مع تخطي عدد الدول التي وجد بها مرض انفلونزا الخنازير حاجز الـ 33 دولة بحسب أرقام منظمة الصحة العالمية، وارتفاع عدد الإصابات إلى الآلاف.. قد يسأل البعض من الناس: هل سيكون هذا المرض بمثابة الوباء الأكبر الذي سيجتاح العالم، أم أنها نوبة ذعر عالمية وسرعان ما ستنتهيــ وهل هذا الوباء فقط سبب حالة الخوف والذعر التي تجتاح العالم أم أن هناك أسبابًا مجهولةــ .

يعرف الخبراء والمختصون رسميًا المرض الذي حاز على انتباه العالم بانفلونزا H1N1 وهي التسمية الرسمية لانفلونزا الخنازير، بينما لا تزال طبيعة هذا المرض وقوته محل بحث كثير من العلماء، لكن كما هو الحاصل مع جميع فيروسات الانفلونزا التي تتغير بصورة مستمرة، فإن انفلونزا H1N1 لا تعد تهديدًا للصحة العامة، لأنه تهديد متغير؛ فضلا عن أنه حتى الآن لم تظهر قدرة الفيروس على التسبب في الموت.

علماء الأوبئة بدورهم أكدوا أن القدرة على نقل العدوى فيما يتعلق بانفلونزا H1N1 ليست أكبر من تلك المرتبطة بالانفلونزا الموسمية والتي تنتشر كل عام.. فالتحليلات الجينية المبدئية لم تضع نهاية لأي من العلامات التي ربطها العلماء بقوة فيروس الانفلونزا الأسبانية 1918، فالوباء الذي حدث في عامي 1918 و1919 كان له أثر في الحالة الطارئة الصحية في الوقت الحالي، وأدى ذلك الفيروس الذي انتشر في العالم في النهاية إلى إصابة عدد كبير من البشر إضافة إلى مقتل 50 مليون شخص.

أما المواطنون فمازالوا يسيئون فهم كلمة «وباء»، فاللفظة هنا تشير إلى المكان الذي ينتشر فيه مرض ما، وليس إلى درجة خطورته؛ فإذا نظرنا إلى معدل الوفيات بين الحالات المصابة بانفلونزا الخنازير بالنسبة للشريحة الصغيرة من المصابين الذين يموتون مقارنة بالعام 1918 نجد النسبة تصل من 2 إلى 5,2%، وهذا بالنسبة للولايات المتحدة في المجمل، ولكن بالنسبة للمعسكرات العسكرية وعلى سفن القوات كان المعدل من7 إلى 15%.

أما إذا نظرنا لوباء الأنفلونزا خلال القرن العشرين فنجد أن المعدلات كانت أحسن حالاً بدرجة كبيرة حيث كان معدل الوفاة خلال الانفلونزا الآسيوية العام1957- 1958 من 2,0%- 5,0%، وكان المعدل خلال انفلونزا هونج كونج العام 1968-1969 أقل حيث بلغ 1,0%، وهذا المعدل يقترب من معدلات نقل العدوى خلال الأنفلونزا الموسمية.

وعلى حد تعبير العلماء فإن معدل الوفاة بين الحالات المصابة بانفلونزا الخنازير سيكون أمرًا يمكن التأكد منه عندما يكون علماء الأوبئة قادرين على تتبع سلوكه منذ اللحظة التي يصل فيها إلى مجتمع سكاني ما؛ وتعد هذه المهمة صعبة تحت أفضل الظروف.

ويقول العلماء إن الفيروس (A) الذي يعد نوعًا من أنواع الأنفلونزا الثلاثية المعروفة ب(A.B.C) يعد الأكثر خطورة لأنه يصيب الإنسان وكذلك الطيور البرية والدواجن والخنازير والخيول والحيتان، ويسهل انتشاره في أي مكان، وثانيًا لأن هذا الفيروس له قدرة على التحور بما يصعب مقاومته وملاحقته بالمضادات، بل يصعب اكتشافه في مراحل المرض الأولى، بينما فيروسا (A.C) يصيبان الإنسان فقط.

يحذر أطباء المناعة من خطورة فيروس (A) فقد أثبت قدرته في القضاء على الملايين من البشر في وباء شامل، مما يستوجب اتخاذ إجراءات واسعة مثل الأقنعة لمنع انتشار الوباء بين السكان؛ حيث ينتشر هذا الوباء عن طريق التنفس، وترجع خطورة الفيروس (A) إلى تركيبه الوراثي غير المستقر نسبيًا، القادر على إحداث وباء نتيجة قدرته الفائقة على التحور الجيني.

وقد أصدر المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بالعاصمة المصرية القاهرة بيانًا مؤخرًا في هذا الشأن أكد فيه أن المنظمة تعمل بشكل كبير على زيادة الوعي لدى الناس بكيفية انتشار الفيروس وأنماطه الإكلينيكية وكيفية تأثير الفيروس في البشر.

أشار البيان إلى أن الفيروس الجديد المسبب لأنفلونزا الخنازير يستجيب لعلاج (التامفلو) المضاد للفيروسات، وأكد بيان المنظمة على عدم وجود لقاح حتى الآن مضاد لأنفلونزا الخنازير الذي سبب المرض لدى البشر، فليس من المعروف ما إذا كانت لقاحات الانفلونزا الموسمية لدى البشر تقدم أي حماية من انفلونزا الخنازير أم لا، لأن الأخيرة تتغير بسرعة هائلة، ومن الأهمية تطوير وتصنيع لقاحات مضادة لذرية الفيروس الجديدة للحصول على الحماية القصوى للأشخاص الذين يتم تطعيمهم لتعزيز نظم الترصد.

الانفلونزا الموسمية

وبسؤالنا الدكتور حسين الجزائري ـ المدير الإقليمي لمنظمة الصحة لإقليم شرق المتوسط عن طرق الوقاية والاستعدادات لمواجهة أي مخاطر قد تتعرض لها بلدان الشرق الأوسط، أجابنا بأن المركز الاستراتيجي للعمليات الصحية في المكتب الإقليمي بالقاهرة قام بتنبيه وزارات الصحة في الإقليم إلى خطورة الوضع الراهن من جراء تفشي وباء انفلونزا الخنازير في بعض الدول البعيدة عن منطقتنا، مشيرًا إلى أن المكتب دعا وزراء الصحة العرب للتعاون الوثيق لتعزيز نظم الترصد ولتحديث الخطط الوطنية في التأهب في حالة حدوث أي جائحة..

لافتًا إلى أن مرض انفلونزا الخنازير مرض حاد أعراضه الإكلينيكية شديدة تتشابه مع الانفلونزا الموسمية، غير أنه أكد إنه لم يثبت حتى الآن أنه ينتقل إلى البشر من خلال تناول لحم الخنازير المطبوخ، أو تناول منتجات أخرى مشتقة من الخنازير؛ فهذا الفيروس يموت عند 70درجة مئوية، وهي نفس الإجراءات التي تتوافق مع الإرشادات العامة لتحضير لحم الخنازير أو أي لحوم أخرى من الحيوانات عند طهيها في درجة حرارة لا تقل عن 70 درجة مئوية..

وتابع: انفلونزا الخنازير مرض يأتي عن طريق التنفس، وينتشر من خلال الرزاز، وبالتماس المباشر وغير المباشر، وأيضًا عبر الخنازير التي تحمل المرض دون أن تظهر عليها أي أعراض، ومن هنا تزداد معدلات الإصابة بها في فصل الخريف والشتاء، خاصة في المناطق المعتدلة.. مشيرًا إلى أن عقار التامفلو يعد علاجًا للفيروس حيث يبطئ من عمله.

ويطالب الدكتور الجزائري جميع الدول بضرورة التعامل بشفافية مع قضية انفلونزا الخنازير حتى يمكن الرصد الوبائي لها، وتبادل المعلومات بصورة أمينة، وليس فقط المعلومات بل تبادل العينات أيضًا حتى يمكن التعرف إلى الفيروس ومدى نشاطه وانتشاره، موضحا أن المطلوب هو الوعي وليس الذعر الذي نشاهده الآن فيجب أن يقوم الكل بواجبه ودوره لضمان الوقاية من هذا المرض والوباء.

خليط الطيور والخنازير والإنسان

من جهته يشير هاني عزيزي ـ المستشار الإقليمي بمنظمة الصحة العالمية لشؤون الأمراض الجديدة والمستجدة إلى أنه ليس من الضرورة انتشار انفلونزا الخنازير بنفس الدول التي ظهرت بها انفلونزا الطيور؛ فبريطانيا وكندا مثلاً لم يكن بهما انفلونزا الطيور، وظهرت بهما انفلونزا الخنازير، وبالتالي ظهور أنفلونزا الخنازير لن يؤثر في الاهتمام بانفلونزا الطيور، لافتًا إلى أن ذلك يساعد على الاهتمام بها أكثر، وبسرعة التعامل مع النوع الجديد، وذلك لما لنا من خبرة في مجال الوقاية ومكافحة الفيروس القديم وانفلونزا الطيور، ويحذر حلاش من أن هذا النوع جديد، ويمكن أن يتطور بشكل أكبر، لأنه أصبح خليطًا بين انفلونزا الطيور وانفلونزا الخنازير والإنسان أيضًا.

قواعد النظافة

أما الدكتور حسن البشري خبير مكافحة الأمراض المستجدة والأوبئة فيؤكد أن هذه سلالة جديدة من فيروس HINI، ومن هنا فالإنسان لديه قابلية أعلى للإصابة بهذه السلالة الجديدة، مشيرًا إلى ضرورة اتباع قواعد النظافة الشخصية مثل غسيل الأيدي جيدًا، أو المباعدة الاجتماعية، ومنع الازدحام، وعدم استعمال أدوات الآخرين.. فكل ذلك من أجل التقليص من حدة انتشار هذا الوباء الناتج عن أنفلونزا الخنازير.

سلالة جديدة

يرى الدكتور مصطفى أورخان ـ المدير السابق للمركز الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بالقاهرة أن خطورة الخنزير تكمن في أنه وعاء لجميع سلالات الأنفلونزا سواء التي تصيب الإنسان أم الطيور، بالإضافة إلى السلالة التي تصيبه وهي HINI، وبالتالي يمكنه إفراز سلالة جديدة متحورة جينيًا تصيب الإنسان، وهذا ما حدث في أنفلونزا الخنازير، فمن الطبيعي أن يكون قد نقلها الإنسان إلى الخنزير مثلما أذيع في كندا، وقام الخنزير بدوره بعمل سلالة جديدة من HINI، ولكن بصفات جينية مختلفة تمامًا عن تلك التي تلقاها أصلاً من الإنسان. وهذا يفسر حالة الهلع من تزايد معدل الإصابات بين البشر بهذه السلالة المتحورة جينيًا من الخنازير، لأن جسم الإنسان ليس لديه أي تاريخ مناعي ضدها.

وأشار إلى أن خطورة الخنازير على الإنسان أشد لأنها تتشابه جينيًا معه إذا أن مستقبلات الفيروسات على الخلايا الموجودة في جسم الخنزير تتشابه مع مستقبلات الفيروسات على خلايا الإنسان، كما أن الخنزير حيوان ثديي كالإنسان، ومن هذا تتجلى حكمة الخالق سبحانه وتعالى في تحريم أكل الخنزير.

يضيف أن درجة حرارة الجو عندما تزيد على 38 درجة تقتل أو تضعف الفيروس حين يتناثر في الجو المفتوح.

وعندما تصل الحرارة إلى 40 درجة يخرج الفيروس في الرزاز فاصلاً تمامًا أو غير نشط، ولذلك نلاحظ في أوروبا أن فيروسات تنشط سريعًا، وذلك لانخفاض درجة الحرارة، أما في البلدان الحارة فإن أشعة الشمس تقتل الفيروس حالة خروجه من فم المصاب.

نصائح منظمة الصحة العالمية للوقاية من العدوى بانفلونزا الخنازير:

ــ تجنب الاختلاط اللصيق بمن تظهر عليه علامات وعكة صحية وحرارة وسعال.

ــ غسل اليدين بالماء والصابون مرارًا وبعناية بالغة.

ــ الالتزام بالعادات الصحية الجيدة، وأهمها تناول طعام غني بالمغذيات، والنوم لساعات كافية ومواصلة النشاط البدني والاهتمام بالنظافة الشخصية.

أما بالنسبة لمن يعاني من وعكة صحية أو يشكو من السعال أو آلام لحلق أو ارتفاع في الحرارة فإن المنظمة توصي بما يلي:

ــ الذهاب للطبيب فورًا.

ــ البقاء في المنزل والابتعاد عن الأماكن المزدحمة والانقطاع عن الذهاب للعمل أو للمدرسة.

ــ الخلود للراحة وتناول كميات كبيرة من السوائل.

ــ تغطية الفم والأنف بالمناديل الورقية عند السعال والعطس ثم التخلص من المناديل بالطريقة المناسبة.

ــ غسل اليدين بالماء والصابون بعناية، ولاسيما بعد السعال والعطس.

ــ إعلام المرضى لعائلاتهم وأصدقائهم بمرضهم وتجنب مخالطة الآخرين عن قرب.