انتهت عاصفة التوقعات السلبية أو الحذرة التي أطلقها تقرير صندوق النقد الدولي الأسبوع الماضي، بعنوان (الآفاق الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا) والذي تحدث عن انكماش اقتصاد الإمارات بنسبة 6 , 0% هذا العام وعن سيناريو تعافيه بحلول العام المقبل، وعن نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6, 1% فقط.

كان مسعود أحمد، مدير إدارة الشرق الأوسط ووسط آسيا في صندوق النقد الدولي، متجهما بعد محاضرته الطويلة والمفصلة التي ألقاها في كلية دبي للإدارة الحكومية، في الحادي عشر من الشهر الجاري، ولم يكن متحمسا لإجراء مقابلته الحصرية المتفق عليها سلفا مع البيان، لأن مؤتمره في اليوم السابق في مركز دبي المالي العالمي، كان عاصفا بالأسئلة وعلامات التعجب والاستهجان على ما يبدو لأنه أشار إلى سيناريوهات انكماش اقتصادي هنا، ونمو مؤجل إلى عام أو عامين. لم أستطع كسر الجمود الذي أحاط غرفة الاجتماعات التي أغلقت علينا ببساطة، وكان لا بد من مدخل آخر إلى شخصية ضيفنا الدولي، لم أباشر بالأسئلة، بل اكتفيت بسرد طريقة تفكير الناس العاديين حول الأزمة قائلا:«يبدو أننا تطورنا كحضارة مادية إلى أقصى حد، فنحن نركب أرقى السيارات، ونرتدي الحرير ونمتلك مؤسسات عملاقة، لكننا لم نزل نؤمن بالخرافات، ونبحث عن إجابات لمشاكلنا على أبواب العرافين وقارئي الفنجان والكف، فهم يعتقدون أن في قبضة مؤسستكم عصا سحرية قادرة على كشف الغيب، فمن الملام يا ترى بكل هذا!».

لم يجب مسعود على هذا التعليق، لكنه ابتسم معدلا من جلسته لينتقل إلى محور الجلبة التي أثارها التقرير، قائلا:«يجب أن ندرك أولا أن هناك فرق شاسع بين الانكماش في اقتصاد أي دولة بسبب ظروف اقتصادية دولية طارئة وبين انكماش ناتج عن خلل في وظائف الاقتصاد الكلي فيها. وما نقوله دائما في الصندوق إن اقتصاد الإمارات لم يكن يوما أكثر مناعة وقوة بالرغم من الأزمة العالمية كما هو اليوم، وهو لا يواجه أي مشكلة على مستوى الأصول والاحتياط النقدي وتنوع مصادر الدخل».

وأضاف:«بالرغم من أن التقييم الأساسي لقوة الاقتصاد المحلي هو ايجابي، بدلالة قوة أدائه خلال الفترة الماضية والاحتياط النقدي المتأتي من عوائد النفط بأسعار تاريخية، إلا أننا بكل موضوعية وبعيدا عن التكهنات غير المنهجية، نرى بأن اقتصاد الإمارات تحديدا سيواجه مرحلة صعبة في المستقبل المنظور لسببين اثنين: الأول هو تراجع أسعار النفط.

وهو لا يزال مصدر الدخل الأكبر والرئيس لدخلها بالرغم من مساعيها الدءوبة لتنويع مصادر دخلها كما نعلم، والسبب الثاني هو أن تباطؤ أداء الاقتصاد العالمي نتج عنه أيضا تراجع في الطلب على الخدمات والمنتجات غير النفطية والتي تقدمها إمارة دبي كالسياحة والخدمات المالية والعقارات واعادة التصدير وغيرها».

وقال مسعود إن هذين السببين، بما يعنيانه من تراجع في أسعار النفط إلى مستويات 40 و50 دولارا، وبالتالي تراجع عائدات النفط، إلى جانب تراجع الطلب العالمي على قطاع الخدمات غير النفطية، أديا إلى نتيجة مفادها أن الأزمة حقيقة لا مفر منها وأمر واقع على الشركات والأفراد معا، ففترة النمو التي عشناها خلال السنوات القليلة الماضية لم تعد قائمة، وتراجع الطلب العالمي على السلع والخدمات النفطية وغير النفطية، وانخفاض التجارة العالمية بنسبة غير مسبوقة في التاريخ بنسبة تجاوزت كل التوقعات التي وضعناها في أواخر العام الماضي مثلا، جميعها أمور مفاجئة وسريعة وتطورات دراماتيكية فعلا، إذ تراجعت بنسبة 40%».

وأشار إلى أن انتهاء زمن الطفرة لا يعني أن أسس الاقتصاد الوطني في الإمارات تعرضت للضرر، فهناك فرق بين تضرر بعض القطاعات الثانوية والنشطة، وبين تضرر الأسس، فمن الطبيعي أن نرصد تأثيرات الصدمة على السياحة أو العقار أو البنوك لأنها في الواجهة وأكثر عرضة لتداعيات الأزمة العالمية، لكن هذا لا يعني انهيار للاقتصاد الكلي، ولنكن واقعيين أكثر فطفرة الأسعار في العقارات مثلا كان يجب أن تشهد حركة تصحيحية، سواء حدثت الأزمة العالمية أم لم تحدث، فهذا جزء من دورة الاقتصاد النشط».

هناك حقيقة أخرى لا بد من التسليم بها وهي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ستتأثر سلباً بالأزمة الاقتصادية العالمية، ولكن أداءها سيكون على الأرجح أفضل من أقاليم أخرى، فالدول المصدرة للنفط فيها يمكنها الاستفادة من الاحتياطيات الكبيرة لامتصاص آثار الانكماش العالمي على اقتصادياتها واقتصاديات الدول المجاورة التي تربطها بها علاقات اقتصادية متنامية.

وأوضح أحمد أن الأزمة العالمية تؤثر في المنطقة بطرق غير مباشرة:«فالتراجع الحاد في أسعار النفط يقلص إيرادات الدول المصدرة وكذلك تكاليف الاستيراد بالنسبة للدول المستوردة؛ كما يحد انكماش الطلب والتجارة والأنشطة ذات الصلة على مستوى العالم من الصادرات والسياحة والتحويلات المالية؛ فضلاً عن أن تشديد الخناق في أسواق الائتمان العالمية وتراجع شهية المستثمرين للمغامرة يساهمان في إبطاء تدفقات رأس المال الواردة، والضغط على أسعار الأصول المحلية، وإضعاف الاستثمارات».

وردا على سؤال عن إحجام البنوك عموما عن الإقراض بشكل طبيعي بالرغم من ضخ الحكومات للسيولة اللازمة، قال: «هناك حذر لدى المصارف لدى البنوك، لأسباب منها أنها تريد التأكد من تقييم وضع عملائها الحاليين أو المحتملين.

وكذلك تقييم قدراتهم الاقراضية في المستقبل، وما يحدث عالميا أن البنوك أنهت مرحلة التقييم والمراجعة وبدأت بعملية الإقراض، لكنها هذه المرة انتقائية ومدروسة، وهو أمر جيد، إذا ما عرفنا أن تساهل المصارف كان سببا رئيسا في أزمة الائتمان العالمية، وسرعة استجابة البنوك المحلية لطلب الحكومة والقطاع الخاص لضخ السيولة، مرتبط بما ذكرناه سابقا».

ولكن ما الدور الأوسع للحكومات في المرحلة المقبلة؟ وما هي الحلول التي لا تزال في جعبتها بعد استنفاذ إجراءات ضخ السيولة وتطوير بعض التشريعات والقوانين لتشجيع الاستثمار؟

قال مسعود إن على الحكومات اتخاذ 3 إجراءات جوهرية أولها التأكد من أن البنوك تمتلك السيولة الكافية، ثم تزويد المصارف بما قد تحتاجه لاحقا للتأكد من قدرتها على القيام بواجبها الطبيعي، ثم تقييم أداء المصارف بعد تحديد احتياجاتها وشراء حصص فيها وما إذا كانت فعلا قد قامت بالمطلوب.

ومن جهة أخرى على الحكومة أن ترفع من حجم إنفاقها العام لتحفيز حركة الاقتصاد، في الوقت الذي نشهد فيه تراجعا في إنفاق القطاع الخاص، وهو ما يفسر لنا ظاهرة ارتفاع العجز في الميزانيات العامة لدول العالم والمنطقة لأن الحكومات تنفق أكثر من أي وقت مضى.

ولكن لماذا يحجم القطاع الخاص عن الإنفاق وضخ السيولة ومتى سيعود إلى دوره؟ يرى مسعود أنه من الصعب التكهن بهذه اللحظة، وأن سلوك القطاع الخاص أمر له مبرراته، فهو صاحب دور رئيسي داخل عجلة الاقتصاد، لكن تبقى مسألة الثقة والضمانات جزءا من حساباته، ولا بد من حدوث تحول عند لحظة زمنية يراها القطاع مواتية لاستئناف نشاطه، قد تكون الفرصة بالنسبة له مجرد انخفاض أسعار المواد الأساسية أو حدوث تطور في بعض الجوانب التشريعية هنا أو هناك، وبالرغم من عدم قدرة احد على التكهن بزمن محدد لعودته إلى نشاطه الطبيعي إلا أنه لن يستغرق وقتا طويلا لذلك.

صندوق النقد: القروض خيار أخير للحكومات

قال صندوق النقد الدولي إن القروض التي يقدمها تعتبر الخيار الأخير بالنسبة لحكومات دول العالم حيث تأتي في إطار شروط صارمة بشأن كيفية إدارة اقتصاد الدولة المتلقية للقرض.

وفي هذا الإطار، أوضح أن المجر على الأرجح ستكون قادرة في نهاية يونيو المقبل على سحب شريحة جديدة بقيمة 93, 1 مليار دولار من القرض الطارئ الذي وافق على تقديمه لها.

وذكر الصندوق أنه راض عن التقدم الذي حققته المجر في اتجاه ضبط الموازنة العامة. وأضاف في ختام عمل بعثة تقصي الحقائق التابعة له الذي استمر 12 يوما «السياسات المالية وسياسات الاقتصاد الكلي تمضي في الطريق الصحيح».

كان صندوق النقد الدولي والمؤسسات المانحة الدولية قد وافقت على منح المجر 25 مليار دولار كمساعدة عاجلة لمواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية وحماية النظام المالي المجري من الانهيار.

كان الهدف الأصلي لحكومة المجر هو خفض عجز الموازنة إلى أقل من 3% من إجمالي الناتج المحلي بنهاية العام الحالي.

وكان عجز الموازنة عام 2006 قد بلغ 10% وهو أعلى معدل لعجز الموازنة بين دول الاتحاد الأوروبي. ونجحت المجر في كبح جماح العجز وصولا إلى 3, 3% بنهاية 2008.

دبي ـ محمد بيضا