بعد أشهر من التحضيرات المكثفة، تميل الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إرجاء قمة كانت مقررة في مطلع الشهر المقبل حول الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وأثرها على التنمية، لأسباب كشف الممثل الخاص للبنك الدولي لدى المنظمة الدولية فريد بلحاج ل«البيان» أنها «سياسية».

وأفاد رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة ميغيل ديسكوتو بروكمان أن الجمعية العامة ستجتمع اليوم لبحث إرجاء المؤتمر الرفيع المستوى الذي كان مقرراً عقده بين الأول من يونيو المقبل والثالث منه لتقييم الأزمة المالية التي تهدد الاقتصاد العالمي والبحث عن حلول تأخذ في الحسبان مصالح جميع الدول.

وأوضح أن البحث يجري في عقد المؤتمر ما بين 24 يونيو المقبل و26 منه. وإذ أشار إلى عدم الاتفاق على التأجيل، أكد أن «المواضيع معقدة. واستدرك قائلا:لكنني واثق من أننا سنفاوض على وثيقة نهائية قوية تتعامل مع الحاجات والمخاوف الموجودة لدى الدول النامية بالإضافة إلى الدول الصناعية».

قلق الوفود

وقال الناطق باسم بروكمان الإسباني انريكي يافيس إن «الوفود عبرت عن القلق من أنها تحتاج إلى المزيد من الوقت للتفاوض على مسودة النهائية التي يجب أن يوافق عليها الزعماء»، مضيفاً أن «بروكمان تشاور مع كل المجموعات الإقليمية الرئيسية في الأيام الأخيرة في مسألة تأجيل القمة لمدة ثلاثة أسابيع». وأكد أن «وفوداً عدة طلبت من بروكمان تأجيل المؤتمر لأنه يتزامن مع عدد من المناسبات الدولية والإقليمية الأخرى».

وكان بروكمان صرح قبل أسبوعين أن المؤتمر «في وقته وتاريخي»، متوقعاً أن تشارك فيه 192 دولة على أرفع المستويات.

مسودة التوصيات

غير أن الممثل الخاص للبنك الدولي لدى المنظمة الدولية فريد بلحاج أكد ل«البيان» أن «الدول الكبرى، وتحديداً مجموعة العشرين، غير راضية عن مسودة التوصيات التي أعدها رئيس الجمعية العامة من أجل إقرارها في المؤتمر»، كاشفاً أن «الدول التي تهيمن على التحضيرات للمؤتمر هي نيكاراغوا (بلد بروكمان) وكوبا وفنزويلا وغيرها من الدول التي توجيه رسائل سياسية معينة لأنها لا تستطيع التأثير كثيراً في مجريات الاقتصاد العالمي القائم على النظام الرأسمالي».

وأضاف أن «صيغة مسودة التوصيات التي أعدت ستجعل هذا المؤتمر منبراً سياسياً، وخصوصاً في حال عدم حضور القوى الدولية المؤثرة فعلاً في النظام الاقتصادي والمالي العالمي». وأوضح أن «قراءة مسودة التوصيات توحي بأننا عدنا 50 سنة إلى الوراء، بينما المطلوب هو معالجة فعلية للأزمة الراهنة».

استراتيجية أممية

وكان بروكمان قدم ورقة لخص فيها نتائج مؤتمر الأمم المتحدة بشأن وقع الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية على التنمية، داعياً إلى وضع «استراتيجية أممية» لمواجهة تقلّبات العولمة.

وتصف المسودة التي شارك في صوغها 20 خبيراً مالياً دولياً، على رأسهم الاقتصادي الأميركي الحائز جائزة نوبل جوزيف ستيغلتز، الأزمة الراهنة بأنها الأشد في التاريخ المعاصر منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، متهمة العولمة بأنها كانت المسؤولة عن تسريع وتيرة التدهور وتوسيعها. وتحذر من أن الاستقرار والأمن الدوليين والرخاء البشري في خطر، وأنها لا تنفصل عن الواقع المادي للمجتمعات، إذ أن هناك مئات ملايين البشر من كل أنحاء العالم يفقدون وظائفهم ومدخراتهم ومساكنهم وموارد أرزاقهم. كما أن الفقر يتفشى في أبشع أشكاله، مهدداً كل إنجازات البشرية، ومعرضاً مليار نسمة لخطر سوء التغذية المزمن.

عدم الثقة

ومع تعدد العوارض، من معدلات بطالة وتراجع النمو والتجارة الدولية، يتضاعف الشعور بعدم الثقة بالنظريات والخبرات، والشعور بالضياع في متاهة العالم المالي المتبدل.

ولذا تطرح الورقة «أساليب رد»، محذرة من أن الشعوب الأضعف اقتصادياً ستكون الخاسر الأكبر نتيجتها. ومن العلاجات التي تراها مناسبة ضرورة إعادة الاستقرار إلى الأسواق المالية في وجه الكساد وتراجع الطلب، وحماية الفقراء والمعوزين، وتوفير صناديق مساندة، وتشجيع التبادل التجاري الحر بعيداً عن الحمائية، ودعم التنمية الخضراء الطويلة الأجل، وإصلاح النظام المالي والاقتصادي العالمي على أسس مختلفة عن النمط الفاشل الذي أدى إلى الأزمة.

الآليات المساعدة

وأشارت الورقة إلى أن دول العالم الثالث تفتقر إلى الآليات المساعدة على تحفيز الاقتصاد وإعادة عجلته إلى الدوران، وبالتالي فإنها في حاجة إلى مساندة الدول الأكثر ثراء في القطاعات الإنتاجية الرئيسية.

وأثنت على تعهد قمة مجموعة العشرين في لندن توفير 1,1 تريليون دولار إضافية، بالإضافة إلى 850 مليون دولار من خلال المؤسسات المالية الدولية، و250 مليون دولار للتمويل التجاري، وكلها مبالغ ترمي إلى توفير السيولة في الدورة الاقتصادية العالمية على شكل قروض ترفع مستوى الاستثمار وتحرك التجارة. وطالبتها بتطبيق تعهداتها، لافتة إلى أن 20 مليار دولار فقط منها خصصت للدول الأشد فقراً في العالم.

وطالبت الورقة أيضاً بتوفير وسيلة إقراض جديدة وسطية بين الدول الغنية والدول الفقيرة، وسيلة تتمتع برقابة ديمقراطية في إدارتها، بحيث تستطيع الدول صاحبة الفائض والدول المصابة بالعجز ممارسة حقها الرقابي. كذلك ينبغي أن يتاح للدول هامش من الحرية في طريقة الرد على الأزمات بدلاً من إعطاء وصفات جاهزة من المؤسسات التقليدية. فالأزمات تركت آثاراً متفاوتة من دولة إلى أخرى.

تفاقم المديونيات

وتحذر المسودة من عواقب تفاقم مديونيات الدول الفقيرة بسبب الأزمة الراهنة، مطالبة بإتاحة مرونة إضافية في تسديد القروض تكون متناسبة مع مستوى الدخل القومي. وتدعو المسودة الأمين العام للأمم المتحدة بأن كي - مون، إلى وضع اقتراح لإنشاء آلية مراقبة المناطق المهددة والرد على مشاكلها، وآلية ترصد المعلومات بانتظام وتتعامل على أساسها لمعالجة الأزمات في مهدها. وتطلب منه أن يضع استراتيجية مشتركة تحدد وسائل الرد على الأزمات الناشئة.

نيويورك ـ على بردى