قال راشد البلوشي نائب الرئيس التنفيذي لسوق أبوظبي للأوراق المالية إن سوق أبوظبي للأوراق المالية يعتبر من أكثر المتحمسين لفكرة الدمج بين شركات الوساطة لما لهذا الأمر من أثر إيجابي على السوق في وجود شركات وساطة متميزة قادرة على تقديم خدمات أكثر لمستثمريها.
وأكد البلوشي أن من شأن الدمج تقوية المركز المالي للشركات ذات الملاءة المالية المنخفضة من خلال اندماجها مع شركات ذات ملاءة مالية وأصول أكبر، مشيرا إلى أن السوق قام بعقد اجتماعات مع بعض شركات الوساطة العاملة لديه وحثها على الاندماج في ما بينها، وبيّن لهم المزايا والفوائد التي ستعود عليهم جراء عملية الاندماج.
وقال البلوشي انه وفي حال عدم الوصول إلى نتائج مرضية في هذا الإطار سيقوم السوق وبالتنسيق مع هيئة الأوراق المالية والسلع بمراجعة شروط ترخيص شركات الوساطة بما يكفل إيجاد شركات وساطة ذات ملاءة مالية كبيرة وأصول مالية قادرة على مواكبة التطورات الاقتصادية وخدمة المستثمرين بشكل أفضل.
وبشأن الإجراءات التي يتخذها السوق لضمان حقوق المستثمرين في شركات الوساطة التي تعاني من أوضاع مالية متعثِّرة حاليا أكد البلوشي ان الدور الذي يقوم به السوق في هذا الإطار دور وقائي أكثر منه علاجي يتمثّل في التنظيم والرقابة، علماً بأن مسؤولية حماية المستثمرين في السوق هي مسؤولية مشتركة بين هيئة الأوراق المالية والسلع وبين الأسواق المالية ،حيث يقوم كل من السوق والهيئة بالرقابة على أعمال شركات الوساطة والتأكد من قيامها بأعمالها بما يضمن حماية حقوق مستثمريها ويحفظ حقوقهم.
وقال إن مراقبة الوضع المالي لشركات الوساطة يتم من خلال الإفصاح الربعي والسنوي عن البيانات المالية أو من خلال التفتيش الدوري وغير الدوري عليها، وفي حال اكتشاف أي بوادر لأي تعثّر مالي لدى أي من هذه الشركات يتم اتخاذ الإجراءات اللازمة للحيلولة دون ضياع حقوق المستثمرين سواء بإيقاف الشركة عن العمل أو طلب اتخاذ إجراءات تزيد من الملاءة المالية لهذه الشركات ومنع تعثّرها.
امثلة واضحة
وأوضح انه من الأمثلة على حماية حقوق المستثمرين إصدار تعليمات فصل الحسابات التي تمنع شركات الوساطة من دمج حسابات المستثمرين مع حساباتها الخاصة لإبقائها في مأمن من أي خطر مالي قد تتعرض له شركة الوساطة. وكشف البلوشي عن انه ومن الخطوات المهمة التي اتخذها السوق في هذا الشأن هي اقتراح وضع معايير الملاءة المالية لشركات الوساطة وإنشاء صندوق لحماية المستثمرين، حيث قام السوق بإعداد مشاريع أنظمة لهذه الأمور ورفعها إلى هيئة الأوراق المالية والسلع صاحبة الاختصاص في إقرارها، حيث يجري التنسيق مع الهيئة لإصدارها في أسرع وقت ممكن.
وكرر التأكيد على أن السوق يقوم بإلزام شركات الوساطة بالإفصاح عن بياناتها المالية الربعية والسنوية خلال فترات محددة، حيث يتم مراجعة هذه البيانات للتأكد من سلامة وضعها المالي وقدرتها على مواصلة العمل بكفاءة وفعالية.
وبالإضافة إلى هذا الإفصاح الدوري، فإن السوق يُلْزِم هذه الشركات بالإفصاح عن أي أمر جوهري يحدث في هذه الشركات قد يؤثّر على وضعها المالي، حيث يقوم السوق باتخاذ كل الإجراءات الكفيلة بحماية حقوق المستثمرين في حال تعرّض إحدى هذه الشركات لأي خطر مالي.
الاندماج قرار اداري
من جانبه يرى حسن السركال نائب رئيس أول، المدير التنفيذي للعمليات، دائرة العمليات في سوق دبي المالي أن مسألة الاندماجات بين مكاتب الوساطة تعد قرارات تجارية بحتة، وهي متروكة لأصحاب تلك المكاتب وفقا لرؤيتهم وقناعتهم الخاصة. ولا يتدخل السوق مطلقا في مثل هذه الأمور، وبمقدور أي مكتب وساطة مواصلة عمله كالمعتاد طالما أن ذلك المكتب ملتزم بمتطلبات الترخيص.
وقال إن سوق دبي المالي يحرص بشكل عام، على اتخاذ كافة التدابير والإجراءات التي تضمن حقوق المستثمرين المتعاملين مع مكاتب الوساطة المعتمدة والعاملة في السوق، ويتجلى ذلك الحرص بداية من خلال التدقيق في عملية منح الترخيص من الأساس، حيث يتعين أن تحصل الجهة الراغبة في العمل من خلال السوق على ترخيص من هيئة الأوراق المالية والسلع لمزاولة مهنة الوساطة في دولة الإمارات العربية المتحدة.
كما يتعين ألا يقل رأسمال الشركة عن 30 مليون درهم، وأن تقدم كفالة مصرفية لصالح مقاصة السوق بمبلغ لا يقل عن 20 مليون درهم كحد أدنى، بحيث تكون صادرة عن أحد المصارف العاملة في الدولة وغير مشروطة وواجبة الدفع عند الطلب، ويزداد مقدار هذه الكفالة مع زيادة حجم أعمال الوسيط. ويمثل مبلغ الضمان المصرفي عنصر اطمئنان كبير بالنسبة للمستثمرين حيث يغطي هذا المبلغ الالتزامات المتوقعة بالنسبة للشركة كونه يتناسب طرديا مع حجم الأعمال.
كما أنه ووفقا لقرار مجلس إدارة هيئة الأوراق المالية رقم (1) لسنة 2000 في شأن النظام الخاص بالوسطاء «يجوز، بموافقة السوق المعني، أن يرهن الوسيط كل أو بعض الأوراق المالية المستثمرة في المحافظ المملوكة له والمودعة لدى المقاصة كضمان لزيادة مبلغ الكفالة المصرفية الخاصة به وتفويض السوق ببيع تلك الأوراق أو جزء منها بالسعر الجاري لتغطية أية مطالب مالية قد تنتج عن عجز الوسيط عن الوفاء بالتزاماته تجاه السوق أو المستثمرين».
ومن ثم فإن هناك العديد من الضمانات التي تضمن حقوق المتعاملين مع الوسطاء، أضف إلى ذلك أن المتابعة الدائمة للوسطاء تضمن عدم تجديد الترخيص للمكتب الذي قد لا تنطبق عليه شروط الترخيص في أي مرحلة.
وشدد السركال على أن هناك متابعة دائمة لمكاتب الوساطة من خلال فريق عمل متخصص في السوق، حيث تقوم الإدارات المختصة (المقاصة والرقابة) في سوق دبي المالي بمتابعة إجراءات ترخيص الوسطاء وتسوياتهم المالية. مع العلم بوجود لجان تختص بالمتابعة المستمرة للوضع المالي لشركات الوساطة بين السوق والهيئة لضمان حقوق المستثمرين.كما تقوم هيئة الأوراق المالية بالتفتيش على الوسطاء ومتابعة أعمالهم بما يضمن الالتزام الدائم بشروط ومتطلبات الترخيص والعمل في السوق.
ومن وجهة نظر محسن الخطيب المحلل المالي فإن الحديث عن الصعوبات التي تواجه مكاتب الوساطة يستوجب العودة أولا إلى المرحلة الماضية وتحديدا عامي 2004-2005 - حيث كانت أسواق الإمارات في أوج زخمها وقوتها وقيم التداولات التاريخية والضخمة في ظل عدد شركات الوساطة الذي لم يتجاوز عددها العشرين، الأمر الذي جعل العمل والاستثمار في مجال وساطة الأوراق المالية فرصة جاذبة خاصة في ظل تشريعات تيسر الدخول في هذا المجال ما دفع بعدد شركات الوساطة ليتجاوز المائة شركة مع نهاية عام 2005 مدعومة بزيادة أحجام التداول ونشاط استثماري محلي وأجنبي كبير وقد استطاع السوق أن يستوعب هذه الزيادة الكبيرة في عدد شركات الوساطة.
وقال انه وفي ظل منافسة شديدة ووجود شركات وساطة كبيرة تسيطر على نسبة مهمة من السوق بدأت بعض الشركات بإغراء المستثمرين من خلال منحهم بتسهيلات كبيرة للشراء على المكشوف بلغت في بعض الأحيان أكثر من 500% من المبلغ النقدي المستثمر، وأمام هذا الوضع من التوسع العشوائي في منح تسهيلات الشراء على المكشوف من دون إدارة للمخاطر ومع الانخفاضات التي تعرض لها السوق في النصف الثاني من عام 2008 اثر تداعيات الأزمة المالية العالمية .
وما رافقها من ضعف شديد في التداولات وضعت شركات الوساطة بين مطرقة ضعف التداولات وما يرافقها من ضعف العوائد وبالتالي تراكمت الأعباء عليها والتي تضاعفت مع الانخفاضات المتتالية للأسعار وما تسبب ذلك في خسائر كبيرة في الحسابات المكشوفة ولم تعد قيمة الأسهم تغطي المبلغ المكشوف.
مشيرا إلى انه وأمام هذه الدوامة الكبيرة من الأعباء والضغوط على شركات الوساطة والتي أصبحت ككرة الثلج لم يعد أمام هذه الشركات إلا اتخاذ قرارات مؤلمة، أبرزها محاولة إجبار المتعاملين على البيع والتسييل الأمر الذي أوجد بعض المشاكل مع المتعاملين، أما على الصعيد الداخلي للشركات فقد أدى ذلك إلى ضغط نفقاتها بشكل كبير بدءا من تخفيض عدد الموظفين وتخفيض الرواتب وإغلاق بعض الفروع والمكاتب.
سبب المعاناة
وأوضح أن السبب الرئيسي لمعاناة شركات الوساطة هي ضعف العوائد المتأتية نتيجة تدهور تداولات ونشاط السوق إضافة إلى استمرار احتجاز جزء لا بأس به من قدرات الشركات المالية على شكل حسابات مكشوفة لا تغطي أسهمها قيمة المكشوف ولايطلق عليها ديون رديئة. وقال إن منح شركات الوساطة تسهيلات ائتمانية وبأسعار تشجيعية يساهم في دعمها وبالتالي قدرتها على الاستمرار .
كما أن تشجيع الشركات على معالجة موضوع الحسابات المكشوفة (الديون الرديئة ) أو الحسابات المعلقة بشكل شفاف وعملي ودون انحياز إلى إي طرف من أطراف هذه المشكلة يساعد في استعادة أموالها. ويرى الخطيب أن الظروف الراهنة تجبر العديد من شركات الوساطة الصغيرة أو تلك التي جاهدت لتجد لنفسها موطئ قدم في السوق ولم تفلح على اللجوء إلى الاندماجات بين الشركات المتعثرة أو استحواذ الشركات الكبيرة الناجحة على الصغيرة.
*******************
آن أوان الحل
أصبحت القضية المتعلقة بالأوضاع المالية لشركات الوساطة العاملة في أسواق الأسهم تستحوذ على الاهتمام في الآونة الأخيرة خاصة بعدما أظهرت البيانات المالية للربع الأول تكبد غالبية هذه الشركات خسائر في أعمالها مما يستدعي مراقبة اكبر عليها لجهة ضمان حقوق المستثمرين أولا ومحاولة إعادة دراسة شاملة تتضمن آلية واضحة لمعالجة المشاكل التي تواجهها في الوقت الراهن.
وفي أعقاب ظهور المشاكل المالية التي بدأت تواجه عدد كبير من شركات الوساطة تولت الجهات الرسمية ممثلة بهيئة الأوراق المالية والسلع تشكيل لجنة تضم في عضويتها إدارات الأسواق وذلك حرصا منها على أن تكون الملاءة المالية لجميع هذه الشركات بالمستوى المطلوب والمتفق مع القوانين المعمول بها في تنظيم عمل شركات الوساطة وحماية حقوق المستثمرين.
وربما بات الحل الأكثر جدوى لمعالجة المشاكل المالية التي تعاني منها بعض شركات الوساطة من وجهة نظر العديد من المتابعين يتمثل في قيام الاندماجات بينها مما سيساهم في رفع قدرتها المالية والتنافسية وضمان استمرارها في عملها خلال المرحلة القادمة.
ولعل ما تظهره البيانات الرسمية من استحواذ شركات وساطة محددة على النصيب الأكبر من التداولات في السوقين يؤكد بما لا يدع مجالا للشك بان الاندماج هو الخيار الأمثل أمام هذه الشركات خاصة الصغيرة منها والتي أصبحت بالكاد قادرة على تغطية نفقاتها الإدارية ، هذا إن لم تكن قد تكبدت خسائر باتت تحول دون قدرتها حتى على دفع رواتب موظفيها.
ناصر عارف
