أنت لا ترغب في الذهاب إلى العمل.. أو ربما تشعر بعدم الرغبة في الحياة أو حتى مشاهدة التلفزيون، ربما تعاني من العديد من المشاكل مع الجيران إذاً لا بد من أن تعرض نفسك على طبيب نفسي ليس لأنك تعاني من حالة مستعصية لا قدر الله ولكن لان كل هذه الأعراض تشير إلى بداية حالة من الاكتئاب قد تتطور إلى ما هو أكثر من ذلك إذا لم يتم علاجها.
ويقول د. طلعت مطر استشاري ورئيس قسم الأمراض النفسية بمستشفى عبيد الله برأس الخيمة إن مرض الاكتئاب من الأمراض التي يلعب فيها الاستعداد الوراثي جانباً كبيراً فهناك أشخاص معرضون للإصابة بالمرض أكثر من غيرهم ممن لديهم شعور بالانهزامية أو الاعتماد على الغير بالإضافة إلى عوامل أخرى تتعلق بالبيئة المحيطة بمريض الاكتئاب مثل كثرة الضغوط مع عدم القدرة على التنفيس بالإضافة إلى تعرض البعض لحالات من الاعتداء النفسي والجسدي خلال فترة معينة من حياتهم.
ويضيف ان الخلافات الزوجية هي احد أكثر الأسباب المؤدية للاكتئاب بالإضافة إلى مشاكل العمل أو الظروف المادية الصعبة وتعرض الإنسان لمشاكل صحية أو أمراض مزمنة بالإضافة إلى فقدان شخص عزيز أو نتيجة الحوادث أو الكوارث.
الجنس والسن
ويري د. طلعت أن النساء أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب من الرجال وتصل النسبة إلى الثلث للرجال والثلثين للنساء ويصيب المرض كافة الاعمار وان كان أكثر ظهوراً خلال الفترة من بداية العشرينات وحتى نهاية الخمسينات.
ويضيف ان زيادة النسبة لدى النساء تعود إلى كون ان المرأة لا تخجل من طلب المساعدة الطبية على عكس الرجال خاصة في المجتمعات الشرقية بالإضافة إلى أن الرجال لديهم وسائل وأدوات للتنفيس عن أنفسهم لا تتوفر للنساء من خلال تعاطي المكيفات أو تناول الكحوليات بالإضافة إلى أن التكوين السيكولوجي لدى المرأة يميل أكثر إلى التعبير عن المشاعر والمشاكل أكثر من الرجال.
الطبقات الاجتماعية
ويشير إلى أن كل الطبقات الاجتماعية عرضة للإصابة أو التأثر بالاكتئاب. وأن نحو ثلث الحالات المترددة على مراكز الرعايا الصحية الأولية هي حالات نفسية ولكنها تظهر في صورة أعراض أمراض عضوية وخصوصاً الآم الظهر والصداع والعضلات والمفاصل بالإضافة إلى الانتفاخ أما الثلث الثاني فان نصف معاناتهم تتمثل في الجانب النفسي والثلث الأخير هو الذي يعاني من أمراض عضوية فقط
السكري والاكتئاب
وقد أثبتت الدراسات أن المصاب بالسكري والذي يعاني من الاكتئاب يجد صعوبة في التحكم في مستوى السكر في الدم وقد أخضعت مجموعة من مرضي السكري مصابة بالاكتئاب للعلاج النفسي وقورنت بمجموعة أخرى لم تتلق العلاج نفسه أظهرت النتائج أن المرضي الذين تلقوا علاجاً للاكتئاب أكثر قدرة على التحكم في مستوى الجلوكوز في الدم. كما لوحظ ان المرضى الذين يعانون من السكر والاكتئاب أكثر قابلية للإصابة بالتهاب الأعصاب.
وبالنسبة لمرضى السرطان فقد أظهرت الأبحاث التي أجريت على مجموعة من النساء الذين يعانون من سرطان الثدي واخضعوا للعلاج النفسي ومجموعة أخرى لم تخضع للعلاج النفسي أن المجموعة الأولى عاشت فترة أطول بخمس سنوات عن السيدات المرضي الذين لم يتلقوا علاجاً نفسياً.
ويضيف ان مرضي القلب الذين يصابون بالذبحات الصدرية والأزمات القلبية ويعانون من الاكتئاب النفسي تكون احتمالات وفاتهم أكثر 6 مرات من الذين لا يعانون من الاكتئاب ولذا على طبيب القلب أن يدرك تماماً أهمية عرض المريض على طبيب نفسي لمراجعة الحالة.
ويوضح د. طلعت انه وفقاً لدراسة أجريت على عدد من المرضى وجد أن نحو 70% من الرجال الذين يعانون العجز الجنسي لا يصرحون للطبيب بحالتهم.
الانتحار اللامباشر
وحول كيفية معرفة مريض الاكتئاب يقول انه يجب على الطبيب العضوي ان يلاحظ عدة أمور من بينها اذا كان المريض يعاني من أعراض ومشاكل النوم لمدة أكثر من 15 يوماً متصلة أو لفقدان الشهية والشعور بالحزن الشديد بالإضافة إلى حالة من الإحباط واليأس والحساس بالذنب كما ينتاب المريض شعور بعدم جدوى أو قيمة الحياة، كما أن بعض المرضى يكون لديهم أفكار انتحارية ورغبة في الموت أو حتى في بعض الأحيان تمنى أن تصدمه سيارة.
كما يوجد بعض المرضى وبطريقة لاشعورية يحاولون الانتحار بطريقة غير مباشرة مثل مرضى السكري الذين يميلون إلى إهمال تناول الطعام أو العلاج أو مرضى الأمراض المزمنة الذين ينتابهم شعور داخلي بأنه لا فائدة من العلاج أو الحياة.
أكثر من 35 دواء
ويقول إن علاج الاكتئاب ينقسم إلى جزأين العلاج الدوائي أو الكيميائي ويتمثل في الأدوية المضادة للاكتئاب حيث ان المرض يؤدي إلى اختلالات كيميائية في الدماغ تقوم الأدوية بتصحيحه وهناك أنواع عديدة من الأدوية ولكنها تخضع لحالة المريض وسنه ووزنه وإذا ما كان يتعاطى أدوية أخرى أم لا حيث يوجد أكثر من 35 نوعاً من أدوية الاكتئاب وهناك محاذير لتناول أدوية الاكتئاب فمثلاً مرضي الجلطات والذين يتعاطون أدوية مسيلة للدم.
العلاج النفسي
ويمثل العلاج النفسي مرحلة أخرى من العلاج حيث يخضع المريض لعدة جلسات مع الطبيب وهناك أنواع من العلاج النفسي مثل العلاج المعرفي والسلوكي والتحليلي والعلاج الوجودي وفقاً لحالة كل مريض.كما يتم استخدام العلاج بالكهرباء من خلال جلسات محددة وهو نوع من العلاج الناجح جداً خصوصاً في حالات الاكتئاب الشديد.
ويحذر د. طلعت من أن الأطفال أيضا يمكن أن يعانوا من الاكتئاب خاصة هؤلاء الذين يعيشون في بيئات اجتماعية غير مستقرة أو داخل اسر تعاني من الخلافات بين الزوجين، أو هؤلاء الذين يتعرضون للضغوط في المدرسة.
ويؤكد على ضرورة متابعة الأم لأبنائها خاصة الذين يميلون إلى الانعزال وفقدان الشهية لتناول الطعام والأورق وحتى الأحلام المزعجة.
الظروف المعيشية السبب
ويرى ياسر عبد اللطيف «مقيم» أن الظروف المعيشية وانخفاض الدخل مع ارتفاع نفقات المعيشة تمثل احد أهم أسباب الإصابة بالاكتئاب بالإضافة إلى ضغوط العمل اليومية خاصة وان نفوس الناس لم تعد كما كانت من قبل. ويضيف ان الخلافات الزوجية والتي غالباً ما تكون بسبب مصاريف البيت والمدارس والترفيه عن الأبناء تشكل عبئاً نفسياً على الزوج الذي يفتقد في أحيان كثيرة إلى كلمة ثناء على «تعبه» أو مجهوده.
ويرى أن الاكتئاب لا يصيب إلا الرجال الذين لديهم إحساس عالي بالمسؤولية أما من هم على الجانب الآخر فليس لديهم ما يدعو للشعور بالاكتئاب على الإطلاق.
ويؤكد على أن الجانب الإيماني يلعب دوراً كبيراً في وقاية الإنسان من الاكتئاب أو الأمراض النفسية الأخرى لأنه طالما كان الإنسان قريب من الله ومحافظ على الصلاة والصوم وقراءة القرآن فأعتقد انه محصن ولاشك في بعض الأحيان يتغلب الشيطان على الإنسان فيشعر بالضيق والحزن لكنه سرعان ما يعود إلى الله وهو ما يجعل الإنسان يحافظ على توازنه النفسي
وحول ما إذا كان الرجال أم السيدات هم الأكثر عرضة للإصابة بالمرض يري انه لا فرق بين الاثنين وان كان الرجال أكثر عرضة للإصابة بسبب كثرة المشاكل والوجبات التي يجب عليهم القيام بها. ويضيف ان الإنسان هو طبيب نفسه لأنه الأجدر على تكييف أموره بالاضافة إلى ان المريض لايعلم انه مريض كما ان عزة نفسه تمنعه من الاعتراف بمرضه لذا لابد ان يقوم المحيطين به من أفراد الأسرة باستشارة الطبيب حتى دون علمه ومعرفة أسباب مرضه حتى لا تزداد حالته سوءاً.
وأضاف اننا نختلف عن المجتمعات الغربية التي تفتقد إلى الوازع الديني القوي والترابط الأسري والاجتماعي والدليل على ذلك أن نسبة الانتحار لدينا لا يمكن مقارنتها بالنسب في الغرب.
الغربة
فيما يري طه محمد أن الغربة والبعد عن الأهل وإقامة البعض دون زوجته وأولاده لا شك تؤدي إلى معاناة البعض وشعورهم ببعض التوترات النفسية كما ان البعض يعيش في حالة قلق حتى انه في بعض الأحيان يخشى البعض من الاتصالات التليفونية المفاجئة.
وأضاف ان الرجال أكثر عرضة للشعور بالاكتئاب من السيدات بسبب ظروف العمل كما انهم مسؤولون عن كل شيء في النهاية، وقال ان الغالبية العظمي من الشرقيين لايفضلون الذهاب إلى الطبيب النفسي ويمتنعون عن التصريح بمرضهم أو متاعبهم النفسية لانهم يرون ان هذا «عيب» ويفضلون العزلة. وأكد ان أفضل شيء للإنسان هو ان يتوجه إلى الله في حالة المعاناة من اي متاعب نفسية لان القرآن فيه شفاء للناس من متاعبهم النفسية والجسدية.
رأس الخيمة ـ عاطف حنفي
