ارتفع سعر النفط إلى مستوى قياسي جديد في ستة أشهر فوق 65 دولارا للبرميل أمس الجمعة متقدما لتحقيق اكبر ارتفاع شهري بالنسبة المئوية في أكثر من عشر سنوات بعد أن أظهرت بيانات حكومية انخفاضا مفاجئا في مخزونات الخام الاميركي وقرار أوبك الابقاء على المستويات المستهدفة لانتاجها دون تغيير.

وارتفعت العقود الآجلة للنفط الخام الأميركي دولارا للبرميل تتجه صوب تحقيق أكبر مكاسبها الشهرية بالنسبة المئوية فيما يربو على عشر سنوات بعدما أشارت بيانات يابانية وأميركية الى تحسن اقتصادي محتمل. وارتفع سعر الخام الاميركي تسليم يوليو 97 سنتا الى 05 .66 دولارا للبرميل بعدما صعد في وقت سابق من المعاملات 02 .1 دولار مسجلا 10 .66 دولارا وهو أعلى مستوياته منذ الاسبوع الاول من نوفمبر الماضي. وقفزت أسعار النفط بنسبة 28 بالمئة هذا الشهر مدعومة بآمال في انتعاش الاقتصاد العالمي في وقت لاحق هذا العام وتوقعات بارتفاع الاسعار من جانب السعودية أكبر مصدر للنفط في العالم.

وقالت ادارة معلومات الطاقة الاميركية ان مخزونات النفط هبطت بمقدار 4ر5 ملايين برميل الي 1ر363 مليون برميل في الاسبوع المنتهي في الثاني والعشرين من مايو متجاوزة بشدة التوقعات التي كانت تشير الى انخفاض قدره 700 ألف برميل. وتراجعت مخزونات البنزين 600 ألف برميل الى 4ر203 مليون برميل في حين كانت التوقعات تشير الى انخفاض أكبر قدر 5ر1 مليون برميل. وأسهم قرار أوبك الابقاء على المستويات المستهدفة للانتاج دون تغيير في دعم السعر. وقال عبد الله البدري الامين العام لمنظمة البلدان المصدرة للبترول (اوبك) أمس الجمعة انه يتوقع ان تبلغ أسعار النفط ما بين 70 و75 دولارا للبرميل بحلول نهاية هذا العام. وتحدث البدري مع الصحفيين في فيينا بعد يوم من اعلان اوبك الابقاء على مستويات انتاجها المستهدفة دون تغيير وقال إن مستويات المخزونات ستكون مهمة لاي قرار من جانب أوبك برفع الانتاج.

تفاؤل

وقال وزراء من أوبك منهم على النعيمي وزير النفط السعودي هذا الاسبوع ان العالم مستعد لتحمل سعر للنفط بين 75 و80 دولارا للبرميل وانه قد يصل الى هذا المستوى قبل نهاية العام. واقترب سعر النفط اليوم الجمعة من 66 دولارا للبرميل.

وقال البدري لمجموعة من الصحفيين في مقر اوبك في فيينا انه اذا استمر الاتجاه الحالي للانتعاش فانه يتوقع وصول السعر الى مستوى بين 70 و75 دولارا للبرميل بحلول نهاية العام.

وأضاف ان الاسعار ترتفع لكن بالنظر الى اساسيات العرض والطلب فانه ليس هناك ما يدعم ذلك بدرجة كبيرة.

وتابع البدري انه من السابق لاوانه أن تدرس أوبك زيادة انتاجها فيما يرجع جزئيا الى ارتفاع مستويات المخزونات. وتبلغ المخزونات حاليا ما يعادل استهلاك أكثر من 62 يوما في الدول الصناعية.

وقال البدري ان تراجع المخزونات الى ما يغطي استهلاك 52 يوما قد يدفع أوبك لاتخاذ اجراء ايجابي حتى لا تعطل نمو الاقتصاد العالمي.

وأضاف انه لا يتوقع ان تنخفض المخزونات قبل نهاية هذا العام أو الربع الاول من عام 2010.

وقال رافايل راميريز وزير النفط الفنزويلي أمس أيضاً ان الطلب على النفط يتحسن بالتدريج وأسعار النفط سترتفع الى نحو 70 دولارا للبرميل بحلول نهاية هذا العام. وتحدث راميريز بعد يوم من قرار أوبك الابقاء على المستويات المستهدفة لانتاجها دون تغيير.

وقال راميريز وهو أحد المتشددين داخل المنظمة في الدفاع عن أسعار مرتفعة للنفط لرويترز بعد اجتماعه مع رئيس الوزراء الياباني تارو اسو في طوكيو نتوقع ان يصل السعر الى نحو 70 دولارا للبرميل بحلول نهاية هذا العام. وأضاف يبدو أن السوق تنتعش.

وأبقت أوبك أمس الخميس على المستويات المستهدفة لانتاجها دون تغيير وراهنت على الانتعاش الاقتصاد العالمي وتحسن الطلب لدفع اسعار النفط للارتفاع في خطوة يخشى اقتصاديون ان تكون تزيد من الضغوط على المستهلكين الذين يجاهدون للتكيف مع الكساد. وقال «أوبك مستعدة لتحقيق التوازن في السوق».وتسعى فنزويلا العضو في أوبك جاهدة للحصول على استثمارات من آسيا وتتطلع للصين واليابان كمصادر جديدة للتمويل لسد ثغرات الميزانية التي نتجت عن انخفاض أسعار النفط عن مستوياته القياسية في الصيف الماضي. والشهر الماضي اتفقت اليابان وفنزويلا على تعاون على نطاق واسع لتطوير مشروعات نفط وغاز.

ومن جهتها قالت وكالة انباء الطلبة الايرانية أمس الجمعة ان مندوب ايران الدائم لدى أوبك قال انه يشعر بالقلق من احتمال انخفاض أسعار النفط في الاجل الطويل بسبب زيادة العرض عن الطلب في السوق.

وتحدث محمد علي خطيبي بعد يوم واحد من قرار أوبك ترك مستويات انتاجها المستهدفة دون تغيير في اجتماعها في فيينا. وفي الاسابيع التي سبقت الاجتماع أوضح خطيبي وجهة نظره بأن المنظمة يجب ان تخفض انتاجها.

ونقلت الوكالة عنه أمس قوله «نحن نشعر بالقلق من أن الاسعار قد تنخفض بسبب فائض العرض عن الطلب». وقالت الوكالة انه كان يشير الى أجل طويل لكنها لم تحدده.

وقال محللون ان قرار اوبك يدل على تفاؤل الكارتل في انتعاش الطلب.

وفي مذكرة، لفت ديفيد كيرش المحلل لدى «بي اف سي اينرجي» الى ان اعضاء اوبك يعتقدون جميعا ان اسوأ ايام الازمة قد ولت، وان التحسن الاقتصادي بدأ. ويعتقدون ايضا ان بامكانهم التفكير في اسعار اكثر ارتفاعا للنفط من دون تهديد الاقتصاد.

لكنه قال «ان هذا التفاؤل ناجم في القسم الاكبر منه عن تجدد ارتفاع اسعار النفط الخام. ويعتقد الكارتل بوضوح ان هذه الزيادة ستكون دائمة على الرغم من العناصر الاساسية في السوق التي تبقى ضعيفة».

ووافق محللون في «جي بي سي اينرجي» على ذلك واضافوا «ان الوضع على المدى القصير لا يشجع كثيرا مع مستوى ضخم من المخزونات النفطية».

تحذير

وفي تقريرها الشهري عن مايو، حذرت وكالة الطاقة الدولية من جهة اخرى من ان الفضل في الزيادة الاخيرة في الاسعار لا يعود لتسحن الطلب على الطاقة، معتبرة ان ذلك «يبقى خارج التوقعات في الوقت الراهن».

من جهته، يعتقد جوليان جيسوب الاقتصادي في «كابيتال ايكونوميكس» ان «هناك خشية من ان يتبين لاحقا ان النهوض الاقتصادي والطلب على النفط الخام اكثر ضعفا مما تامل اوبك».

ويرى هذا المحلل ان الهدف الذي تعلنه منظمة اوبك في التوصل الى سعر 75 دولارا لبرميل النفط بما يسمح بمواصلة الاستثمارات في الاستكشاف والانتاج، ينبغي ان ينظر اليه على اساس نسبي هو الاخر.

وذكر بان «اوبك كانت تعتبر قبل ستة اعوام ان سعرا للبرميل بين 22 و28 دولارا امر يمكن الدفاع عنه اقتصاديا».

واثناء اجتماعها المقبل في التاسع من سبتمبر، ستتحقق اوبك من تاكيد السوق لتفاؤلها.

كما يهدد الارتفاع السريع في أسعار النفط باستنزاف القوة الشرائية للمستهلكين الاميركيين الذين لهم دور مهم في انهاء أطول فترة ركود اقتصادي منذ الكساد العظيم.

ويجسد جانب من هذا الامال بأن الاقتصاد العالمي يخرج من ركود عميق لكن قد يتعلق الامر أيضا بسعي المستثمرين الى التحوط من التضخم مع تراجع الدولار الامريكي وتزايد الانفاق الحكومي.

وفي حين أن النفط أبعد ما يكون عن ذروة 147 دولارا للبرميل التي سجلها العام الماضي الا أن صعود الاسعار يأتي في وقت حساس للاقتصاد الاميركي وقد يلحق ضررا.

فمعدل البطالة عند أعلى مستوياته منذ 1983 والاجور تنمو بأبطأ ايقاع على الاطلاق مما يتيح للمستهلكين هامشا هزيلا جدا لاستيعاب ارتفاع الاسعار. وقال جيمس هاملتون أستاذ الاقتصاد في جامعة كاليفورينا بمدينة ساندييجو« نعول على المستهلكين في الانفاق الذي سيعيدنا الى مسارنا». كان هاملتون درس دور طفرة سعر النفط العام الماضي في اشعال شرارة الركود الحالي.

وقال ان سعر النفط لم يرتفع بعد بالدرجة التي تسبب نفس مستوى الضرر الذي أحدثه العام الماضي عندما تجاوزت أسعار البنزين أربعة دولارات للجالون وعصفت بانفاق المستهلك لكن اذا استمرت زيادة الاسعار فانها «قد تؤخر بعض التعافي الذي نتطلع اليه». ومن شأن نوبة تضخم توقد شرارتها أسعار النفط أن تضع مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الاميركي) الاكثر اهتماما الان بانكماش الاسعار من التضخم في موقف حرج. فأقوى علاج لديه لمحاربة التضخم هو رفع أسعار الفائدة لكن هذا سيضع عبئا غير مرغوب على نمو الاقتصاد.

تحفظ

وقال ريكاردو باربيري مدير الاقتصاد الدولي لدى بنك أوف أمريكا للاوراق المالية-ميريل لينش ان زيادة تدريجية الى 80 دولارا للبرميل أو نحو ذلك لن تكفي للقضاء على أي تحسن اقتصادي في النصف الثاني من العام.

لكن من شأن زيادة أكثر حدة أن تعيد الى الاذهان ذكريات 2008 السيئة. واذا رأى المستهلكون أسعار البنزين ترتفع بسرعة فقد يكبحون الانفاق خوفا من تكرار العام الماضي.

وأقصر طريق يصل به تأثير ارتفاع سعر النفط الى المستهلكين هو أسعار البنزين التي عادة ما ترتفع نحو 4ر2 سنت للجالون عن كل زيادة بمقدار دولار واحد في سعر النفط.

وارتفع متوسط سعر جالون البنزين 18 في المئة على مدى الاسابيع الخمسة الاخيرة ليصل الى حوالي 44ر2 دولار وهو أعلى مستوى في سبعة أشهر. لكن سعر النفط الخام سجل ارتفاعا أشد بكثير مما ينبيء باستمرار ارتفاع أسعار البنزين في الاسابيع القادمة.

لكن لايزال هذا أقل بكثير من سعر البنزين قبل عام عندما اقترب من أربعة دولارات للجالون.

والفرق المهم هو أن الاوضاع المالية للمستهلكين أسوأ بكثير الان اذ فقد أكثر من خمسة ملايين وظيفة على مدى العام المنصرم وسجل مؤشر وزارة العمل لتكلفة العمالة - وهو مقياس عام للاجور - أصغر زيادة له على الاطلاق في الربع الاول من 2009.

ويبدو أن بعض العوامل التي ساهمت في ارتفاع أسعار النفط عام 2008 تنشط الان وهو ما قد يساعد على الاجابة عن سؤال لماذا يرتفع النفط بهذه الحدة قبل ظهور دلائل أكيدة على قرب انتهاء الركود العالمي.

فقد تراجع الدولار الامريكي نحو سبعة بالمئة مقابل سلة عملات منذ 21 ابريل.

وغالبا ما يدفع ضعف الدولار أسعار السلع الاولية للصعود نظرا لانها عادة ما تكون مسعرة بالدولار للتداول الدولي.

وثمة مؤشرات أيضا على أن مستثمرين مضاربين يعاودون ضخ المال في نطاق واسع من السلع الاولية وهو ما قد يظهر قلقا بشأن التضخم بعدما ضحت الحكومات والبنوك المركزية في أنحاء العالم تريليونات الدولارات في الاقتصاد لمحاولة كبح جماح الركود.

ومع تدفق كل تلك السيولة في وقت يشهد تراجع الدولار يبدي باربيري واقتصاديون اخرون مخاوف من أن وتيرة ارتفاع أسعار النفط ستكون أسرع مما تبرره العوامل الاساسية للاقتصاد.

وكتب باربيري في مذكرة الى عملاء هذا الاسبوع «نعتقد أن هناك مرحلة خطر محتملة قد تسجل أسعار النفط خلالها زيادات أكبر من اللازم مما يهدد تعافيا هشا في الاقتصادات المتقدمة».وأضاف أن مجلس الاحتياطي سيضطر على الارجح الى التسامح مع تضخم تغذيه أسعار النفط نظرا لعدم وجود مجال لرفع أسعار الفائدة بينما لايزال الاقتصاد ضعيفا.

ومما لا شك فيه أن جرعة تضخم معتدلة قد تكون شيئا مفيدا. وفي ظل الديون الضخمة التي تنوء بها الحكومة والافراد فان التضخم يجعل السداد أقل وطأة.

لكن هاملتون يقول ان تضخما تغذيه أسعار النفط سيجمع الاسوأ في كل من الوضعين اذ سيرفع أسعار السلع على المستهلكين والشركات بدون أي مساهمة في زيادة قيمة الاصول أو تخفيف أعباء الديون. وقال «التضخم الذي يأتي في شكل غير متوازن بارتفاع أسعار السلع وتراجع الاجور ليس شيئا سيحفز الاقتصاد».