لعلنا قد لاحظنا أننا قد فرقنا بين المصاب بالمرض وبين حامل الموروثة الجينية.. فهنالك الكثير من الأمراض الوراثية وأمراض الدم الوراثية بصورة خاصة لا تظهر فيها الأعراض والظواهر الإكلينيكية الكاملة إلا حينما يحمل المصاب الموروثة الجينية المزدوجة، ولقد ذكرنا أن كل إنسان تتمثل جميع صفاته الوراثية الطبيعية والمرضية على جينات موروثة يحملها 23 زوجا من الكروموزومات، وهذه الأزواج تنقسم إلى كروموزومات أو أمشاج فردية عند إتمام عملية الإخصاب، بمعنى أن الحيوان المنوي للأب وبويضة الأم كل منهما يمثل 23 كروموزوما بصورة أحادية تحمل صفاته الطبيعية والمرضية.

وعند إتمام عملية الإخصاب تلتقي كروموزومات الأب الأحادية مع كروموزومات الأم الأحادية وتلتحم لتكون 23 زوجا في البويضة الملقحة، وهكذا تتكون الصفات الوراثية للجنين من الأبوين.. ولا يفوتنا التأكيد على أن الصفات السائدة والمستترة تلعب دوراَ كبيراً في الصفات النهائية للجنين وهي التي تحدد صحة الجنين من خلال توارث الصفات من الأبوين خلال الحمل والولادة. وهكذا فالطفل الذي يحمل موروثة جينية فردية للمرض يكون حاملاَ لذلك المرض بينما الطفل الذي يحمل الموروثة الجينية للمرض بصورة مزدوجة سيكون مريضاً بهذا المرض.

أمراض الدم الوراثية والفحص قبل الزواج

هنالك فحوصات طبية تجرى على الوالدين من شأنها أن تضع تصوراً واضحاً للنمط الوراثي واحتمالية إصابة الجنين بأمراض الدم الوراثية قبل حدوث الحمل أو حتى الزواج.

وعليه فإن هذه الفحوصات تصبح هامة للغاية حينما يكون هناك تاريخ مرضى بعائلة إحدى الزوجين أو كلاهما، ومن شأن إجراء هذه الفحوصات أن يسدي النصح للوالدين قبل إنجابهما لطفل مصاب بالمرض بكل ما تعنيه هذه الإصابة من محنة ومعاناة سواء للطفل أو للوالدين معا.

إن هذه الفحوصات تجرى بصورة حتمية عند اكتشاف إصابة الجنين بالمرض وذلك لتشخيص النمط الوراثي للعائلة وبيان إمكانية اتخاذ أي قرار بوقف الزواج بشكل اختياري أو منع الحمل أو امكانية اتخاذ أي قرار أثناء الحمل خاصة في الأسابيع الأولى من الحمل وحسب الضوابط والأنظمة القانونية الشرعية المطبقة بكل دولة.

التشخيص ما قبل الولادة

هناك إمكانية لإجراء اختبارات للجنين أثناء الحمل لاكتشاف إصابته بالمرض، وبالطبع فذلك يسبقه اختبارات كاملة تجرى للوالدين. والهدف من فحص الجنين هو اكتشاف الحالات التي تحمل الموروثة الجينية المزدوجة أي المصابة بالمرض بصورة كاملة.

وفي كثير من دول العالم غير الإسلامية تسمح القوانين بها باتخاذ إجراءات طبية لاجهاض هذه الأجنة وفقا لاعتبارات طبية خاصة بهذه الدول.

ولقد تمكنت الأبحاث الطبية من تحديد أرقام الكروموزومات التي تحمل الموروثات الجينينة لعديد من الأمراض ومنها مرض الثلاسيميا والذي يهمنا في هذا الموضوع وبسبب كثرة انتشاره لدينا في دول المنطقة وكذلك في دولة الإمارات العربية المتحدة، إذ المحاولات جارية لوقف انتشار المرض بكافة السبل وذلك من خلال تطبيق فحص المقبلين على الزواج، واذ نؤكد بأن دولتنا الحبيبة كانت من أوائل الدول التي طبقت نظام فحص المقبلين على الزواج.

مرض الثلاسيميا

هو أحد الظواهر المرضية في الدم والتي تنتقل إلى الإنسان عن طريق الحمل وبصورة وراثية والصفة الموروثة هنا تتوارث بسبب العجز عن تخليق بعض سلاسل الجلوبين بصورة كافية ومتواصلة.

وعليه فان هناك العديد من الصور الاكلينيكية لهذا المرض تختلف فيها الصفة الموروثة في نوع سلسلة الجلوبين التي يعجز الجسم عن تخليقها عند الشخص المصاب، ولكنها تشترك جميعها بأن الهيموجلوبين الموجود في كريات الدم الحمراء يفتقر إلى التكوين الطبيعي المطلوب، وكما هو الحال عند الإنسان السليم.

بناء على ما تم ذكره فإن هناك انتشاراً جغرافياً كبيراً لهذا المرض، ففقر الدم المتوسطي أو ما يطلق عليه البيتا ثلاسيميا يصفونه بالمتوسطي نظراً لانتشاره في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط بالإضافة إلى مناطق كبيرة في جنوب شرق آسيا وبعض مناطق إفريقيا واستراليا وكذلك بصورة ملحوظة بالهند ودول مجلس التعاون الخليجي.

السيكليميا أو فقر الدم المنجلي ينتشر في مناطق عدة منها افريقيا الشرقية والوسطى والغربية ويصيب الجنس الأسود بمعدلات تفوق مثيلاتها في الأجناس الأخرى.

أما الصورة المنتشرة للمرض في منطقتنا هي البيتا ثلاسيميا حيث يولد الطفل حاملاً للمرض إذا كان يحمل موروثة جينية فردية للمرض بينما الجينة الأخرى سليمة، وذلك لأن وراثة هذا المرض تتم بصورة مستترة وليست سائدة.

وتنتقل هذه الموروثة الجينية للمرض إلى الطفل من أحد الوالدين. ويولد الطفل مصاباً بالمرض إذا كان حاملاً للموروثة الجينية بصورة مزدوجة وتنتقل إليه عن طريق والديه مجتمعين معاً.

وفي العادة لا يظهر المرض خلال الأشهر الأولى من الحياة ولكن الأعراض سرعان ما تظهر مع نهاية السنة الأولى من العمر.

في هذا المرض يكون هناك عجز في انتاج الجلوبين من السلسلة بيتا بالصورة المطلوبة مما يؤدي لزيادة السلسلة الأخرى الفا. ويصبح الهيموجلوبين الموجود غير طبيعي فبالتالي فان الكريات الحمراء تتكسر بسرعة ولا تدوم لفترة حياتها المعتادة، ومع هذا النقص يضطر نخاع العظام للعمل بصورة مضاعفة بل ان أعضاء أخرى مثل الكبد والطحال تتسارع لمحاولة إنتاج الكريات الحمراء اللازمة، إلا أن ذلك عادة ما يؤدي إلى تضخم هذه الأعضاء بينما تتفاقم نسبة فقر الدم عند الطفل بشكل مستمر.

المدير التنفيذي للممارسات الطبية والتراخيص