يسهم التمويل والائتمان بدور أساس في النشاط الاقتصادي بصورة عامة، وتقديم أوجه الدعم والمساندة من اجل النهوض بالقطاع الخاص. وواجه القطاع الخاص في العراق صعوبات جمة وظروفاً معقدة على مدى عقود، خلال مرحلة الهيمنة المركزية على الحياة الاقتصادية في البلاد إبان فترة حكم النظام السابق، الذي استخدم أقصى إجراءات وتدابير المركزية في توجيه النشاط الاقتصادي، وضآلة دعم القطاع الخاص ليمارس دوره الايجابي في عملية البناء والتنمية.
وحسب الخبراء الاقتصاديين، أدت هذه السياسة، وفي ظل أجواء الحروب وفرض الحصار الجائر، إلى توقف معظم المشاريع الإنتاجية للقطاع الخاص، ودخول القطاعات الاقتصادية موجة من الركود المقترنة بالتضخم، في وقت لم يكن بمستطاع الدولة تقديم أية معالجات حقيقية من شأنها تغيير صورة الأوضاع، لاسيما إبّان فترة الحصار، وغياب السياسة المصرفية الائتمانية، التعهدية والنقدية.
وبعد الغزو والاحتلال الأميركي في التاسع من أبريل 2003، كانت المنظمات الاقتصادية المهنية التخصصية للقطاع الخاص، وشركاته على اختلاف اختصاصاتها، تتطلع لتوجهات وممارسات جديدة «تتطابق مع الوعود المعلنة حول التحول نحو اقتصاد السوق ودعم القطاع الخاص في المجالات كافة»، وبصفة خاصة على صعيد الائتمان والتمويل.
إلا ان ما حصل جاء متناقضاً مع هذه التطلعات، وظلت الوعود هي سيدة الموقف حتى هذه اللحظة. فقد أطلق العنان لعدد كبير من التجار «الجدد»، وغالبيتهم ممن لا يمتلكون أي وعي اقتصادي تنموي، لإغراق الأسواق بالمواد والسلع الرديئة من مناشئ غير معروفة، وساعدتهم في ذلك حالة الفوضى التي سادت البلاد، والتي صنعتها الإدارة المدنية للاحتلال.
ومارست الإدارة منهجية غير سليمة تتصور اقتصاد السوق الحر وكأنه لا يعدو ان يكون منح الحرية للتجار، وفتح الحدود على مصراعيها دون أية رقابة نوعية وصحية.
ورافق تلك المنهجية المدمرة إهمال القطاع الإنتاجي الحقيقي، الصناعي والزراعي، سواء في القطاع العام أو الخاص، الذي تدهورت أوضاعه، إلى الدرجة التي بات فيها لا يستطيع التحرك بمستوى من الفاعلية والكفاءة في ظل القيود المحيطة به.
وبات واضحا ان القطاع الإنتاجي أصبح محاصرا، بسوق متخلفة تماماً من جهة، ومرتهنة للخارج، ابتداء من الخضروات والفواكه، ومروراً بالأدوية والمستلزمات الطبية، وانتهاء بالأثاث والأجهزة المنزلية والكهربائية، من جهة أخرى. واحتكمت لهذا الارتهان مؤسسات الدولة على اختلاف مستوياتها، التي أصبحت تعلن عن طلباتها للكثير من المستلزمات، مشترطة أن تكون بمواصفات محددة، ومن مناشئ أجنبية بذاتها، أن لم تكن من شركات معينة.
وعلى الرغم من الدعوات المتتابعة من جانب المنظمات المهنية الاقتصادية على مدى 6 سنوات، فإن الأمور ظلت على حالها، دون أية استجابة فعلية من جانب الحكومات المتعاقبة، بعد تشكيل مجلس الحكم، ولم تتعد في أفضل الأحوال ان يتم تشكيل لجان محددة المهام والسقف الزمني تعطي نتائج ليست حقيقية أو ملموسة.
فمحاولة الضغط لمعالجة أوضاع المشاريع الصناعية للقطاع الخاص، المتوقفة عن العمل، والتي زادت نسبتها وأعدادها، ما زالت تتلاطم بها الأمواج حتى الآن، كما ان المشاريع الخدمية ليست أفضل حالاً، وسياسة الائتمان التعهدي والنقدي شبه مجمدة، بتأثير الكثير من العوامل المتعلقة بالمصارف الحكومية والخاصة. ودخلت السياسة النقدية المتشددة للبنك المركزي العراقي على الخط، باعتبارها واحدة من العقبات التي دفعت بالائتمان والتمويل إلى طريق مسدود، بناء على رفع أسعار الفائدة (الأساسية) إلى أكثر من 23%.
وأقل منها بالنسبة إلى الائتمانية والادخارية، ثم انخفضت الفائدة (الأساسية) إلى 14% ، ثم 11% ، في ظروف ضاغطة، وصفها البنك المركزي بأنها تتمثل بانزلاق الاقتصاد العراقي إلى حالة الركود. ومن الملاحظ ان أسعار الفائدة التي ارتفعت خلال فترة قصيرة أربع نقاط في كل مرة، بينما يتم تخفيضها في ظروف مغايرة بأسلوب بطيء، دون مراعاة الأوضاع الناشئة، التي قد تؤدي إلى اقتران الركود بالتضخم، وعدم معالجة هذه الحالة من جانب المؤسسة النقدية، متمثلة بالبنك المركزي.
ويشير محللون اقتصاديون إلى ان الاقتصاد العراقي في وضع حرج الآن، فيما يتعرض القطاع الخاص إلى المزيد من الضغوط والمخاطر والتهديدات الناجمة عن التغيرات الداخلية والخارجية، بما فيها أثار وانعكاسات الأزمة المالية العالمية».
بغداد ـ «البيان»