موضوعنا اليوم جراحة المناظير الذي سوف أركز فيه على جراحة البطن بالمنظار ورغم استخدام المنظار العادي من الثلاثينات من قبل أطباء النساء والتوليد لاغراض التشخيص وفي جراحة المسالك البولية وتشخيص الجهاز الهضمي إلا أن المفهوم الجديد والمتطور لهذا العلم قد شهد النور لاول مرة في 1987 باستئصال المرارة بالمنظار الجراحي بواسطة الجراح الفرنسي فيليب موارت في ليون بفرنسا والذي لم يصدقه زملاؤه الجراحون في باريس وطلبوا إليه إجراءها أمامهم في باريس.
كذلك في تنيسي بالولايات المتحدة الأميركية في نفس العام وذلك بعد (140) عاما من أول استئصال جراحي للمرارة من قبل الجراح الالماني ليجنبك (Lagenbuch) في برلين وخلال الاحد والعشرين عاما التالية شهدت الجراحة واحدة من أهم تطوراتها العملية في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين، لحجم ما احدث التنظير الجراحي من تغيير جذري في المفاهيم والتقنية الجراحية والتي ظلت مهيمنة لعقود طويلة.
وفي هذا المجال تحضرني قصة أول بروفيسور أميركي أجرى عملية استئصال للمرارة بالمنظار، إذ قوبل بالاستهجان والرفض من زملائه الجراحين فشكوه الى إدارة الجامعة والتي أوقفته عن العمل بعد تحقيق معه، ولم يعد له اعتباره الا بعد أن نشرت مراكز عملية أخرى عمليات مماثلة.
وفى نفس السياق هناك قصة مماثلة حدثت معنا في مستشفى عجمان عام 1995، إذ تقدمت إحدى المريضات التي أجرينا لها عملية استئصال للمرارة بالمنظار بشكوى رسمية لإدارة المستشفى تتهمنا بعدم استئصال المرارة بناء على تقرير أحد الجراحين في مستشفى مشهور باستحالة ذلك من مجرد أربعة ثقوب صغيرة في جدار البطن.
ورغم عملي وتخصصي في الجراحة كمدرس في كلية الطب ثم استشاري رئيس قسم الجراحة لمدة تزيد عن خمسة وثلاثين عاماً إلا أنني لم أكن لأصدق أنه يمكن اجراء عملية استئصال للمرارة ويغادر المريض المستشفى بعد ساعات قليلة لولا أننا نفعل ذلك من فبراير 1992 وقد اجرينا في قسم الجراحة بمستشفى عجمان ومستشفى خليفة بن زايد وحتى هذه اللحظة ما لا يقل عن (1600) عملية استئصال للمرارة بالمنظار.
لقد حملت تقنية التنظير الجراحي أسماء عديدة ففي البداية سميت جراحة ثقب المفتاح والجراحة قليلة الأغذية ثم عمليات اليوم الواحد. الا أن أفضل التسميات هي حسب نوع الجراحة مثل جراحة منظار البطن وجراحة منظار المفاصل، في جراحة المسالك البولية في جراحة الأنف والجيوب الأنفية، في الصدر، وفي كل مجال تتشعب التطبيقات وتتفرع. إن ذروة التفوق الجراحي بالمنظار تتجلى الآن في بعض المراكز التخصصية في الولايات المتحدة الأميركية.
حيث يتم اختراق جدار البطن وجدار الرحم بالمنظار والنفاذ للجنينين لإجراء عمليات تصحيح التشوهات الخلقية- الشفة الارنبية أو حتى عيوباً خلقية في القلب، ولم يكن ليتم هذا لولا تطويع التكنولوجيا العلمية الحديثة في صناعة المناظير الدقيقة والألياف البصرية والكاميرات والآلات الجراحية المتناهية الدقة لخدمة هذا النوع من الجراحة.
إن ما يزيد عن 70% من عمليات البطن تجرى بواسطة المنظار الجراحي في بعض المراكز المتخصصة ونسبتها في تصاعد مستمر كانت البداية مقتصرة على استئصال المرارة بالمنظار ثم تطورت لاستئصال الزائدة الدودية وتصحيح الفتق بأنواعه المختلفة، كما تطورت لاستئصال الطحال والكلى وعلاج دوالي الخصية وقرحة المعدة.
زميل كلية الجراحين الأميركية والبريطانية
رئيس قسم الجراحة ـ المدير الفني مستشفى خليفة بن زايد
