أجمع خبراء واقتصاديون على أن اللجوء إلى المدخل العلمي السليم السبيل الأمثل لمواجهة تعثر الشركات العربية عبر معرفة وضعها الحالي وتصنيفه بشكل دقيق وأشار هؤلاء إلى عدم وجود اتفاق محدد على مفهوم تعثر الشركات حيث يختلف من شركة لأخرى ومن قطاع لآخر. وشدد آخرون على الشركات بتقليل التكاليف بهدف حماية ما تحققه من مكاسب ونمو واتخاذ عقلية الهجوم وان فترة الركود والانكماش لا تمثل تهديداً بل فرصة سانحة ومواتية يجب اقتناصها.
وفي السياق نفسه أكد طاهر حامد مستشار إعادة هيكلة الشركات المتعثرة بمجموعة الإمارات والسعودية أن الأزمة الاقتصادية الشرسة التي يواجهها العالم الآن مع ما يصاحبها من كساد اقتصادي وارتفاع لمعدلات التضخم في العالم بشكل عام وفي المنطقة العربية بنسب تختلف من دولة إلى أخرى حتمت على الشركات والمؤسسات العربية أن تواجه عنف وشراسة هذه الأزمة بدون الاستعداد الكافي لها مما قد يزيد كثيرا من احتمالات وقوعها في فخ التعثر. وان على الشركة التي تواجه أي درجة من درجات التعثر اللجوء إلى المدخل العلمي السليم لمواجهة التعثر عبر معرفة وضعها الحالي وتصنيفه بشكل دقيق من خلال الخبراء المتخصصين عن طريق تحديد المشكلات التي وصلت إليها وتعقب أسباب وجذورها ووضع الحلول والاستراتيجيات الإدارية والقانونية والمالية ومن ثم التمويلية الكفيلة بإخراجها من عثرتها وصولا حتى السيطرة على إدارتها لصالح مالكها أو الشركاء بها وتحولهم أحيانا إلى ملاك لا يديرون الشركة وتوفير الإدارة المتخصصة ذات المسؤولية القادرة على الخروج من التعثر ومن ثم تحقيق الأرباح والقيمة الاقتصادية المضافة لها.
وأشار حامد إلى انه لا يوجد اتفاق محدد على مفهوم تعثر الشركات حيث يختلف من شركة لأخرى ومن قطاع لأخر بل وداخل المنظمة الواحدة أحيانا فبينما ترى بعض الآراء العلمية أن التعثر المالي مرادف للتعثر الاقتصادي توجد آراء أخرى ترى أن التعثر المالي قد يختلف عن التعثر الاقتصادي.
ونوه حامد بأن إعادة هيكلة الشركات تقسم أربع فئات هي:
* الهيكلة الإدارية: يقصد بها معالجة أوضاع الشركة المتعثرة إداريا وذلك بطرق متعددة منها على سبيل المثال تطوير عمل مجلس الإدارة وإعادة توصيفه بما يتلاءم مع المفاهيم الحديثة لحوكمة الشركات وتوجيه عمله إلى اتجاهات ومفاهيم إدارة الأزمات وإدارة التغيير. كذلك الوضع في الاعتبار حل مجلس الإدارة وإعادة تشكيله أو تعريضه للمساءلة إن ثبت أنه كان السبب في تعثر الشركة وتنظيم وتطوير الجهاز التنفيذي للشركة وإعادة تنظيم وتأهيل القوى العاملة وتغيير الجهاز التنفيذي أو عزله أن كان هو المتسبب في أوضاع الشركة.
* الهيكلة المالية: تشمل إعادة تقييم الأصول وإعادة هيكلة الديون ومبادلة المديونية بالملكية وزيادة رأس المال ومن ثم محاولة زيادة التدفقات النقدية الداخلة وخفض التدفقات النقدية الخارجة.
* الهيكلة الاقتصادية: وتعدد حلولها في إعادة دراسة استراتيجيات الإنتاج لتحسين العمليات وخفض التكلفة التسويق لزيادة الفعالية التسويقية وخفض تكلفتها ومحاولة دفع المبيعات لخفض نصيب الوحدة من التكاليف الثابتة لخفض التكلفة الكلية وإعادة دراسة سياسات الأفراد والقوى العاملة لزيادة فعاليتها وخفض تكلفتها والتخلص من الأنشطة والمجالات غير الاقتصادية.
* هيكلة الحلول القانونية: من أهم مراحل التصحيح وتتمثل في تغيير شكل الشركة القانوني للشركة والاندماج والتحالفات الإستراتيجية والتأجير والبيع الجزئي أو الكلي (لمستثمر رئيسي للعاملين والجمهور والعملاء والدائنين) والمحاولات القانونية للحصول على الدعم الحكومي في حال وجود العجز المالي.
وفي السياق نفسه شدد خالد فرج السعيد العضو المنتدب والمدير العام لشركة أنظمة الكومبيوتر المتكاملة العالمية «آي تي أس» على الشركات بتقليل التكاليف بهدف حماية ما تحققه من مكاسب ونمو واتخاذ عقلية الهجوم وان فترة الركود والانكماش لا تمثل تهديدا بل فرصة سانحة ومواتية يجب اقتناصها.
وأضاف السعيد أن على المؤسسات التنبؤ بمسارات الأزمة واتجاهاتها ووضع خطة عمل تنفيذية ذات أولويات محددة والاستعداد لكل ما هو غير متوقع.
واعتبر أن فترات الأزمات والركود الاقتصادي لا تدوم إلى الأبد وعندما تنتهي تلك الأزمة فإن الشركات التي تعاملت معها بشكل إستراتيجي ستكون قد أصبحت في وضع أفضل يؤهلها لمراكز قيادية فيما بعد.
وقال: يجب تمهيد الطريق أمام الجيل التالي للتكنولوجيا وإجراء البحوث على عكس الذين قللوا من إنفاقهم لها والمحافظة على أمهر وأكفأ ما لديهم من الموارد البشرية وتنفيذ استحواذات إستراتيجية بالإضافة إلى زيادة الإنفاق على البحوث التطويرية بنسبة تراوحت بين 8 و9% من إجمالي المبيعات إن توفرت السيولة اللازمة لذلك.
ومن جهة أخرى أثنى السعيد على استخدام التكنولوجيا في تقديم وأداء بعض الخدمات الأساسية باعتبارها منظومة تقديم وأداء عدد من الخدمات الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها بدلا من النظر إليها كمجموعة أجهزة وبرمجيات.
وأشار عماد شهاب الأمين العام في الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة للبلاد العربية إلى أن على الأجهزة الدولية المعنية القيام بمعايير المحاسبة والعمل على تحسين التوجيهات بشأن تقييم الأوراق المالية ومع الأخذ بعين الاعتبار تقييم المنتجات المعقدة وغير السائلة وخصوصاً في أوقات الأزمات.
وقال: إن واضعي معايير المحاسبة يجب أن يعملوا لتطوير عملهم في مجال التعامل مع نقاط الضعف في معايير المحاسبة والإفصاح بالنسبة لآليات خارج الميزانية وأن على الجهات الرقابية وتلك المعنية بمعايير المحاسبة العمل من أجل تحسين الإفصاح المطلوب عن الأدوات المالية المعقدة من قبل المؤسسات والشركات لصالح المشاركين في السوق.
وأكد شهاب على ضرورة تطوير أسس الحوكمة لدى الجهات المعنية بوضع معايير المحاسبة من أجل ضمان درجات أكبر للشفافية والمحاسبة وعلاقة أكثر فعالية بينها وبين السلطات المعنية وعلى أجهزة القطاع الخاص التي طورت ممارسات أفضل بالنسبة لأطر تجميعية رأس المال الخاص أو صناديق التحوط أن تقدم اقتراحاتها بالنسبة لمجموعة موحدة من أفضل الممارسات في هذا المجال وعلى وزراء المالية تقييم مدى ملاءمة هذه الممارسات.
وأضاف: على الجهات الرقابية تبني توجيهات محسنة من أجل تقوية ممارسات إدارة المخاطر لدى المصارف بما يتناغم والمعايير الدولية الأمثل وتحفيز هذه المصارف على تطوير الرقابة الدافعية وسياسات معززة للإدارة السليمة للمخاطر.
وأفاد سعد البراك نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة «زين» الكويتية للاتصالات أن على المؤسسات الاقتصادية العربية أن تكون مؤهل لإعادة هيكلة الشركات ويجب التفريق بين الحرية الاقتصادية والسياسية وان تتخذ الحكومات دور المراقبة والتحفيز على أداء القطاعات الخاصة.
وأضاف البراك: يظل قطاع الاتصالات اقل القطاعات تأثراً بالانكماش الذي يواجه الكثير من القطاعات الأخرى فصناعة الاتصالات ستكون بمثابة المستقبل خلال الـ 20 عاماً المقبلة وخدمة الهاتف المحمول ستكون الخدمة التي تكتسح قطاع الخدمات في السوق العالمي نظرا لخصوصية «النقال» وملاءمته لمستخدميه، فالآن هناك نحو 5,3 مليارات شخص يستخدمون «النقال» أي أكثر من 50 % من سكان العالم. وأشار إلى ان هناك دول بعيدة عن الأزمة الاقتصادية ولم تتأثر نظراً لعزلتها عن بالاقتصادات العالمية.
تبني التغيير في إدارة المخاطر
أفاد بعض الخبراء أن الأزمة الاقتصادية التي يواجهها العالم وخصوصا في المنطقة العربية حتمت على الشركات والمؤسسات أن تواجه المصاعب التي خلفتها الأزمة دون الاستعداد الكافي لها مما زاد كثيرا من احتمالات وقوعها في فخ التعثر.
وفي السياق ذاته يشير آخرون إلى أن تلك الشركات ومن بينها مؤسسات كبرى لم تكن على دراية بالأزمة وهو حال معظمها. ما يثير التساؤلات وبالتحديد قبيل الأزمة: أين كانت إدارة المخاطر؟ وما هي جهودها في ذلك الوقت؟ ألم تعن تلك الإدارة بدراسة النتائج السلبية والاحتمالات المتوقع حدوثها وإن لم تتعد 1%؟
الوضع الحالي يؤيد معرفة أسباب التعثر ومن ثم البحث عن الحلول ووضع الاستراتيجيات. ولوضع الحلول الناجعة يجب التركيز في البداية على إدارات المخاطر السابقة للشركات والتعامل بكل شفافية مع النواقص وإعادة هيكلتها إن توجب ذلك تجنبا للوقوع في المخاطر المستقبلية بأكبر نسبة محتملة.
ومن جهة أخرى يتوجب على الجهات الرقابية تبني توجيهات محسنة من أجل تقوية ممارسات إدارة المخاطر لدى المصارف بما يتناغم والمعايير الدولية الأمثل وتحفيزها على تطوير الرقابة الدافعية والسياسات المعززة للإدارة السليمة للمخاطر وعليها تطوير وتطبيق إجراءات لضمان أنّ المؤسسات المالية تطبق سياسات أفضل لإدارة مخاطر السيولة والتأكد من أن المؤسسات المالية قادرة على تطوير عمليات تؤمن قياساً دقيقاً وشاملاً وآنياً لتركزات المخاطر عبر المنتجات والأسواق.
دبي ـ أبوبكر الشيزاوي

