رأى مشاركون في ندوة عقدها صندوق النقد الدولي في مركز دبي المالي أمس أن صندوق النقد قد قدم تقديرات منقوصة لآفاق نمو الاقتصاد الإماراتي في عامي 2009 و2010، من خلال التركيز علي تأثير انخفاض أسعار ، وأوضحوا أن القطاع الغير النفطي يشهد نموا مؤثرا، كما أن الأجراءات والتدابير التي جرى اتخاذها لتطويق الأزمة المالية العالمية قد نجحت في الحد من تداعياتها.

وقال مسعود أحمد مدير إدارة الشرق الأوسط ووسط آسيا في صندوق النقد الدولي أنه جري تنقيح أرقام نمو الناتج المحلي لدولة الإمارات ، أسوة بمراجعة أرقام نمو الناتج المحلي لمختلف الدول، وبالتالي، فإن المسألة هنا لا تتعلق ببساطة بدولة الإمارات. وأضاف أنه ينبغي التعامل الحذر مع الأرقام المتعلقة بنمو الناتج المحلي الإجمالي في الإمارات أسوة بالدول الأخري المنتجة للنفط، حيث يمثل قطاع النفط عصب إقتصاديات هذه الدول، ومن ثم، يمكن رؤية تراجع في نمو الناتج المحلي بسبب تراجع أسعار النفط، ونحن رأينا تراجعا للنمو ناجما بصفة عن خفض الإنتاج النفطي، ورأينا كذلك بعض المؤشرات التراجع للقطاع الغير النفطي مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعود إلي تراجع النشاط الاقتصادي في قطاع العقارات.

نمو إيجابي ورد أحمد أبو غيدة مدير التخطيط الاقتصادي بالإنابة في دائرة التنمية الاقتصادية بأبوظبي قائلا إنه من المتوقع أن تشهد الإمارات نموا إيجابيا خلال العامين الجاري والمقبل، وارجع أسباب هذا النمو إلى اتباع إستراتيجية التنويع الاقتصادي وتنفيذ خطط ومشروعات استثمارية طموحة، فضلا عن تماسك الوضع المالي لإمارتي أبوظبي ودبي، والتفاؤل بشأن أسعار النفط، وأنه بمقدور إمارة أبوظبي تحقيق معدلات النمو المطلوبة. وأضاف أن الاقتصاد الإماراتي قد تطور على نحو فك الارتباط بين نمو الناتج المحلي الإجمالي وتطورات أسعار النفط، ولأجل هذا السبب، نحن متفائلون بشأن أفاق النمو الاقتصادي في الإمارات على المديين المتوسط والقصير. وأشار إلى أن الحكومة تحركت بسرعة وعلى نحو مباشر وفعال خلال الأشهر الماضية، وقد تمكنت بفضل السياسات التي انتهجتها من تجنب زعزعة إستقرار المالي، كما تمكنت من تحسين مستويات السيولة.

حيث تراجعت نسبة الودائع إلى القروض بشكل ملموس ومؤثر خلال الأشهر الأخيرة، ومن ثم، فإن الحكومة تعمل بشكل فعال وسريع لحماية السوق.وتابع حديثه بقوله: إن هناك قطاعات أخرى استراتيجية ستعطي قوة زخم للنمو الاقتصادي، ومن ثم، هناك زيادة في الإنفاق الرأسمالي، وتلك القطاعات تسهم في زيادة الناتج المحلي، وبالتالي لن يكون بمثابة مفاجأة إذا ما سجلت أبو ظبي نموا من رقمين في عامي 2010 و 2011. مواجهة التراجعات وأكد على قدرة الإمارات بشكل عام وإمارة أبوظبي بشكل خاص على تحمل التراجعات في أسعار النفط مشيرا إلى أن الأرقام الصادرة عن صندوق النقد الدولي بشأن نمو الناتج المحلي الإماراتي تعكس إعطاء الصندوق أهمية متزايدة تاثير التراجعات في أسعار النفط على النمو خلال السنوات القادمة، كما أن الصندوق ينظر إلى البيانات التاريخية، وذلك من خلال التركيز علي أوجه العلاقات بين أسعار النفط ونمو القطاعات الغير نفطية، بيد أن القطاع الغير نفطي في الإمارات يحقق نموا قويا، فإذا ما حدث تراجعا في أحد القطاعات، فإنه ليس بالضرورة أن ينتقل هذا التراجع إلي القطاعات الأخرى.

وقال الدكتور ناصر السعيدي رئيس الشؤون الاقتصادية في سلطة مركز دبي المالي العالمي أن أكبر تأثير علي نمو الاقتصاد ككل هو تأثير انخفاض سعر النفط، ولكن إذا ما نظرنا إرقام نمو القطاع غير النفطي، نجد أن هذه القطاعات مازالت تحقق نموا.

وأضاف أن توقعات صندوق النقد الدولي للربع الأخير من عام 2008 وعامي 2009 و 2010 كانت مبنية علي أساس أسعار نفط مرتفعة، بيد أن استمرار أسعار النفط عند مستوى 40 إلى 50 دولارا للبرميل، قاد إلى تغيير توقعات الصندوق لنسب النمو للاقتصاد الإماراتي في عام 2009، بينما إذا ما أخذنا القطاع غير النفطي، سيكون توقع نمو الناتج المحلي إيجابيا.

ولفت الدكتور ناصر السعيدي إلى أن السياسات المتبعة في الإمارات سواء فيما يتعلق بالسياسة النقدية أو المالية أو الاقتصادية قد أنطوت على تأثيرات إيجابية بالنسبة للإقتصاد ككل، حيث تم ضخ السيولة عن طريق التسهيلات الموضوعة من قبل المصرف المركزي، إضافة إلى ضمان الودائع، وكان لهذه التدابير أثر إيجابي، بإعادة ضخ السيولة وإعادة الثقة في عمل القطاع المالي والمصرفي، وهو ما قاد إلى تنشيط السوق الإئتماني وسوق بطاقات الإئتمان، كما تحقق المصارف أرباحا.

وقال إن الاقتصاد الإماراتي قد تجاوز المرحلة الصعبة، وباالتالي، فإن توقعاتنا لعام 2009 تتميز بالإيجابية، وانه لا يوجد أدنى شك أن القطاع المصرفي قادر على مواجهة مشاكل الحاضر، وكما زادت المخاطر عما كانت عليه في 2007 و 2008، زادت قدرة المصارف على مواجة هذه المخاطر.

قوتان متعارضتان

وتحدث مسعود أحمد مدير إدارة الشرق الأوسط ووسط آسيا في صندوق النقد الدولي عن آفاق الاقتصاد العالمي قائلا إن الرسالة الأساسية التي يطلقها الصندوق فيما يتعلق بالاقتصاد العالمي مؤداها أن الاقتصاد العالمي يخضع في الوقت الراهن لقوتين متعارضتين، إحداهما تدفع الاقتصاد نحو التراجع، والأخرى تدفعه إلى النهوض، شارحا بأن القوة التي تدفع الاقتصاد العالمي نحو التراجع تنبع من الأزمة المالية وما واكبها من ركود للنمو الاقتصادي، أما القوة الأخرى التي تحفز على نهوض الاقتصاد العالمي، فهي تنبع من مزيج من كافة السياسات التي تم إتخاذها في العام الماضي، حيث جرى العمل بكثافة على تنشيط النظام المالي، وهو ما واكبة، بداية عودة الإستقرار إلى أسواق الأسهم.

وأضاف أن عودة الاستقرار للاقتصاد العالمي ليس أمرا مسلما به، ولكنه يعتمد على التدابير التي سيتم اتخاذها، سواء من ناحية، تواصل الأفعال على صعيد الاقتصاد الكلي، وحل المشكل المتبقية والمتسببة في الأزمة المالية العالمية، كما أن البطالة ستتصاعد في عام 2010، وسنشهد كذلك المزيد من تعثر الشركات.

وقد توقع التقرير الصادر أمس عن صندوق النقد الدولي بعنوان «الآفاق الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا» أن يصعد نمو الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي في عام 2010 إلي 4 %، مقارنة بمعدل نمو نسبته 3, 1% في عام 2009، وتوقع كذلك نمو القطاع النفطي بنسبة 5, 3% مقابل نمو بالسالب نسبته -3, 4 % في عام 2009، كما توقع تحقيق القطاع الغير النفطي في دول مجلس التعاون الخليجي في عام 2010 نمو نسبته 9, 3 % مقابل معدل نمو نسبته 2, 3 % لافي عام 2009، وتوقع أيضا انخفاض معدل التضخم إلى 8, 4% في عام 2010 مقارنة بمعدل تضخم نسبته 3, 5 % في عام 2009.

تراجع النمو

وأوضح التقرير أنه من المتوقع أن تتراجع معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي لدول الشرق الأوسط المصدرة للنفط، حيث تقلص إنتاج دول أوبك من النفط كاستجابة من جانبها لتضاؤل الطلب على النفط، كما أدت خطط الحفاظ على معدلات الإنفاق العام إلى تلطيف حدة تراجع القطاع غير النفطي.

وقدر التقرير أن دول الشرق الأوسط المصدرة للنفط قد تأثرت بالأزمة المالية العالمية نتيجة للهبوط الحاد لأسعار النفط وتشدد شروط الائتمان، ولكنه أشار إلى أنه على الرغم من تراجع عائدات النفط، إلا أن معظم دول هذه المجموعة قد حافظت على مستوى إنفاق رأسمالي عال، وهو ما وفر قوة تحفيز مهمة للطلب العالمي، الأمر الذي انعكس على المراكز المالية الخارجية لهذه الدول، بتحولها من تسجيل فائض جماعي ضخم في العام الماضي قيمته 400 بليون دولار إلى عجز في عام 2009 قيمته 10 مليارات دولار.

ودعا التقرير إلي تنسيق السياسات فيما بين دول الشرق الأوسط المصدرة للنفط، خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، وتطوير إستراتيجية تتميز بالوضوح والفاعلية تشتمل على تدابير تسهم في تعزيز ثقة المستثمرين.

نتائج وتداعيات

تناول التقرير تداعيات تفجر الأزمة المالية العالمية بالنسبة لمجموعة دول الشرق الأوسط المصدرة للنفط، وذلك في النقاط التالية:

أولا ـ تراجع أسعار الأصول فمع نشوب الأزمة المالية العالمية، تصاعدت مخاطر القطاع المالي، حيث قامت البنوك خلال سنوات الطفرة بتقديم قروض ضخمة لقطاع العقارات وتمويل شراء الأسهم، بيد أن قيمة هذه الأصول قد هبطت بشدة.

وعلي نحو يعكس التزايد العام في المخاطر المالية، تزايدات بشدة هوامش القروض غسر المسددة على الدين السيادي، فضلا عن تزايد مخاطر تعديل سعر فائدة الديون الخارجية، إلى جانب الهبوط الحاد لأرباح المصارف، الأمر الذي ينطوي على تداعيات بالنسبة للاقتصاد الحقيقي، وعلى الرغم من محدودية انكشاف دول الشرق الأوسط المصدرة للأزمة المالية في الولايات المتحدة، إلا أن العملية العالمية لخفض الرافعة المالية قد أدت إلى تشدد حدة شروط الائتمان، وبشكل خاص بالنسبة للأنظمة الأكثر إندماجا في الأسواق العالمية، فعلا سبيل المثال، في مجلس التعاون الخليجي، تعتبر الدول الأكثر اعتمادا على الرافعة المالية وخطوط الئتمان الخارجية، هي الأكثر تأثرا بالأزمة.

ثانيا تصحيح أسعار العقارات: بدأت فعليا أسعار الأسهم والعقارات في دول مجلس التعاون حركة التصحيح في صيف عام 2008، وتصاعدت وتيرة التصحيح مع اشتداد حدة الأزمة المالية العالمية في سبتمبر 2008، ولكن شهد نهاية العام المذكور خروج رأسمال المضارب.

أسباب ومقدمات

تناول التقرير الوضع المالي والاقتصادي لدول الشرق الأوسط المصدرة للنفط قبل تفجر الأزمة المالية العالمية، شارحا أن هذه الدول حققت نموا قويا بمتوسط سنوي بلغ 5 % خلال الفترة 2005- 2008، وذلك بفضل أسعار النفط المرتفة.

والاهتمام القوي للمستثمر العالمي بالمنطقة، وقد أطلقت هذه الدول مشروعات استثمارية ضخمة من خلال ضخ الاستثمارات في قطاعات النفط والغاز والبنى التحتية، إلى جانب قطاع البيتروكيماويات والسياحة والخدمات المالية والتعليم، ونتيجة لذلك، نمت القطاعات غير النفطية خلال الفترة المذكورة بمتوسط بلغ حوالي 5, 6 % ، فضلا عن قيام هذه الدول بادخار جزء من عائدات صادراتها النفطية الضخمة.

وبالتالي، حقق ميزان حسابها الجاري الخارجي فائضا زاد علي 21 % من ناتجها المحلي الإجمالي، ومع الأخذ في الحسبان مثل هذه الظروف المواتية، بدت أنظمتها المالية متماسكة، بتحقيق مصارفها أرباحا ضخمة، وارتفاع معدلات كفاية رأسمال، وتدني مستويات القروض الرديئة.

ولفت التقرير إلى أن المصارف المركزية قامت بعمليات ضخ للسيولة على نحو مباشر، ورافق ذلك، إيداعات من جانب المؤسسات الحكومية، إلى جانب اتخاذ تدابير أخرى لتخفيف حدة أوضاع السيولة، إلا أن أسواق الائتمان مازلت متوعكة، عاكسة بذلك على نحو كبير حالة عدم اليقين التي تهيمن على الاسواق العالمية، حيث إن هناك بعض الدلائل التي تؤشر على أنه حتى بالنسبة للمستثمرين في المشروعات المربحة يجدون صعوبة في الحصول على التمويل.

سياسات التوازن

لفت التقرير إلى أنه على الرغم من تراجع العائدات، إلا أن دول الشرق الأوسط المصدرة للنفط حافظت على معدلات انفاقها المالي، وهو ما مكنها من استيعاب التداعيات السلبية للأزمة على أنشطتها الاقتصادية المحلية، فضلا عن دعم النمو على الصعيدين الإقليمي والعالمي، ومن ثم، هناك حاجة لوضع سياسات مالية توازن بين تعزيز الطلب المحلي والتأقلم مع مسالة تراجع العائدات.

حيث أعلنت السعودية خلال اجتماع مجموعة العشرين عن حزمة من التدابير للتحفيز الاقتصادي خلال عامي 2009 و2010، ووضعت خطة إستثمارية قيمتها 400 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، وعلى أية حال، فإنه يجب على الدول التي تملك هامشا ماليا كافيا أن تواصل العمل على تحفيز وتنشيط الطلب المحلي، ويجب أن يتركز الإنفاق علي الإستثمارات العالية الجودة.

كما يجب أن ترتكز قرارات توسيع الطاقة الانتاجية في قطاع النفط على نظرة طويلة الأجل بالنسبة لاتجاهات الطلب من أجل تقليل التقلبات في أسعار النفط، والإسهام في استقرار النظام الاقتصادي العالمي. وأضاف التقرير أنه بالنسبة للدول التي تملك حيزا ماليا محدودا، فإن أولويات الإنفاق يجب أن تركز على تحقيق إستدامة الوضع المالي، خاصة إذا ما ظلت الأسعار عند مستوياتها الحالية لفترة طويلة. وأوصى التقرير بأنه يجب أن تعمل دول الشرق الأوسط على تقوية الإشراف المالي وإدارة المخاطر من خلال اتخاذ التدابير المنوعة.

دبي ـ مجدي عبيد