الخفايا والأسرار التي تحيط بالاكتشافات العلمية.. ربما تكون أكثر منها إثارة وأهمية، خاصة إذا كانت تتعلق بوباء عالمي اسمه «انفلونزا الخنازير أو الطيور».. وفي هذا الحوار مع الدكتور محمد أحمد أستاذ الفيروسات بالمركز القومي للبحوث ورئيس الفريق البحثي الذي نجح في إنتاج أول لقاح لانفلونزا الطيور في المنطقة العربية، يكشف أسرار وخبايا هذا اللقاح الذي يتميز بفاعليته الشديدة عن اللقاحات المستوردة إلى جانب انخفاض سعره، لدرجة جعلت العديد من الشركات الأجنبية تعرض شراء حقوق الملكية الفكرية له.. التفاصيل العلمية لهذا اللقاح الجديد، وكيف تحقق ومتى يتم طرحه في الأسواق تضمها السطور القادمة.

يقول رئيس الفريق البحثي: قبل الحديث عن قصة اللقاح، أود أن أذكر أن مصر من أكثر دول المنطقة إصابة بانفلونزا الطيور، حيث ارتفع عدد الإصابات البشرية فيها كثيرًا وخاصة في الشهرين الماضيين وتسبب الفيروس ـ منذ حضوره إلى مصر في عام 2006 في وفاة أكثر من 25 شخصا.

أما عن اللقاح الجديد فلم يكن ظهوره مفاجأة لنا كعلماء في المركز، فقد توقعنا وصول مرض أنفلونزا الطيور إلى المنطقة منذ العام 2005، حيث كنا نرصد حركة انتشار الفيروس منذ ظهوره في آسيا وأوروبا.

وبالرجوع إلى الوراء سوف نتذكر فيروس(HINI) الأسباني وهو أحد أنواع فيروس أنفلونزا الطيور ولا يقل خطورة عن الفيروس الحالي (H1N5)، حيث تسبب الفيروس الأسباني في عام 1918 بوفاة خمسين مليون شخص، لذلك كان لابد أن ندرك منذ اللحظة الأولى خطورة (H1N5) وأن نسارع بإجراء بحوث للتوصل لحل لمثل هذا الوباء.

حدثنا عن المراحل البحثية التي قادتكم للتوصل إلى هذا اللقاح؟

مر اكتشاف اللقاح بأربع مراحل، قام بها فريق البحث العلمي التابع للمركز القومي للبحوث، وهذا الفريق مكون منى ومن د. محمد عبدالعزيز أستاذ أمراض الدواجن ود. محمود بهجت أستاذ مساعد المناعة بالإضافة إلى 5 شباب من الباحثين.. وكانت البداية هي عزل فيروس أنفلونزا الطيور من الدواجن المصابة به (دواجن بط ـ أوز ـ ديوك رومي) بهدف التعرف على الفيروس ودراسة خواصه الجينية والمناعية..

وبعد فصل الفيروس قمنا برصد التغيرات التي تأتي عليه فوجدنا به تغيرا طفيفا في جين الهيماجلوتنين، وهذا التغير أدى إلى تغير أعراض المرض في الدواجن بحيث امتدت الفترة ما بين الإصابة والنفوق إلى أكثر من أسبوع، وتعاملنا مع ذلك باستخدام تكنولوجيا الهندسة الوراثية العكسية حيث قمنا بتحويل الفيروس شديد الضراوة إلى فيروس ضعيف الضراوة. وأهمية ذلك أن ضعيف الضراوة لا يحدث المرض بل يحفز الجهاز المناعي للطيور لإنتاج أجسام مناعية مضادة.

بعد تحويل الفيروس إلى ضعيف الضراوة.. كيف تعاملتم معه؟

تم حقن الفيروس ضعيف الضراوة داخل البيض المخصب للدواجن عند درجة37 درجة مئوية، وبعد يومين تم نقل البيض إلى الثلاجات لمدة ساعتين ثم تم سحب السائل المحيط داخليا بالبيض والمحتوي على الفيروس ضعيف الضراوة ثم تم استخدام مادة الفورمالين في قتل الفيروس، ويؤخذ بعد ذلك الفيروس الميت بحيث يتم خلطه بإضافات معينة وبذلك يتم الوصول إلى الصورة النهائية للقاح أنفلونزا الطيور وهو على شكل سائل يشبه اللبن.

لكن لماذا لم يتم تصنيع اللقاح مباشرة من السلالة شديدة الضراوة؟

تصنيع اللقاح من السلالة شديدة الضراوة الموجودة بمصر إلى جانب الخطورة الناجمة عن عمليات التصنيع لن تحقق النتيجة المناسبة إذا ما حقن في المبيض المخصب، لذا كان لابد من أمرين الأول أن تزال منطقة من جين (الهيماجلوتنين) المسؤول عن شراسة الفيروس والثاني أن ينتقل جين (الهيماجلوتينن) المحور وجين (النيرو مينيديز) للسلالة المصرية إلى الفيروس قليل الضراوة، والذي يصنع منه لقاحات الأنفلونزا البشرية، حيث انه يعطي إنتاجا وفيرًا من الفيروس إذا ما حقن في البيض المخصب كما يعطي تركيزات عالية من الفيروس عند حقنها في مبيض الدجاج المخصب، وتعرف هذه التكنولوجيا بالوراثة العكسية وهي من التكنولوجيا المتقدمة لصناعة اللقاحات.

كيف تأكدتم من مدى فاعلية هذا الفيروس؟

أثبتت النتائج أن نسبة بروتين «الهيماجلوتنين» المسؤول عن احداث المناعة للطيور ضد الفيروس قد زادت نسبته بمقدار ثلاثة أضعاف عن نسبته الموجودة بأفضل اللقاحات المستوردة، من ناحية أخرى قمنا بتجربة اللقاح على أرض الواقع من خلال حقن الدواجن به ثم أخذنا عينات من دمها لقياس رد الفعل المناعي عن طريق قياس الأجسام المناعية المتخصصة، وقد تأكد فعلية اللقاح في أحداث مناعة عالية جدا ضد الفيروس وتحفيز الجهاز المناعي للدواجن على إنتاج أجسام مضادة مناعية تقي الدواجن من الإصابة بالمرض.

هل كان هناك تعاون بين الفريق البحثي وجهات علمية أخرى؟

نعم تم التعاون بين الفريق البحثي المصري مع فريق بحثي أميركي بمستشفى سان جود بالولايات المتحدة وذلك لتواجد أكبر معمل لأنفلونزا الطيور في العالم، وتمكنا من خلالهم الحصول على الفيروس قليل الضراوة في صورة بلازميدات وتم تحضير السلالة الجديدة في مصر باستخدام تكنولوجيا الوراثة العكسية.

كيف تم تسجيل هذه السلالة؟

تم التسجيل هذه السلالة كبراءة اختراع وتم صنع التركيز الجيني للفيروس في بنك الجينات الدولي، ومن هنا أصبح لدينا تكنولوجيا تصنيع لقاحات لأنفلونزا مع أي سلالة قد تظهر في مصر أو تتحور.

ما الفرق بين اللقاح المصري والمستورد؟

الفرق الأساسي أن اللقاح المصري من سلالات مصرية حاملة للفيروس لذلك يحقق أعلى درجة حماية للثروة الداجنة، أما المستورد فيتم تحضيره من سلالات مختلفة أجنبية لذلك لم تثبت نجاحا مع السلالات المصرية، هذا بالإضافة إلى أنه أرخص من المستورد لأنه محلي وسوف يتوافر بصورة أفضل من المستورد.

هل يصلح هذا اللقاح لأنفلونزا الخنازير؟

بالطبع لا.. لأنه ينتج أساسا من سلالات الطيور الحاملة للفيروس، لذلك لا تصلح للخنازير لأنها من فصيلة أخرى!.

ومتى يتم إنتاج لقاح لأنفلونزا الخنازير؟

حتى الآن لم يظهر المرض في مصر ولكننا نقوم بإعداد أبحاث حول الفيروس خاصة وأننا أصبحنا مؤهلين لمواجهة مثل هذه الفيروسات.

هل هناك صعوبات لإنتاج اللقاح؟

بالطبع هناك جهات تحاول عرقلة ظهور وإنتاج مثل هذا اللقاح وهي مافيا استيراد اللقاحات الأجنبية لأنفلونزا الطيور وذلك لتحقيق مكاسب لها صلة واضحة بهم، وهناك جهات طلبت شراء حقوق الملكية الفكرية مقابل مبالغ مادية كبيرة جدًا لكننا لم نفرط في مثل هذا النجاح، وقد تم حاليا البدء في تصنيع اللقاح بمصر ومتوقع وجوده في الأسواق بعد عام ونصف العام.

هل هناك دول بالمنطقة سبق واكتشفت مثل هذه اللقاحات؟

مصر تعد من أوائل الدول بالمنطقة والسادسة على مستوى العالم التي تتوصل لاكتشاف مثل هذا اللقاح بعد الولايات المتحدة والصين وغيرها من الدول.

من واقع خبرتك في مجال أنفلونزا الطيور كيف ينتقل الفيروس للإنسان؟

لا يمكن أن ينتقل الفيروس من الطيور إلى الإنسان إلا إذا أكل لحومها من غير طهي بشكل جيد، هذا بالإضافة للاحتكاك المباشر بالطيور المصاحبة للمرض حيث يخرج الفيروس من جسم الطيور مع فضلاتها التي تتحول إلى مسحوق ينقله الهواء ويمكن أن يعيش الفيروس لفترات طويلة في فضلات الطيور خاصة المناطق التي تقل فيها درجة الحرارة وأيضًا مع وجود بيئات غير معقمة.

ما النصائح التي تقدمها لتجنب الدول العربية مثل هذا الفيروس؟

أولاً لابد من إلقاء محاضرات في المدارس والجامعات عن خطورة المرض وكيفية تجنبه مع شرح كامل لهم عن كيفية تعقيم الأماكن التي تعيش فيها الطيور. ولابد من تحصين جميع أنواع الطيور وتعقيمها لتجنب الفيروس.

خدمة: دار الإعلام العربية