أي مرض ليس له حدود جغرافية فقد ينشأ في مكان ويستوطن في الآخر ويمد له زيولاً في ثالث ولا تكاد توجد بقعة في العالم يمكن أن تعيش مكتفية بنفسها في معزل عن بقية العالم فتراث الإنسان مشترك وهمومه أيضاً كذلك.
من هذا المنطلق ينبثق اهتمام الطبيب بالصحة الدولية والاستفادة من التجارب البشرية في كل مكان وزمان، والصحة الدولية ليست علماً واحداً محدد الأطراف، وإنما هي مجموعة علوم ومعارف وخبرات يستقيها الدارس من تجارب الآخرين وتلك التجارب تشمل العلوم الطبية خاصة علم الوبائيات {epidemiologyz وعلوم الاجتماع والاقتصاد والسياسة والتاريخ والإدارة.
والخطوة الأولى في عملية التطوير الصحي لأي مجتمع هي معرفة الوضع الصحي له ثم مقارنتها بالأوضاع الصحية في مجتمعات أخرى وهناك عدة معايير للمقارنة أولها أن المقارنات تعقد بين المجتمعات وفقاً للموارد الصحية مثل معدل السكان إلى الطبيب الواحد ومعدل الأسرة لكل ألف من السكان ومتوسط الدخل القومي للفرد ومتوسط ما يصرف على الدواء.. الخ.
والموارد هي وسائل لتحقيق الأهداف الصحية فزيادة معدل الأطباء لكل 1000 من السكان يجب أن ينظر إليه كوسيلة لتحقيق مستوى أفضل أكثر من النظر إليه كهدف نسعى لتحقيقه ونقف عنده. وهناك العديد من المعايير التي يستدل بها على الوضع الصحي منها معدل الوفيات {mortality ratez ومن أهمها وفيات الأطفال الرضع .
كما ان معدلات الأمراض تعد هي الأخرى مؤشراً فإذا كانت نسبة الإصابة بمرض التدرن «السل» مرتفعة في مجتمع عن آخر دفعنا هذا لمعرفة الأسباب ووضع الحلول، كما ان المقارنة قد تكون بين زمانين مختلفين فملاحظة زيادة وانخفاض نسبة الإصابة بمرض ما خلال فترة زمنية معينة يعطينا إشارة لمعرفة الأسباب.
ولتسهيل عملية المقارنة بين الأمراض استحدث نظام دولي لتصنيف الأمراض «ة» اعتمدته منظمة الأمم المتحدة عام 1967، بالإضافة إلى مؤشرات أخرى منها معدلات الولادة، ونمو الأطفال، والرضاعة الطبيعية وكمية الكالوري في الغذاء.
وتأتي دراسة المشاريع الصحية علي رأس اهتمامات المسؤولين عن وضع الخطط والبرامج الصحية إذ لابد للمسؤول عن أي مشروع صحي سواء كان صاحب قرار أو مخططا أن يكون علي دراية بتجارب المجتمعات الأخرى في تخطيط وتنفيذ المشاريع الصحية المماثلة وعوامل النجاح والفشل حتى يمكن الاستفادة من تلك المعلومات والتجارب في إنجاح مشروعه.
ومثال آخر فالرعاية الصحية الأولية التي تبناها العالم كقاعدة أساسية للصحة ليست وليدة مؤتمر «الما اتا» وحده ولكنها نتاج تجارب عديدة انبثقت من دول مختلفة وعبر سنوات طويلة منها مشروع اذربيجان في إيران، ولويزا ـ بورتوريكو، نارنجوال .
بالإضافة إلى ذلك هناك عدة عوامل أخرى من بينها تدريب القوى البشرية والبحث العلمي حيث تمثل حلقة متصلة الأطراف كل مشروع منها يفيد ويستفيد من الآخر كما تمثل ميدانا خصبا للاستفادة من تجارب المجتمعات الأخرى، كما يعد التعاون الدولي ضرورة ملحة بين الدول خاصة بين الول الغنية والدول الفقيرة للتغلب على مشاكلها فالأمراض المتوطنة في الدول النامية لا تصدها الحدود الجغرافية عن الانتقال للدول الغنية وليس مرض الايدز عنا ببعيد.
إن مستقبل العالم يعتمد إلى حد بعيد على التعاون الدولي في ما يتعلق بمشاكل البيئة والمياه والتسلح النووي كل هذه الأمور لن يمكن حلها إلا من خلال التعاون واستفادة جميع الأطراف من تجارب الآخرين .
مدير إدارة الطب الوقائي ـ وزارة الصحة
