أفاد تقرير صدر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن القطاع الصناعي في الجزائر فقد خلال الأعوام العشرين الأخيرة 85 بالمئة من قدراته. ولم يساهم القطاع العام الماضي في الناتج الداخلي الخام الا بنسبة 5 بالمئة ، مع أنه كان رافدا مهما في العقود الماضية.

ولم تؤكد الجهات الرسمية في الجزائر أو تنفي الأرقام لغياب دراسة محايدة دقيقة لتطور هذا القطاع، لكن الأكيد أن حالة الطوارئ التي أعلنتها الحكومة ولم تتوقف طيلة السنوات الأخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه تعطي الانطباع بأن دوائر القرار في البلاد أدركت الخطر وتسعى لتغيير الوضع.

جدل كبير

ويجري هذه الأيام جدل كبير حول الاختيارات الصناعية وبرزت تناقضات في الطرح حتى داخل الحكومة نفسها بين فريقين، يدعو الأول إلى تدخل الدولة المباشر بالمال والإشراف والتسيير لإعادة القطاع الصناعي الى السكة بعدما هوى بفعل تغييرات متلاحقة للسياسات المنتهجة، بينما يدعو الثاني الى «إستراتيجية جديدة» قادها قبل عامين تعتمد على تسريع عملية الخصخصة و«التخلص» من القطاع العام بأسرع ما يمكن بدعوى أنه يشكل عبئا على خزينة الدولة.

وانخرط في الجدل عدد كبير من الأخصائيين والخبراء ورجال الأعمال حول تقييم التجربة الصناعية الجزائرية منذ بدايتها في منتصف ستينات القرن الماضي والمراحل التي مرت بها لاستخلاص الدروس وأسباب التراجع والفشل الحالي.

ويستند أنصار التدخل المباشر للدولة بتحديث القطاع العام ومساعدة القطاع الخاص الناشئ الى مبررات الميدان. فالجزائر كانت تستند إلى نسيج صناعي عام معتبر خاصة في قطاعات الميكانيك والحديد والصلب والإلكترونيك والصناعات التحويلية المتصلة بالبترول والغاز وهي مجالات يتعذر على القطاع الخاص الضعيف التكفل بتطويرها كما لا تعطي نتائج كبيرة في حالة التنازل عنها للرأسمال الأجنبي.

وفي المقابل لا يمانع حتى أكثر المتحمسين للحفاظ على القطاع العام في المجالات المذكورة لأهميتها وتأثيرها على قطاعات أخرى كالزراعة، عملية خصخصة واسعة النطاق في الصناعات التحويلية والغذائية وجميع أنواع المواد التي تدخل في البناء والتعمير. وسبق أن تنازلت الدولة عن مئات من أمثال هذه المؤسسات للمستثمرين الجزائريين الأجانب.

الخصخصة الفوضوية

وانتقد الخبير عبد المجيد بوزيدي الذي سبق أن شغل منصب المستشار الاقتصادي للحكومة ما سماه «الخصخصة الفوضوية» وقال ل «البيان الاقتصادي» إن السلطات تنازلت على المؤسسات العمومية للتخلص من أعبائها ولم يكن ذلك بدافع ضخ الروح في هذه المؤسسات بتغيير طبيعة ملكيتها وتحديث سبل تسييرها.

وأكد أن القطاع الصناعي أصيب بما يشبه الانهيار التام خلال عملية غير مدروسة أدت الى تسريح مئات الآلاف من العمال والى إغلاق مئات من المؤسسات وتحويل أخرى عن نشاطها. ووصف « المرحلة الانتقالية» بين الاقتصاد الموجه واقتصاد السوق بالفاشلة لأنها هدمت السابق دون أن تبلغ اللاحق.

وأخفقت عملية الخصخصة ولم تحقق مآربها، على حد قوله. فالجزائر كما قال «رغم الأخطاء المسجلة في نظامها الصناعي منذ انطلاقته الا أنها كانت تصدر منتجات صناعية مهمة وفتحت لنفسها أسواقا في إفريقيا والعالم العربي وأوروبا حيث كانت تصدر الجرارات والحافلات والشاحنات وآلات الحصاد الحديثة والرافعات وكل أنواع الآلات الثقيلة والمنتجات الالكترونية والكهربائية فضلا عن مواد التنظيف وغيرها، وهي اليوم تستورد كل شيء وتوقفت بشكل شبه تام عن الإنتاج».

وفي ذات السياق قال سيد علي بوكرامي الخبير الاقتصادي والأستاذ بجامعة الجزائر منذ أكثر من 30 عاما « ان الصناعة الجزائرية تعيش أزمة لكنها قادرة على العودة والانتعاش بشرط أن تكون أولوية لدى الحكومة. فالنسيج الصناعي القاعدي موجود وتطور البلاد يسمح بصرف كل ما ينتج من المواد الصناعية في ظل البحبوحة المالية والمشاريع الكبرى المفتوحة في جميع المجالات لاسيما شق الطرق ومد آلاف من الكيلومترات من سكة الحديد وبرنامج تحديث الزراعة ورفع وتيرة بناء المساكن والمرافق المختلفة... السوق اذن متوفرة دون احتساب التصدير».

وقال بوكرامي إن الدولة الجزائرية بداية من الثمانينات تجنبت مواصلة التصنيع بالكثافة التي انطلق بها قبل عقد من الزمن ورمت كل ثقلها في قطاع النفط لزيادة الموارد المالية، لكن ذلك أدخل البلاد واقتصادها في ورطة التبعية شبه الكلية لقطاع النفط. ويبدو أن السلطات العمومية أدركت أن فتح مجالات صناعية جديدة وتدعيم القائمة هو البديل لوضع التبعية المتعب.

إستراتيجية جديدة

في فبراير من العام 2007 عقد مؤتمر حاشد برعاية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ضم كبار المسؤولين ورجال الأعمال ومديري المؤسسات الصناعية الحكومية ولفيف من الخبراء الأخصائيين في الصناعة والمنشأة الاقتصادية عموما. وقدم المؤتمر الذي سمي « الجلسات الوطنية حول الصناعة قراءة لوضع الصناعة الجزائرية على ضوء المتغيرات في العالم وحالة الأسواق الدولية والاتجاهات الصناعية الكبرى التي يمكن للجزائر أن تدرج جهدها ضمنها.

وجرى نقاش واسع حوال الآفاق والمجالات التي من شأنها أن تخرج الجزائر من التبعية لقطاع المحروقات الذي يمثل 43 بالمئة من الناتج الداخلي الخام و97 بالمئة من الحجم الكلي للصادرات. وبين الخبراء أن القطاع الصناعي هو أهم مجال مرشح لتنويع الصادرات مستقبلا بما يتوفر من بنية تحتية تحتاج فقط الى تكييف وتدعيم ومن طاقات بشرية مؤهلة ومن موارد ومواد أولية قابلة للتصنيع وإمكانيات واسعة لجلب الاستثمارات الأجنبية.

غير أن زخم المؤتمر والهالة الإعلامية التي رافقته، وإن خرج بتبني «الاستراتيجية الجديدة» إلا أنه لم يحسم الصراع بين الطرفين المتناقضين حول النظرة لتطوير وتسيير قطاع الصناعة، وجرى الاتفاق على أن ما جرى بداية للتفكير في إعادة تأهيل القطاع وتهذيبه بما يتناسب ومعطيات وأهداف الساعة.

ناقوس الخطر

ويتوقع أن تتخذ قريبا قرارات حاسمة بشأن التوجهات الصناعية الكبرى وأعلنت الحكومة مؤخراً تحويل قطاع الصناعة الى قطاع سيادي بامتياز مثله مثل المالية والخارجية والعدل والداخلية. وهو القرار الأول من نوعه منذ استقلال البلاد ويؤشر الى أهمية القطاع في مخطط التنمية الذي ستطلقه البلاد بداية من العام 2010 بقيمة تتجاوز 150 مليار دولار لتعزيز البنية التحتية للاقتصاد ويعود جزء كبير منها للقطاع الصناعي.

لكن في انتظار ذلك استبقت قيادة منتدى رؤساء المؤسسات وهو أكبر تنظيم لرجال الأعمال في البلاد حين دقت ناقوس الخطر الشهر الماضي بالإعلان عن نتائج استطلاع أجرته وشمل مئات من المنتسبين للمنتدى حول مناخ الاستثمار.

وأفادت النتائج بأن مؤشر الثقة في الاستثمار بالقطاع الصناعي تراجع بصفة محسوسة في معظم المجالات باستثناء تلك التي استفادت من تمويل كبير من السلطات العمومية ضمن برنامج دعم النمو الذي خصصت له الدولة نحو 150 مليار دولار كالبناء والأشغال العمومية والصناعات الغذائية. فمثلا تراجع مؤشر الثقة في قطاع الصناعة التحويلية 28 نقطة خلال فبراير ومارس الماضيين مقابل ما بين 10 و20 نقطة في 11 فرعا صناعيا آخر.

وجاءت النتيجة مفاجئة على اعتبار أن القطاع الصناعي الخاص شهد نموا مقبولا في السنوات الأخيرة وتقدم على القطاع العام بكثير. وسألت «ا»لبيان» الخبير الاقتصادي صالح موهوبي عن فحوى هذه النتيجة فقال إنها تعكس حذر القطاع الخاص من المخاطرة في هذه الظروف وميوله الى الاعتماد على موارد الدولة.

وأرجع ذلك إلى غموض الرؤية وغياب استراتيجية صناعية واضحة ومستفزة لرأس المال. وقال موهوبي وهو مستشار لدى المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي بأن الدولة مدعوة للعب دور محوري في هذه الظروف وأكد أنه لمس ارادة بهذا الاتجاه لكنها لم تتبلور بعد في شكل سياسة مفهومة.

كما دعا الى تعزيز الجهود المبذولة حاليا في مجال الصناعات الصغيرة والمتوسطة لأنها تخلق فرص الشغل بسرعة تناسب نمو الطلب كما أنها خالق مهم للثروة. وكشف الوزير السابق محمد رضا حمياني رئيس منتدى رؤساء المؤسسات عن لقاءات ستجري قريبا بين المنتدى والسلطات العمومية لدراسة مساهمة القطاع الخاص في تحقيق المخطط الوطني لتطوير القطاع الصناعي وزيادة فعاليته وما يتطلب ذلك من جهود مالية من الدولة.

الجزائر ـ «البيان»