في أواخر الألفية الثانية كان متوسط سعر برميل النفط 20 دولاراً.. ولم تكن مياه الخليج الهادئة قد طغت عليها الجزر الصناعية التي أقيمت فوقها المنتجعات والمباني الفارهة، ولم تكن قد ظهرت ناطحات السحاب في سماوات دول مجلس التعاون.

ولكن العقد الأول من الألفية الثالثة شهد قفزة في أسعار النفط ومعها ازدهر النشاط العمراني والاقتصادي في دول المجلس بصورة غير مسبوقة، وأصبحت السعودية والإمارات والكويت لاعبين رئيسيين في النظام المالي والتجاري العالمي.

وصارت المنطقة ككل مركز جذب رئيسيا بين آسيا وأوروبا. وعندما بدأت أسعار النفط دورة قفزتها السريعة بعد فترة ركود قصيرة في الولايات المتحدة في بداية العقد، فإن قلة كان يمكن لها أن تتنبأ بمدى ما يمكن أن تصل إليه. في عام 2008 كان سعر البرميل قد قارب ال150 دولاراً.

ولم يكن متوسط البرميل عام 2007 أقل بكثير بالمعنى الحقيقي من السعر القياسي العالي إبان ازدهار النفط في بنسلفانيا في ستينات القرن التاسع عشر أو في الفترة ما بعد الثورة الإيرانية عام 79. وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي - وغالبيتها- تقريباً من كبار الدول المصدرة للبترول- فإن الازدهار غير الكثير.

وحققت دول التعاون في الفترة بين عامي 2005 و2008 نسبة نمو في الناتج القومي المحلي بلغت 6 في المئة محدثة ما يمكن أن نسميه موقف كل شيء ممكن لأنها على عكس فترات ازدهار النفط السابقة فإنها هذه المرة رافقتها رغبة في تغيير القواعد والاستثمار في الداخل بدلاً من إنفاق الثروة في الخارج.

بيد انه بحلول عام 2008، فإن سحب العاصفة المالية التي تشكلت في أماكن أخرى بدأت تظهر فوق الخليج. وتحول الحديث عن نبوءات » فك الارتباط» مع النظام الرأسمالي وما إذا مجلس التعاون الخليجي سيستطيع تحاشي عدوى الرأسمالية وكيف سيتسنى له ذلك.

وفي أرقام أصدرها صندوق النقد الدولي في 10 مايو تراجعت تقديرات قيمة الناتج القومي الإجمالي في دول مجلس التعاون الخليجي الست إلى 3 .1 في المئة عام 2009.

وبينما كانت الكتلة تزهو بفائض في الميزانية يقدر بمئات المليارات من الدولارات عام 2008، فإنها انزلقت إلى خانة العجز في عام 2009.

وتراجعت البورصة ومؤشرات الملكية بشكل حاد. وتقلصت الأموال القادمة من الخارج حسب بعض التقديرات بما يزيد على 50 مليار دولار منذ عام 2008 واضعة الوظائف ومشروعات البنية الأساسية في مأزق. ويعتقد الخبير الاقتصادي علي عيسوي الذي يتخذ من مدينة الدمام السعودية مقراً له أن البطالة - التي لم تكن قضية في الماضي في الخليج المستورد للعمالة» من المتوقع أن تحرك أجندة السياسة الاجتماعية - الاقتصادية للمنطقة».

وفي حين أن أسعار المنازل في بعض أسواق المنطقة تراجعت بنسبة بلغت نحو 40 في المئة في الربع الأول من عام 2009 فإن تلك الأسعار في أماكن أخرى - مثل أبوظبي واصلت ارتفاعها.

وفي قطر التي تصدر الغاز أساسا في صورة مبيعات بعقود طويلة الأجل فإنها لا تزال تتوقع نموا في إجمالي الناتج القومي طوال عام 2010 بأكثر من 9 في المئة. ونتيجة لذلك جزئيا فإن الدولة الصغيرة تتمتع بنفوذ جديد على الساحة الدبلوماسية الدولية. بيد أنه بشكل عام فإن مجلس التعاون الخليجي يواجه الآن واقعاً جديداً.

وصرح دكتور جون سفاكيانكيس وهو واحد من أبرز المحللين الاقتصاديين في المنطقة لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) قائلا إن عصر الملكية الضخمة غير الواقعية ومشروعات البنية الأساسية قد انتهى مع تبخر القروض الخاصة تلك التي كانت متوافرة في يوم من الأيام.

وأضاف قائلا «لقد انتهى عصر (ما أملكه أنا هو الأكبر). لقد غذاه الإقراض المصرفي لكن الآن أغلقت الصنابير». والأعراض ظاهرة في كل مكان من المطارات الهائلة إلى سلسلة من مشروعات ناطحات السحاب في دبي والدوحة والكويت وجدة.

وهناك أمثلة على منتجات الوفرة التي إما أنها تستشرف المستقبل أو ستكون لها انعكاسات في العقود المقبلة. في أبوظبي تم تأسيس معهد عالمي رائد لدراسة مصادر الطاقة البديلة وهو يمضي قدما لتكون المدينة هي الأولى الخالية من الكربون.

وفي السعودية وقطر والكويت ودبي تم تبني وسائل النقل العام بدلاً من السيارات الرياضية الأمر الذي أفاد كلا من المواطنين والشركات والبيئة. وشهدت الوفرة أيضا تمازجاً ملحوظاً بين الثروة والدين في صورة صناعة مالية إسلامية صارت على وشك أن تصبح هي التيار الرئيسي وبدا منظما يتخذ من البحرين قاعدة له في وضع أسس نظام موحد لنظام مالي يقوم على الشريعة.

لقد صار مجلس التعاون الخليجي الآن نقطة أساسية على خريطة العالم الاقتصادية ولا يرجع هذا على الأقل لكونه احد الموانئ في محيطات منتجي السلع في أوقات الركود هذه. لكن ربما أن الميراث الأعظم هو فوائد الاقتصاد المفتوح وإلى حد ما الشفاف. ففي تقريره نصف السنوي عن المنطقة أشاد صندوق النقد الدولي.