤتمر خارج الولايات المتحدة الأميركية.

وقد شهد المؤتمر مشاركة 115 من القيادات النسائية في مجال الطاقة والتكنولوجيا، وتفاجأ الحاضرون بأن المشاركات في المؤتمر لم يطلقن شكاوى عن تعرضهن لأشكال عدم المساواة والتمييز في الصناعة النفطية، حيث قدمن صورة مغايرة عن الانطباعات الراسخة في الأذهان عن وجود ممارسات داخل الشركات تحجم السيدات عن اقتحام مثل هذا المجال.

تغيير الأساليب

وربما يعود السبب إلى تغيير الشركات الرئيسية لأساليبها لتكون أكثر جاذبية للمرأة، فضلا عن قيام مؤسسات تعليمية في مجال صناعات الطاقة بإلقاء ثقلها في المياه الراكدة لفتح مجال العمال أمام السيدات، ومن بينها المعهد البترولي الإماراتي الذي فتح أبوابه لقبول الطالبات المواطنات.

وفي الماضي القريب، تعالت نبرة شكاوى بعض السيدات من تعرضهن لأشكال عدم المساواة والتمييز في الصناعة النفطية، وتلقفت هذه الشكاوى مواقع الإنترنت ووسائل الإعلام المكتوبة باللغة الإنجليزية، وبدأت في بث وجهات نظر هؤلاء السيدات حول أشكال التمييز التي واجهتهن لدى توظيفهن في صناعة الطاقة والنفط.

فمنذ عامين مضيا، فجرت شركة « بيت دوت كوم» «Bayt.com» ومقرها دبي قضية التمييز ضد المرأة في صناعات الطاقة، بإجرائها دراسة مسحية، تضمنت آراء تتهم قطاع النفط والغاز في الشرق الأوسط بأنه أكبر مميز ضد عمل المرأة، ووفقا لنتائج الدراسة، واجهت 75% من طلبات التقدم للوظائف، بصور التمييز وعدم المساواة، ولدى السؤال عن أكبر مميز على أساس النوع، اتهم 5,25% من أفراد العينة صناعة النفط بأنها أسوأ مميز على أساس النوع.

ورغم أن البعض قيم نتائج الدراسة بأنها أكدت الانطباعات الواقرة في أذهان الكثيرين بأن هناك تمييزاً في صناعة النفط الشرق أوسطية على أساس النوع، ألا أن بعض الآراء ترى أن مطالب المرأة هنا لا تتعلق بفتح هذه الصناعة لهن، فهي بالفعل تتيح للمرأة أن تعمل في المواقع الإدارية، ولكن مطالبهن تتعلق بفتح المجال لهن للعمل في مواقع عمليات الشركات وأن يكون الترقي على أساس الكفاءة وليس النوع.

ولكن يبدو أن الوضع قد تغير الآن بشكل جذري، وصارت النساء أكثر رضا بانفتاح مجال صناعة النفط والغاز أمامهن، ولكن مازلن يرين أن هناك شوطا كبيرا يجب قطعه نحو اتباع سياسات توظيف تنهض على الجدارة والكفاءة وليس النوع.

فلم يكن الطريق أمام هدى محمد الغصن المدير العام للتدريب وتطوير الكفاءات الوظيفية في شركة أرامكو السعودية في اقتحامها صناعة النفط والغاز ممهدا ومعبدا، بل كان ممتلئا بالكثير من العقبات أسوة بأقرانها من السيدات، حيث كان نفاذ النساء لهذا المجال خلال العقد الماضي محدودا، وكان من الصعب عليها كذلك أن تكون جزءا من قوة العمالة في هذه الصناعة، وهو أمر تعود أسبابه إلى محدودية نفاذ المرأة إلى التعليم الذي يؤهلها لدخول هذا المجال.

كما أن العائلات في منطقة الشرق الأوسط تنظر إلى مسؤولية المرأة بأنها تتعلق أساسا ببناء الأسرة، ورعاية الأطفال والزوج، ومن ثم، كانت ثقافة المشاركة في المسؤوليات غائبة عن البنيان الثقافي للمجتمعات في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي، وجدت المرأة صعوبات في الجمع بين تقلد الوظائف والنهوض بدورها كزوجة وأم.

حيث ربما تبدأ المرأة حياتها المهنية، ولكنها تتوقف عن مواصلة العمل بعد زواجها وإنجابها للأطفال، فضلا عن أن بعض السيدات يشعرن بالخجل لدى عملهن خارج منزلهن، أو في بيئات عمل مفتوحة، أو العمل في مناطق بعيدة عن منازلهن، وهو أمر لا ينسجم مع حقيقة أن صناعة النفط والغاز تتركز أساسا في المناطق النائية، كما أن الظروف المعيشية بحقول النفط تتميز بالصعوبة.

ولكن مثل هذه الظروف ؟ والكلام مازال على لسانها - قد تغيرت بشكل كبير، فعلى سبيل المثال، تقوم شركة أرامكو بانتقاء صغار السن من طلبة المدارس العليا، ثم تقوم بإرسالهم إلى الخارج ليتلقوا برامج تعليمية ودراسية في مجالات تنسجم مع احتياجات الشركة، كما صارت العائلات أكثر مساندة ودعما لإلحاق بناتهن للعمل في صناعة النفط والغاز، وبالتالي، تغيرت الأوضاع وإن كانت بوتيرة بطيئة.

وصارت هناك متطلبات للتوظيف ينبغي توافرها في المرشحين، وذلك بغض النظر عما إذا كانوا ذكورا أو إناثا، حيث تقوم الشركة بتوظيف الأوائل من خريجي الجامعات، ومن المتعين على المرشحين اجتياز اختبارات معينة، وبالتأكيد، ستكون الوظيفة من نصيب أفضل المرشحين، بغض النظر عما إذا كان المتقدم للوظيفة رجلا أو سيدة.

ومن وجهة نظرها، ليس المطلوب العمل على تسريع وتيرة التغيير، باعتبار أن كل مجتمع له متطلباته وظروفه، حيث يجب أن يأتي التغيير تعبيرا عن احتياجات حقيقية، ويسلك مسارا صحيحا، فليست هناك حاجة لاستنساخ تجارب الآخرين، فمن شأن ذلك أن يثير عداوة المجتمع، ويكون له مردود عكسي.

وترى هدى محمد الغصن أن شركات صناعة النفط والغاز ترتكب خطأ جسيما، إذا ما قامت بتسريح عامليها تحت وطأة الأزمة المالية العالمية، وذلك بغض النظر عن عامل النوع، فقد صار من المعلوم الآن دورات الطلب على النفط ودورات الأسعار، ففي الماضي، وعندما انهارت أسعار النفط، لجأت شركات النفط إلى تقليص كوادر العاملين لديها، بما في ذلك العاملين من الرجال والنساء على حد سواء، وهو ما قاد إلى ردود فعل سلبية، تمثلت في إقلاع صغار السن عن دراسة النفط والغاز، وبالتالي، عانت الصناعة من نقص في أعداد العاملين والمهندسين، ولكنها بدأت تنفق الكثير في تأهيل كوادر جديدة، ومن ثم، من غير المتوقع أن تقوم بتقليص أعداد العاملين لديها مجددا.

لا تسريح للعمالة

واستدركت قائلة أن شركة أرامكو السعودية لم تقم بتسريح أي شخص يعمل لديها، فهي على دراية بأنه عندما تستأنف دورة الطلب مسار الصعود مجددا، سيتزايد الطلب على الكوادر المهنية والفنية.

عملت هدى محمد الغصن في شركة أرامكو لمدة 28 عاما، والتحقت بالعمل هناك في عام 1981، وقد حالفها الحظ حينذاك، حيث لم يكن متاحا الكثير من الفرص أمام المرأة لكي تعمل إلا في مجالات محددة، وكانت شركة أرامكو أفضل الخيارات المتاحة، وكان قد برز الاتجاه نحو سعودة الوظائف.

وترى هدى محمد الغصن أن نسبة النساء العاملات في أرامكو ما زالت محدودة، وأن عملية الترقي تنطوي على صعوبات كثيرة بالنسبة للرجل والمرأة على حد سواء، حيث يكون المطلوب هو اختيار الأفضل، وبالتالي تكون المنافسة شديدة بين العاملين ذكورا وإناثا.

ومع ذلك تبدو الأشياء غير ساكنة، بل تتحرك، فالمعهد البترولي في أبوظبي والذي أسسته شركة أدنوك لتقديم التدريب للمهندسين الإمارتيين لكي يكونوا قادرين على تولي المسؤوليات في شركات النفط الوطنية، كان المعهد مخصصا للذكور فقط.

على الرغم من أن المعهد كان أبوابه مفتوحة للرجال فقط ولكن تم اتخاذ الخطوات للإقرار بان هناك حاجة ماسة للنساء لأن يلعبن دورا في هذه الصناعة المهمة، وبالتالي سمح المعهد بدخولهن. وهو ما يدل على اقتناع المعهد بأهمية إيصال النساء لوضع مساوٍ للرجال في الصناعة.

بيد أن غنيه سالم اليافعي قائد فريق زيادة استخراج النفط بشركة أدكوا تطالب النساء العاملات في هذه الصناعة ببذل جهد مضاعف على الجهد الذي يبذله الرجل حتى تكون المرأة نموذجا للتفاني في العمل، كما أنه من المتعين على المرأة أن تصقل مهاراتها بالتعليم المتواصل، والالتحاق بالدورات التدريبية.

وترى غنية اليافعي أن المشكلة تكمن في عدم معرفة المرأة بالكيفية التي بها يمكن أن تنفذ إلى صناعة النفط والغاز، حيث أن الرجال يهيمنون على هذه الصناعة، فهم متخذو القرارات، ولكن بدأت الصناعة في استقطاب أعداد متزايدة من النساء، وذلك بالرغم من الصعوبات التي تواجه المرأة فيما يتعلق بساعات ومواعيد العمل، وهو أمر يستدعي أن تتبنى الشركات سياسات توظيف مرنة تتناسب مع احتياجات وأدوار المرأة المتعددة.

وترصد غنية اليافعي أوجه تطوير مسألة توظيف المرأة في الشركات النفطية، فلم يكن مسموحا لها العمل في الحقول النفطية، ولكن تم إزالة هذا العائق، ودعت غنية الحكومة إلى أن تتواصل مع المرأة للتعرف على احتياجاتها الخاصة واهتماماتها لكي تجعل ظروف العمل أكثر مواتاة لها.

***************

الجدارة وليس النوع

دائما ما ينظر إلى صناعة النفط والغاز بأنها مجالا يهيمن عليه الرجال بدون منازع، وارتبطت مثل هذه النظرة بالتصورات الثقافية الشائعة عن التصنيف الوظيفي القائم على النوع والتي ترى أن مشقة هذا المجال يجعل دخول المرأة فيه مسألة غير مقبولة، وذلك من باب الإشفاق عليها.

وبالتالي، سادت النظرة القائلة بأن قدرات المرأة البيولوجية والطبيعية تجعلها غير مؤهلة لخوض مجال كهذا. ولكن جرى تشييد تلك النظرة الثقافية الشعبية بناء على تصورات لبيئة عمل غير موجودة في الواقع الحالي، حيث يختزن الإدراك الجماعي هنا صورا عن بيئة عمل في المنشآت النفطية قريبة الشبه بمعسكرات الجيش الواقعة في المناطق النائية.

كما تختزن صورا لطبيعة عمل في الآبار البترولية تصور الوضع على أنه قريب الشبه بمن يقومون بحفر الآبار بسواعدهم وأيديهم. تجاهلت تلك الصور الذهنية النمطية التطورات التكنولوجية التي شهدتها صناعة النفط والغاز، حيث صارت هذه الصناعة تعتمد بشكل أكبر على القدرات والمهارات الفنية في تشغيل الآلات والمعدات، بحيث فقد عامل النوع أهميته في التوظيف.

وبحكم أن إسهام التطورات التكنولوجية في تغيير بيئات العمل يكون دائما بوتيرة أسرع من إسهامها في تغيير الصور النمطية الثقافية، تنشأ الفجوة بين ما يدور في الواقع، وبين ما يدور في العقول من تصورات ومدركات، وربما بسبب هذه الفجوة، علت نبرة شكاوى بعض السيدات من تعرضهن لأشكال عدم المساواة والتمييز في الصناعة النفطية.

ولكنه يبدو أن الكثير من المياه قد جرت في هذا المجال، فمع الدعم الحكومي لتوظيف المرأة في مجال النفط والغاز، وفتح أمامهن مجال التعليم والتدريب والذي يؤهلهن لدخول مثل هذا المجال، ومع تطور الصناعة ذاتها بأن صارت تعتمد على العقول والمهارات، جرى نزع الاعتبارات المتعلقة بالجنس والنوع من معايير التوظيف والترقي في مثل هذه الصناعة، وصارت هذه المعايير ترتهن أساسا بالجدارة والكفاءة، وصارت القضية هنا لا تتعلق بنوع أو جنس من سيهيمن على الصناعة، ولكن تتعلق أولا وأخيرا بقدرة الصناعة على استقطاب أفضل الكفاءات والعقول.

دبي ـ مجدي عبيد

magdy@albayan.ae