دعت دراسة صادرة عن مركز دبي المالي العالمي بعنوان «التحديات التنظيمية والمؤسساتية لدول مجلس التعاون الخليجي في مواجهة الأزمة المالية» دول مجلس التعاون الخليجي إلى تأسيس نظام للإنذار المبكر ضد الأزمات المالية، وألا تدع الأزمة تمر من دون أن تقوم بتحديث أطرها التنظيمية، فضلا عن المشاركة في تصميم النظام المالي العالمي الجديد، كما أوصت الدراسة بضخ استثمارات ضخمة مجال حوكمة الشركات للتعامل مع القضايا المتعلقة بالشفافية والإفصاح وإدارة المخاطر.
ولفتت الدراسة إلى ان الأزمة ستفرز تغييرات كبيرة، من بينها زيادة الثقل الاقتصادي للأسواق الصاعدة، كما دعت إلى تأسيس شبكة أمان مالي، تتضمن أرساء أسلوب تأمين الودائع لتكمل وظيفة «المقرض الأخير» التي تنهض بها المصارف المركزية.
وتناولت الدراسة التي قام بإعدادها الدكتور ناصر السعيدي كبير الاقتصاديين في مركز دبي المالي العالمي أوجه تأثيرات الأزمة شارحة بأن الأزمة المالية العالمية ضرت منطقة الشرق الأوسط خاصة الخليج بحدة أقل مقارنة بالمناطق الأخرى في العالم، وهو ما يعود إلى قوة مقوماتها الاقتصادية الكلية، وانضباطها المالي، وضآلة حجم المنتجات والأوراق المالية المهيكلة، وربحية الأسواق المحلية، والخبرة المحدودة في إدارة المنتجات الاستثمارية المهيكلة، وتنامي أهمية المنتجات المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.
واستعرضت الدراسة الإجراءات التي اتخذتها دول المجلس لمكافحة الأزمة، حيث أشارت إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي قد تفاعلت حيال التجمد المفاجئ لأسواق الائتمان في سبتمبر الماضي، من خلال اتخاذ تدابير تستهدف معالجة مشاكل السيولة، وتقوية أسعار الأسهم المحلية.
وأضافت الدراسة أن هذه الدول تحركت على محاور متعددة، وتشمل اتباع سياسة نقدية متساهلة ضمن إطار الربط مع العملة الأميركية وانتهاج سياسة نقدية تركز على مواجهة تقلبات الدورات اقتصادية َُُِّّمْك؟كٌيكفٌ حَُمُّفْ؟ فَل نيَّكفٌ ، إلى جانب اتباع سياسات مالية ومصرفية تستهدف تقوية رسملة وتماسك المؤسسات المصرفية والمالية، وحققت هذه التدابير نجاحا ضخما في الحيلولة دون تصاعد الأزمة المالية وتفادي انتشار عدواها إلى المؤسسات المالية المحلية، وتميزت هذه التدابير بالفاعلية بوصفها تدخلا احترازيا.
وعلق الدكتور ناصر السعيدي كبير الاقتصاديين بمركز دبي المالي العالمي على توصيات الدراسة بقوله : ان هناك حاجة لصياغة وتأطير مجموعة من السياسات المتماسكة تتجه نحو تأسيس سوق مالي في منطقة مجلس التعاون الخليجي يماثل تلك الأسواق الموجودة في الدول المتقدمة، إلى جانب المشاركة في العمليات التي أطلقها اجتماع مجموعة العشرين في إبريل 2009.
وأضاف ناصر السعيدي قائلا : سلطت الأزمة المالية العالمية الضوء على نواحي ضعف الأنظمة المالية في الشرق الأوسط، خاصة منطقة الخليج، ويتطلب هذا الأمر اتباع نهجا شاملا ومتناغما، خاصة فيما بين دول مجلس التعاون الخليجي التي ترتبط مع بعضها البعض بسوق مشتركة.
وهي بصدد الارتباط بعملة خليجية موحدة، ويستلزم الأمر كذلك، الارتقاء بمكانة مقاييس المحاسبة الدولية إلى مصاف القيم والمبادئ التي تحكم عمل كافة المؤسسات الدولية، ويعد مركز دبي المالي العالمي المؤسسة الوحيدة التي تتبنى قواعد مجلس معايير المحاسبة الدولية، فضلا عن النظر إلى حوكمة الشركات على أنها مسألة حتمية، مع التركيز بشكل خاص على استقلالية مجالس الإدارات، والإشراف والرقابة، وحقوق المساهمين، والإفصاح والشفافية، وتفادي مكافأة المدراء الذين يتبعون أساليب المجازفة والمخاطرة.
وفي السياق ذاته، أكدت الدراسة أن الأسواق المالية في الأسواق المتطورة والصاعدة تمر بإصلاحات عميقة والتي من المحتمل أن تقود إلى أرساء إطار تنظيمي أكثر كفاءة وهندسة مالية أكثر تماسكا، ومن ثم، تحتاج حكومات دول مجلس التعاون الخليجي لتكون على ثقة بأن أنظمتها المالية لن تتخلف عن الركب، وهي بالفعل، تعمل على الاستفادة من هذه الأزمة لكي تمضي قدما.
ففيما يتعلق بالأشراف المصرفي، فقد بينت الخبرات المستقاه من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ضعف الجهات الإشرافية المجزئة، وبالتالي، فمن المرغوب، أن تمتلك الوحدة النقدية الخليجية سلطة إشرافية واحدة، فضلا عن تقوية تماسك الأسواق من خلال تأسيس شركات لضمان الرهون بغرض تخفيف المخاطر، ووضع الأساس التنظيمي والقانوني لتوريق الديون وتمويل المشروعات.
وأستدرك الدكتور ناصر السعيدي قائلا : تتطلب هذه المرحلة أن ينخرط مجلس التعاون الخليجي بنشاط في الشؤون الدولية، حيث ان الأزمة المالية العالمية الحالية ستفرز نظاما ماليا جديدا وما لذلك من انعكاسات عالمية، حيث ان الأزمة تعني للدول الصاعدة أن ثقلها الاقتصادي سيتزايد بشكل أكبر، كما أن دول مجلس التعاون الخليجي إلى جانب آسيا ستتعافى بوتيرة أسرع مقارنة بالدول المتقدة، كما أنه من المهم لدول مجلس التعاون الخليجي أن ترسي أنظمة للإنذار المبكر لتعقب مخاطر وقيود الأوضاع المالية، كما يجب على هذه الدول أن تستثمر بكثافة في مجال حوكمة الشركات للتعامل مع القضايا المتعلقة بالشفافية والإفصاح وإدارة المخاطر.
وأفادت الدراسة أن الأزمة المالية أظهرت أن التجزء والتشظي أعاق الجهات الإشرافية الوطنية في كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لواجباتها ومسئولياتها، وبالتالي، يكون من المرغوب فيه تأسيس سلطة إشرافية واحدة للوحدة النقدية الخليجية، وفي التوقيت ذاته، يجب أن يتسم الإشراف البنكي والترخيص العابر للحدود بالصرامة.
وخلصت الدراسة إلى أن الوقت قد حان لإرساء مؤسسات بإمكانها تقوية تماسك الأسواق، أخذا في الاعتبار الاستثمارات الضخمة في القطاع العقاري والبنى والتحتية عبر دول مجلس التعاون الخليجي.تأسيس شركات لضمان الرهن يمكن أن يخفف المخاطر. وضع الأساس القانوني والتنظيمي لتوريق الديون وتمويل المشروعات.
دبي ـ مجدي عبيد
