أكد صندوق النقد الدولي في أحدث تقرير له أن الركود الاقتصادي أحكم قبضته على أوروبا بعد انكماش الاقتصاد الألماني وهو أكبر الاقتصادات الأوروبية بنسبة 5. 6% من إجمالي الناتج المحلي مما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة. وقلص الصندوق توقعاته بشأن نمو اقتصادات منطقة اليورو خلال العام الحالي بمقدار نقطة مئوية إلى 2. 4%. وحذر الصندوق من أن التدهور الذي تعرضت له سوق العقارات الأميركية خلال الأعوام الماضية ليس نهاية المطاف وأن السوق مازالت عرضة لمزيد من التراجع.

وقال الصندوق انه عدل تنبؤاته بالنقصان لان أسواق المال من المحتمل فيما يبدو أن يستغرق عودتها إلى الاستقرار وقتا أطول مما كان يعتقد بادئ الأمر. وذكر الصندوق إن المؤسسات المالية في شتى أنحاء العالم تواجه خسائر قد تصل إلى 1. 4 تريليونات دولار. وقال إن البنوك ستحتاج على الأرجح إلى جمع 875 مليار دولار من رؤوس الأموال الجديدة. وشدد الصندوق على إثبات الموثوق لخسائر الأصول المتراجعة القيمة هو الركيزة الأساسية لأية تسوية للأزمة المالية. وطالب في هذا الإطار الحكومات بضرورة وضع منهجيات مشتركة تطلع بمهمة إجراء تقييم واقعي للأدوات الائتمانية والتعامل مع الأصول الرديئة للبنوك بشفافية كاملة.

البلدان الكبرى

وقلص الصندوق تنبؤاته للنمو الاقتصادي لكل بلد من البلدان الكبرى في العالم وحث الحكومات على اتخاذ إجراءات فعالة لتحقيق انتعاش الاقتصاد العالمي من كساد حاد. وقال الصندوق انه من المحتمل أن ينكمش الاقتصاد العالمي بنسبة 3. 1% هذا العام مسجلا اشد كساد حتى الآن بعد الحرب العالمية الثانية. ومن المتوقع ان يعاود النمو الظهور بمعدل بطيء 9. 1% العام المقبل لكن الانتعاش سيتوقف على إجراءات فعالة وقوية لإصلاح النظام المالي. وقال اوليفييه بلانشار كبير الاقتصاديين في الصندوق إنه كلما طال التباطؤ في اتخاذ قرارات طال الكساد واشتد.

وقال الصندوق في توقعاته الاقتصادية الجديدة إن الإجراءات الحكومية لمكافحة الكساد يجب المحافظة عليها إن لم يتم تعزيزها في عام 2010. وحذر من أن الرجوع السابق لأوانه عن إجراءات التحفيز قد يكون نكسة للانتعاش. وقال إن أسعار الفائدة في الاقتصادات الكبرى المتقدمة من المحتمل خفضها أو أن تبقي قريبا من الصفر وانه يجب على السلطات أن تسارع إلى خفض أسعار الفائدة كلما سنحت فرصة لتيسير الائتمان.

مخاطر التحمل

وبالنسبة لأوروبا أشار تقرير الصندوق إلى المخاطر التي ينطوي عليها تحول الأزمة الاقتصادية سريعا إلى أزمة في سوق العمل الأوروبية حيث من المنتظر ارتفاع معدل البطالة في منطقة اليورو التي تضم 16 دولة إلى 1. 10% خلال العام الحالي قبل أن تصل إلى 5. 11% خلال العام المقبل. ويأتي هذا رغم خطط التحفيز الاقتصادي الضخمة التي تنفذها الحكومات الأوروبية ولجوء العديد من الشركات في مختلف أنحاء أوروبا إلى تقليل عدد ساعات العمل والأجور للعمال كبديل لتسريح أعداد كبيرة منهم في ظل الأزمة. وكان معدل البطالة في منطقة اليورو خلال العام الماضي 6. 7%.

وقال يورج ديكرسين الخبير الاقتصادي في الصندوق إن منطقة اليورو ستخرج من الأزمة الاقتصادية الراهنة في وقت ما بعد خروج الولايات المتحدة منها لآن خطط التحفيز الاقتصادي في أوروبا بدأت بعد خطط التحفيز الأميركية. ويتوقع الصندوق انكماش الاقتصاد الألماني خلال العام الجاري بنسبة 6. 5% حسب توقعات صندوق النقد الدولي بينما تصل هذه النسبة إلى 6% بحسب توقعات مؤسسات ألمانية متخصصة في الاقتصاد.

توقعات متشائمة

وفي ضوء التوقعات المتشائمة للصندوق وعدد من المؤسسات الألمانية المتخصصة في الاقتصاد بشأن النمو الاقتصادي تحدثت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عما أسمته بالتراجع الاقتصادي الصعب الذي سيشهده الاقتصاد الألماني بسبب الأزمة العالمية. غير أن ميركل قالت إن الإجراءات التي اتخذتها حكومتها لإنعاش الاقتصاد الألماني حظيت بالاحترام على المستوى الخارجي. ومن المتوقع أن ينكمش الاقتصاد الألماني خلال العام الجاري بنسبة 6. 5% حسب توقعات الصندوق بينما تصل هذه النسبة إلى 6% بحسب توقعات مؤسسات ألمانية متخصصة في الاقتصاد.

وأعلنت ميركل في أعقاب اجتماع لها ضم مسؤولين عن القطاعين الاقتصادي والمصرفي وممثلين عن النقابات أن مسؤولية التغلب على الأزمة المالية صارت واضحة لكل المعنيين. ورفضت ميركل المطالب بطرح برنامج ثالث لتحفيز الاقتصاد وهو نفس الرأي الذي تبناه كل من كارل تيودور تسوجوتنبرج وزير الاقتصاد وبيير شتاينبروك وزير المالية حيث يرون أن الخطوات التي اتخذتها الحكومة الاتحادية حتى الآن تسير بشكل صحيح وبدأت تؤتي ثمارها.

وكانت الحكومة الألمانية أقرت منذ بداية الأزمة المالية العالمية برنامجين لتحفيز الاقتصاد بقيمة تزيد على 80 مليار يورو. وفي الإطار نفسه توقعت الحكومة الألمانية انكماش اقتصاد البلاد خلال العام الجاري 2009 بنسبة 5% من إجمالي الناتج المحلي. وقال وزير المالية بيير شتاينبروك إن انكماش الاقتصاد بنسبة 5% على الأقل لم يعد من الأمور غير المستبعدة.

الشرق الأوسط

وبالنسبة للشرق الأوسط أكد الصندوق أن التراجع الحاد لأسعار النفط العالمية منذ أواخر العام الماضي أضر بشدة باقتصادات دول الشرق الأوسط وتوقع انخفاض معدل النمو خلال العام الحالي إلى 5. 2% من إجمالي الناتج المحلي مقابل 6% العام الماضي.

وأشار الصندوق إلى أنه مع الأزمة المالية العالمية تراجعت أسعار العقارات في منطقة الشرق الأوسط وانخفضت أسعار الأسهم وتراجعت وتيرة نمو الصادرات وانخفضت تحويلات العاملين في الخارج وإيرادات السياحة في مصر والأردن ولبنان. لكن الصندوق قال إن الإنفاق الحكومي الضخم الناتج غالبا عن العوائد الضخمة للصادرات النفطية خلال السنوات الماضية ساعد في إبعاد اقتصاديات المنطقة عن الركود الذي أصاب أغلب مناطق العالم.

وأشاد الصندوق بتعامل حكومات المنطقة مع الأزمة مما ساعد في تخفيف حدة التراجع الاقتصادي الناجم عن انخفاض أسعار النفط والصادرات. في حين يتوقع البنك أن تعاني لبنان وهي من الدول غير النفطية في المنطقة من تراجع حاد في وتيرة النمو بسبب تراجع تحويلات العاملين في منطقة الخليج. كما أشار التقرير إلى التراجع المنتظر لمعدل التضخم في المنطقة ككل بسبب انخفاض أسعار السلع وإيجارات العقارات وتباطؤ النشاط الاقتصادي.

ومن بين المخاطر المحتملة التي حذر منها الصندوق تراجع الإنفاق العام في الدول النفطية نتيجة تراجع أسعار النفط خلال العام الحالي وهو ما يهدد آفاق النمو في المنطقة ككل. كما حذر الصندوق من أن استمرار الركود العالمي سوف يؤثر سلبا على صادرات المنطقة ونشاط قطاع السياحة وتحويلات العاملين في الخارج.

وأشار الصندوق إلى تحركات الحكومات الحاسمة لمنع وقوع أزمة في القطاع المصرفي من خلال ضخ أموال إلى البنوك التي تواجه نقصا في السيولة النقدية. وقال التقرير إن الدول ذات أسعار الصرف المقيدة وهي الإمارات والبحرين والكويت والسعودية وليبيا وسلطنة عمان وقطر وسوريا استفادت من الزيادة التدريجية في تدفق الائتمان في الولايات المتحدة.

أسعار العقارات

ويتوقع الصندوق تراجع أسعار العقارات الأميركية بنسبة تتراوح بين 10 و15% أخرى قبل أن تعاود الارتفاع. وتضاف هذه النسبة المتوقعة إلى نسبة 20% كانت الأسعار قد فقدتها خلال العامين الماضيين وهو ما أدى إلى إطلاق موجة من الإفلاس بين أصحاب العقارات الذين اشتروها بقروض عقارية عجزوا عن سداد أقساطها. وكانت أزمة قطاع العقارات الأميركي هي الشرارة التي فجرت الأزمة المالية العالمية التي تحولت إلى أسوأ أزمة اقتصادية يتعرض لها العالم منذ الكساد الكبير في ثلاثينات القرن العشرين.

وتكبدت البنوك الأميركية أكثر من تريليون دولار خسائر نتيجة أزمة قطاع العقارات. وفي الوقت نفسه يتوقع الصندوق انكماش الاقتصاد الأميركي بنسبة 8. 2% خلال العام الحالي ثم نموا بمعدل صفر في المئة العام المقبل. ويعاني الاقتصاد الأميركي وهو أكبر اقتصاديات العالم من الركود منذ ديسمبر 2007. ورغم ظهور بعض المؤشرات الإيجابية على وصول الاقتصاد الأمريكي إلى نهاية مسيرة التراجع استبعد شارلز كولينز المحلل الاقتصادي في الصندوق بدء تعافي الاقتصاد الأميركي قبل منتصف العام المقبل.

القارة السمراء

وفي سياق متصل قال البنك الدولي ان تأثير الازمة المالية قد يكون أعنف كثيرا في افريقيا منه في الاقتصادات المتقدمة نظرا لان تراجع مستويات الدخل يزج بالاسر تحت خط الفقر. وكان من المتصور في البداية أن افريقيا بمعزل جزئيا على الاقل عن الازمة بفضل عزلتها النسبية عن النظام المصرفي العالمي ولكن اتضح الان أن من شأن تأثير تراجع المعونات والاستثمارات والتحويلات من الخارج وعائدات التصدير أن يضر بشدة بأفقر قارات العالم.

وقال شانتا ديفاراجان كبير الاقتصاديين المختصين بشؤون افريقيا في البنك إن من شأن انخفاض النمو بواقع نقطتين أو ثلاث نقاط مئوية أن يكون له اثار كارثية في بلد فقير بالفعل. واضاف انه في بريطانيا حيث اذا ينتظر أن ينكمش الاقتصاد بنسبة 5. 3% هذا العام كانت الاثار الرئيسية للازمة هي تراجع انفاق المستهلكين والحجز على مساكن وفقدان وظائف أما في افريقيا فان تراجع الدخل يمكن أن يصبح مسألة حياة أو موت.

وأعلن البنك الدولي وبنك التنمية بين الأميركيتين ومؤسسات مالية إقليمية أخرى في بيان مشترك تقديم ما مجموعه 90 مليار دولار خلال العامين المقبلين إلى دول أميركا اللاتينية. وجاء في البيان أن البنك الدولي مستعد لتقديم 5. 36 مليار دولار أما بنك التنمية بين الأميركيتين فأكد جاهزيته لتقديم 5. 29 مليار دولار بينما ستقدم مؤسسة الانديز للتنمية 20 مليار دولار. ويضاف إلى هذه الأموال 2. 4 مليارات دولار مقدمة من بنك أميركا الوسطى للتكامل الاقتصادي و500 مليون دولار من بنك تنمية الكاريبي.

وتأمل المؤسسات المساهمة من خلال هذه الأموال رفع مواردها المرصودة لدول المنطقة المتضررة من الأزمة المالية التي حدت من الموارد المالية لهذه الدول في الأسواق المالية العالمية. ويأتي هذا الإعلان بعيد المخاوف التي أعرب عنها عدد من الاقتصاديين والتي تؤكد أن أميركا اللاتينية التي لا ينظر إليها على أنها المنطقة الأكثر تضررا بالأزمة المالية قد تواجه صعوبات في إيجاد التمويلات اللازمة لها من المؤسسات المالية.

(الوكالات)