أكد خبراء اقتصاديون أن اقتصاد الإمارات استطاع تشييد حائط صد قوي أمام الآثار المدمرة للأزمة المالية العالمية رغم تأثر الدولة بها باعتبارها لاعباً رئيسياً ومهماً في المنطقة.
وأعرب الخبراء عن اعتقادهم بأنه بالرغم من التداعيات السلبية للازمة المالية العالمية على معظم دول العالم الا ان الدولة تمكنت خلال الشهور الأخيرة من التعامل بحكمة وتوازن مع الأزمة مما عكس قوة اقتصاد الإمارات.وأشاروا إلى ان اكبر دليل على نجاح الدولة في مواجهة الأزمة استمرارية مشاريعها التطويرية في مختلف المجالات وعدم تأجيل اية مشروعات بل على العكس لوحظ ان هناك توجها لدى الجهات المسؤولة لتسريع خطى عمليات التطوير خلال المرحلة الراهنة للاستفادة من بعض الآثار الايجابية للازمة العالمية من خلال خفض تكلفة العقود الجديدة بمشاريع التطوير وتسابق الشركات العالمية والمحلية المتميزة للعمل ضمن مشاريع التطوير بالدولة وتوفر الأيدي العاملة مما يسهل زيادة معدلات الانجاز واختيار أفضل العناصر والكفاءات للتنفيذ. وقالوا ان محافظة الإمارات على هذه المعدلات من النمو يرجع إلى ملاءة الاقتصاد الوطني والإجراءات السريعة التي اتخذتها الحكومة وأعادت التوازن لبعض القطاعات التي واجهت صعوبات محدودة.
دعوات
يدعو رضا مسلم مدير عام شركة تروث للاستشارات الاقتصادية إلى إنشاء بنك للأصول السيئة يتحول إلى بنك للتسويات المحلية بعد انتهاء الأزمة تحت مظلة البنك المركزي يتم من خلاله تحويل الأصول السيئة من البنوك التجارية كافة وبالتالي تنقية ميزانيتها منها وعدم ظهورها.
وأشار إلى ان البنوك العاملة بالدولة يمكن ان تساهم في بنك التسويات وتكون مساهمة البنوك في رأس المال العامل لبنك التسويات المحلية بقدر نسبة المخصصات المحتجزة لمواجهة الأصول السيئة.
ويضيف ان مهمة بنك التسويات المحلية يمكن ان تتركز في تقديم تسهيلات وضمانات مصرفية سواء من قبل الحكومة الاتحادية أو الحكومات المحلية أو حتى من قبل المصرف المركزي بما يحقق الأغراض من تنقية ميزانيات البنوك التي تأثرت بالأزمة وذلك لمدد زمنية يحددها كل بنك على حدة.
كما يقترح إنشاء مركز للإنذار المبكر في مصرف الإمارات المركزي و في أسواق الأوراق المالية في أبوظبي ودبي وفي هيئة سوق الأوراق المالية والسلع يختص بمراقبة الأسواق المحلية والمالية والإقليمية والدولية ووضع خطوط حمراء إذا تم الاقتراب منها يتم إطلاق إنذار بأن هناك حدثا خطيرا سوف يقع ومن ثم يتم اتخاذ الإجراءات المناسبة لمواجهة هذا الحدث المتوقع وقوعه.
ويدعو كذلك لإنشاء مؤسسات تصنيف محلية وإقليمية يمكن ان تكون تحت مظلة الأمانة العامة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
ويقول مدير عام شركة تروث للاستشارات الاقتصادية ان العالم يمر الآن بأسوأ وأقسى أزمة مالية وكثرت الأحاديث والتحليلات والمقالات الاقتصادية والمالية من قبل المتخصصين عن الأسباب والمسببات لهذه الأزمة وحاول البعض تقديم الحلول اللازمة للخروج منها في أقرب وقت ممكن فضلاً عن الجهود الهائلة التي تبذلها حكومات دول العالم لتضخ مليارات الدولارات بغير طائل لتخفيف وطأة هذه الأزمة.
النشاط الاقتصادي
بقراءة لتداعيات هذه الأزمة يقول رضا مسلم انها أصابت قلب (مركز) النشاط الاقتصادي العالمي فالقطاع المالي والمصرفي كأحد أهم قطاعات النشاط الاقتصادي هو القطاع الوحيد الذي يمتلك علاقات مباشرة وخطوطا ممتدة مع جميع قطاعات النشاط الاقتصادي فهو يؤثر ويتأثر مباشرة بتلك القطاعات فمثلاً القطاع الصناعي لا يتأثر بالقطاع العقاري إلا بالقدر الذي تتشابك فيه العلاقات والخطوط مع بعضها عكس القطاع المالي والمصرفي الذي يؤثر في جميع القطاعات.
ويوضح ان الإعلان عن الأزمة المالية العالمية كان له وقع التسونامي الذي اجتاح دول جنوب شرق آسيا بلا رحمة مخلفاً وراءه ألاف الضحايا ومليارات الدولارات من الخسائر فانهارت القطاعات الاقتصادية بشكل متسارع وأولها القطاع العقاري بالولايات المتحدة الأمريكية فيما عرف بأزمة الرهن العقاري وارتبكت الحكومات ولم تع حتى هذه اللحظة ما حدث ولم تقو على مواجهته ومعرفة أسبابه وبالتالي وضع الحلول والخطط من أجل الخروج بأسرع ما يمكن والتخفيف من آثاره المدمرة.
اجراءات
فيما يتعلق بالإجراءات التي يمكن اتخاذها للتخفيف من أثار الأزمة المالية العالمية ومحاولة تقديم حلول لها يرى مدير عام شركة تروث للاستشارات الاقتصادية انه يجب توحيد كافة الجهود المبذولة من قبل حكومات دول العالم لتكون تحت مظلة الأمم المتحدة وليس عن طريق دول بعينها كدول مجموعة العشرين أو جنوب شرق آسيا أو أمريكا اللاتينية.
وأشار إلى انه على الدول التي لديها المقدرة أن تنشأ بنك للتسويات يمول عن طريق الحكومات والبنوك المركزية لشراء الأصول السيئة والمبالغ في قيمتها من البنوك ومؤسسات القطاع المصرفي وتنقية ميزانيتها من هذه الأصول وإصلاح نظم الرهن العقاري وتقديم تسهيلات وضمانات للقطاع المصرفي واستحداث آليات جديدة لإصلاح النظام المالي الدولي وإصدار تشريعات جديدة لعمل تنظيم آليات الأسواق المالية العالمية وإنشاء مراكز للإنذار المبكر وإعادة هيكلة الشركات العملاقة وحمايتها من الانهيار والإفلاس.
سيأتي الحل عندما يعود الفيل. .فأراً..!!
من ابرز الأسباب التي أدت إلى الأزمة العالمية التوسع غير المنطقي في المشتقات المالية واستحداث الكثير منها والتي بدأتها البنوك والصناديق والمؤسسات المالية بالولايات المتحدة الأمريكية رغماً عن العالم وأنشأت عن قصد أو دون قصد أسواقاً موازية لتداول هذه المشتقات بعيداً عن الأسواق (البورصات الرسمية) شبه المنضبطة .
والتي تخضع لقوانين واليات يمكن السيطرة عليها ووصل الأمر درجة أن يتم تدوير ( تظهير) هذه المشتقات وغيرها كالعقود (خاصة العقارية) وأية أوراق مالية أو تجارية أخرى وخلق ائتمان هائل لا يتناسب مع إمكانيات الأسواق المالية العالمية ولا قبل لها على تحمله وخلقت من الفأر فيلاً وصدقّ العالم نفسه وأصبح يحمل وينمو في وهم اسمه التوسع الائتماني المغرق وهو الفرق بين الفيل والفأر.
ويرى رضا مسلم ان انه من الأسباب التي فاقمت الأزمة غياب الرقابة الحكومية والرسمية على أداء القطاع المصرفي والمالي والأسواق المالية والالتزام بالآليات القانونية والتشريعية المسموح بها والسماح للجميع بالانجرار وراء كبار المديرين التنفيذيين المسؤولين مسؤولية مباشرة عن الخروج السافر عن القواعد والقوانين المنظمة للقطاع المالي وإيهام العالم بالأدوات الجديدة التي استخدموها في دفع النمو في الولايات المتحدة إلى آفاق غير مسبوقة ضاغطةً على دول العالم بمشتقات مالية خلقت هالة هائلة من الائتمان وتضخمت قيم الأصول متجاوزة قيمتها الحقيقية والعادلة آلاف المرات.
ويقول «ان هؤلاء المديرين كانوا سبباً مباشراً لهذه الأزمة وينطبق عليهم أراء بعض الخبراء بأن هناك مؤامرة كبرى لالتهام مكتسبات وثروات دول العالم النامي خاصة الدول العربية والخليجية تحديداً كما يمكن وصفهم بمن حضر العفريت ولم يستطع صرفه..».
ويرى ان من هذه الأسباب أيضا تضليل شركات التصنيف العالمي سواء عن قصد أو غير قصد أو عن عدم كفاءة وعدم قدرتها على التقييم السليم والصحيح للشركات والمؤسسات والبنوك وحتى الدول مؤكدا أنه لا يمكن لأي خبير أو متخصص أو مستشار تحديد وقت أو زمن معين لانتهاء هذه الأزمة». وقال «الأزمة ستحل تلقائياً حينما يعود الفيل إلى حجمه الطبيعي ليكون فأراً».
*****************
بنك التسويات.. دعوة تستحق الدراسة..
لا شك ان الدعوة لإنشاء بنك للأصول السيئة يتحول إلى بنك للتسويات المحلية بعد انتهاء الأزمة المالية يتم من خلاله تحويل الأصول السيئة من البنوك التجارية كافة وتنقية ميزانيتها منها..
دعوة تستحق الدراسة وبحث إمكانية ليس على مستوى الإمارات فحسب ولكن على المستوى الخليجي والعربي أيضا. وقبل اندلاع الأزمة شهدت عمليات الائتمان والتمويل تطورًا هائلاً بالمنطقة مما جعل الكثير من الأصوات تطالب بضرورة ضبطها إلا أن هذه الأصوات تخافتت نتيجة للأرباح الكثيرة بين أيدي الناس دون إنتاج حقيقي وما إن حدثت الأزمة المالية حتى تعالت الأصوات تطالب بضرورة إيجاد حل لها.
كما ان هناك بعض المؤسسات المالية خارج نطاق الجهاز المصرفي أو البورصات ولكنها تعمل في الأنشطة المالية مثل شركات الرهن العقاري أو شراء الديون والاتجار فيها وكلها تحتاج أن تخرج من دائرة آلية سعر الفائدة وأن تعتمد على نظام المشاركة وعمليات توريق الديون التي تعتبر محور عملها وهى أيضا التي كانت سببا مباشرة في الأزمة المالية في أمريكا والغرب.
ويجب ان يستوعب القائمون على العمل المصرفي والمالي بالدول العربية درس الأزمة المالية ويتعلموا جيدا من فصوله.. ومطلوب بناء نموذج اقتصادي تنموي حقيقي يناسب خصوصية منطقتنا وظروفها ويتميز بالاستقلالية وعدم الارتباط الوثيق باقتصادات الدول الصناعية التي لا تخلو من كبوات تكون في معظم الأحيان مدمرة.
وعند بناء النموذج الاقتصادي التنموي المستقل يجب الاستفادة من خبرات الآخرين وأن تقام علاقاتنا مع الخارج في ضوء تبادل المصالح وليس في ضوء التبعية وهذا يتطلب إجراء إصلاحات حقيقية لمؤسساتنا المالية والنظر إليها على أن عملها مكمل لدور المؤسسات الإنتاجية ولا تعمل بمعزل عنها.
عبدالفتاح منتصر

