ارتبطت المشاريع العمرانية والسياحية خلال الفترات الماضية بانها ذات تأثير سلبي على البيئة مع ما يصحب هذا العمران من تجريف للتربة والغبار الناتج عن الإنشاءات والضرر الذي يحدث الانسان نفسه وغيرها من الاثار التي دفعت الكثيرين من عشاق الطبيعة والمنظمات الاقليمية والعالمي إلى الدفع بتغيير هذه العادات ومحاولة ايجاد وسائل توازن بين الجانب السياحي والبيئي.
وهكذا بدأت تبرز تلك الاتجاهات العالمية نحو حماية الثروات الطبيعية بما فيها ثروات البحار والغابات والتي كانت هدفا لهجمات المستثمرين في قطاع السياحة وقد قوي ذلك الاتجاه بحيث ان حكومات كثيرة في العالم اليوم تتبنى هذا النهج وتفرض اجراءات مشددة على الاستثمار السياحي في الغابات او الشواطئ وظهرت بالفعل امثلة عملية ومشاريع كبيرة توائم بين المحافظة على البيئة سواء كانت برية او بحرية وبين الرفاهية والخدمات النوعية التي تقدم للسياح دون المساس بالطبيعة وتعزز اتجاه ما يعرف اليوم «بالسياحة البيئية». وفي قدمت طيران الإمارات انموذجاً ناجحاً في السياحية البيئية من خلال منتجع المها في وسط الصحراء دون الاخلال بالتوازن البيئية هناك حيث تكثر الغزلان وحيوان المها وسط تلك المحمية التي اقامت عليها المنتجع.
المها وفولجان فالي
سعت الإمارات إلى استنساخ التحربة الناجحة في منتجع المها خارج الدولة في استثمار ضخم في منتجع وادي فولجان في منطقة نيوساوث ويلز في استراليا الذي يعد احد الامثلة العملية نجاح السياحة البيئية وحماية الطبيعة.
والمشروع الذي يتوقع ان يفتتح في وقت لاحق من العام الجاري يحيط به متنزهين وطنيين بين جبال تلك المنطقة و تعيش الاف من الاحياء البرية من الحيوانات والطيور.ويقام الفندق على مساحة لا تتعدى 2 بالمئة فقط من اجمالي مساحة المحمية البالغة 4 الاف هكتار.
ولذلك عملت طيران الإمارات بجهد لاستخدام أفضل الاساليب لحماية للبيئة واعتماد مواد مستدامة فضلا عن الخبرات والمواد المحلية للتقليل من الاثار الناجمة عن البناء حتى ان موقع البناء تم عزله عن باقي مناطق المحمية اثناء عمليات الانشاء والبناء للحيلولة دون التأثيرات الضارة من الغبار ومواد البناء على المنطقة ككل بل تم إزالة آلاف الاطنان من مخلفات الاشجار بحيث تسمح بوجود مساحات كبيرة لقطاعات الكنغر للتجول بحرية.
لكن الانتهاء من اعمال البناء لا يعني التوقف عن الممارسات الهادفة إلى حماية الطبيعة وقد تم انشاء محطة صرف صحي ليعاد استخدام المياه واستخدامها في مجالات اخرى حتى لا تتسبب هذه المياه في تلويث نقاء تلك الجبال الزرقاء. وهذكا فان منتجع وادي فولجان سيجمع عند انجازه بين الفخامة والخصوصية وهو بنفس الوقت صديق للبيئة ويمكن لضيوف المنتجع القيام بالكثير من الممارسات البيئية مثل ركوب الخيل والمشي بين الاشجار والقيام برحلات عبر المنطقة ومشاهدة الحيوانات والطيور التي تعيش هناك بأمان دون ان تخشى سطوة الانسان.
وعموما فان الجانب البيئي كان حاضرا في مختلف مراحل المشروع حيث تتم اعادة استخدام المياه بعد معالجتها والطاقة النظيفة وفرض القيود الصارمة على ادارة المخلفات وتعمل طيران الإمارات بشكل حثيث مع السلطات المختصة لضمان استمار المحافظة على البيئة وحتى التراث المحلي وحماية مختلف انواع النباتات والحيوانات البرية المهددة بالانقراض مثل الكوالا.
جزيرة تيومان ومنتجع جايانا
تعتبر جزيرة تيومان ومنتجع جايانا في ماليزيا ضمن الأمثلة الأخرى على توجه صناعة السياحة للتقليل من الآثار الضارة على الطبيعة حيث أن بناء وانشاء المرافق والفنادق يمكن ان يتم دون الاعتداء على الجمال الاخضر وتدمير ذلك التوازن.
وتعد جزيرة تيومان واحدة من أجمل عشر جزر في العالم بمياهها الفيروزية الصافية والغابات الخضراء والبيئية البحرية الغنية.
وبرغم وجود المنتجعات والفنادق فيها إلا أن هناك انظمة بيئية صارمة تحكم عمل هذه المنشآت ولا يسمح باعمال الصيد الا وفق قواعد صارمة ويمنع تجريف او قطاع الأشجار بل وتفرض غرامات وملاحقات قضائية على المخالفين. منتجع جايانا البيئي في جزيرة جايا مثال حي آخر على ذلك التوجه.ويقع المنتجع وسط الغابات المطرية الماليزية الشهيرة وتم انشاء عدد من مشاريع الفنادق على هذه الجزيرة.
وإنشاء المنتجع جاء بهدف رئيس وهو المحافظة على الحياة المائية في الجزيرة التي تقدم للزوار فرصة فريدة لقضاء عطلة فاخرة وبنفس الوقت المساهمة في حماية الطبيعة هناك.وقام المنتجع بتاسيس مركز خاص للابحاث البيئية.
وبرغم تمتع غرف الفندق بجميع مستويات الراحة والرفاهية إلا أن البيئة تبقى حاضرة في هذا المنتجع الذي يضم مركزاً للأحياء المائية ويديره نخبة من الاختصاصيين في مجال الحياة البحرية الذين يعملون على سلسلة من البرامج لعل ابرزها استزراع فصائل الاسماك والاحياء البحرية في محاولة للتعويض عن الخسائر التي يسببها الصيد الجائر الممنوع قانونا ويمكن لضيوف المنتجع المشاركة في هذه البرامج في حال رغبتهم بذلك.
وقد استطاع العلماء هناك بفضل هذه البرامج انقاذ ملايين الاصناف البحرية من ان تصل إلى موائد العشاء في الفنادق او حتى الصيادين انفسهم الذين تنظم لهم برامج توعية حول عمليات الصيد وتعزيز الوعي البيئي لديهم. ويبقى المنتجع بعيدا عن هدير المحركات حيث يتم الوصول اليه عن طريق القوارب الخفيفة.
جزيرة السعديات
والمثال الآخر يتمثل في جزيرة السعديات التي تتبنى مشروعا وطنيا لحماية اشجار القرم في تلك المنطقة.وتؤكد الشيخة مهرة القاسمي مدير اول اتصالات في شركة التطوير والاستثمار السياحي ان المشروع الواعد سيضمن حماية كاملة لهذا النوع من الاشجار.
وتقول الشيخة مهرة إن جميع المشاريع التي يتم تنفيذها تخضع للمعايير البيئية التي تحددها الهيئات الرسمية في الدولة وبما يضمن المحافظة على الثروة الطبيعية. وتتمثل تلك الإجراءات إغلاق المنطقة التي يتم تنفيذ المشروع فيها والزام الشركات المنفذة بالتقليل من مستوى التلوث ومعالجة جميع انواغ المخلفات وفق أعلى المعايير التي تتطلبها حماية المكان.
وربما يتساءل البعض عن الجدوى الاقتصادية لهذا النوع من المشاريع لكن التجارب في كل من جزيرة تيومان ومنتجعات الإمارات في المها واستراليا اثبتت ان هناك جدوى اقتصادية عالمية والكثير من السياح بدا ينظر إلى الفنادق التي تقدم لهم خدمات اخرى غير الرفاهية والفخامة بل ان البعض والكثير يبحثون عن الطبيعة الخلابة التي تقدم لهم الهدوء والراحة وخلال سوق السفر ناقشت احدى الندوات واقع السياحة البيئية والدور الذي يلعبه الاستثمار السياحي في تعزيز حماية البيئة.
ودعت الندوة القائمين على هذه المشاريع إلى تقليل الآثار السلبية الناتجة عن مشاريع الاستثمار حماية للنواع الحيوية ومناطق الصيد ومناطق التربية والتكاثر خصوصا ان هناك مخاطر تبقى قائمة على التربة وخاصة تصلب التربة وهذا يحصل في مناطق الاستخدام الرئيسية وتآكل وانزلاق التربة ايضاً ممكن ان يستمر حتى بعد زوال المؤثرات وطرح الملوثات المتنوعة في التربة.
أما في الغطاء النباتي فالاستخدام المكثف في او حول مواقع التسهيلات يمكن ان يعطي نتائج سلبية على الغطاء النباتي ويمكن لوسائل الانتقال ان يكون لها تأثير سلبي مباشر على البيئة كقلع النباتات وانتقال الاعشاب.
وعلى المياه تكون المخاطر عند تزايد الاعتماد الجائر على المياه العذبة وطرح مياه الصرف الصحي او الفضلات في الانهار والبحيرات والمحيطات وطرح الزيت والوقود من السفن والمراكب والانبعاثات الملوثة من محركات آليات النقل التقليدية.
أما على الحياة البرية فقد يغير الصيد البري والمائي دنياميكية الجماعات وقد يعتمد الصيادون على ادخال انواع غريبة وزيادة الجماعات الحيوانية المستهلكة والازعاجات التي يسببها الزوار لكل الانواع بما فيها الانواع التي لاتجذب الزوار والتأشيرات السلبية الحاصلة على كافة الزمر الحية.
فوائد السياحة البيئية
وأكد المتحدثون في الندوة ان تطبيق المعايير البيئية في هذه المشاريع خصوصا في وجود المحميات الطبيعية يمكن ان يحقق مزايا عدة لعل ابرزها تعزيز الفرص الاقتصادية من خلال تزايد فرص العمل للسكان المحليين وبالتالي زيادة دخولهم وهذه امثلة مطبقة في جزيرة تيومان الماليزية حيث يتاح للسكان المحليين ادارة منشآت فندقية وتوفير فرص العمل لهم فضلا عن شراء المنتجات التي يصنعونها وتدريبهم في الممارسات البيئية .
كما تطلق هذه السياحة انواعا عدة من السياحة مثل المغامرات والتجول في الغابات وتمكين الموظفين من اكتساب مهارات جديدة وتزايد دعم المحميات الطبيعية والسكان المحليين ايضاً ورفع مستوى الوعي لديهم وهذا كله يعني ان هناك جدوى اقتصادية مباشرة وغير مباشرة لهذا النوع من السياحة حتى مع الزمن الذي تستغرقه للتنفيذ وهناك تجارب عملية في هذه المشاريع اثبتت جدواها الاقتصادية.
واخيرا فان اهتمام الحكومات والجهات الرسمية يضمن مزيدا من الحماية للبيئة وقد بادرت دول عدة بانشاء وزارات متخصصة للبيئة تروج لهذا النوع من السياحة بشراكة مع القطاع الخاص.
دبي ـ علي الصمادي

