بددت البيانات الاقتصادية الصادرة أمس موجة التفاؤل بشأن الاقتصاد العالمي. ورفض العالم الأميركي البروفسور بول كروغمان الحائز جائزة نوبل للاقتصاد عام 2008 ما سماها بتكهنات بعض المتفائلين بحصول انتعاش اقتصادي. وقال إن مسألة التحكم في الدين العام ستكون العنصر الأساسي الذي سيوجه الاقتصاد العالمي في الفترة المقبلة. وأشارت بيانات صدرت أمس عن معهد الدراسات المالية إلى أن الدين العام في بريطانيا سيرتفع بمعدل 70% من الناتج المحلي الإجمالي.

مؤشر الاقتصاد الأميركي

سجل المؤشر الرئيسي للاقتصاد الأميركي تراجعا ملحوظا خلال مارس الماضي الأمر الذي يؤكد أن الركود الذي يعاني منه الاقتصاد الأميركي منذ حوالي 15 شهرا سوف يستمر طوال العام الحالي تقريبا. وتراجع المؤشر الاقتصادي الرئيسي لمعهد كونفرانس بورد للدراسات الاقتصادية ومقره نيويورك بنسبة 3, 0% خلال مارس الماضي بعد تراجعه خلال فبراير الماضي بنسبة 2, 0%.

وجاء التراجع بسبب انخفاض عدد تصاريح البناء وتراجع أسعار الأسهم مقابل ارتفاع ثلاثة من المؤشرات العشر التي يكون منها المؤشر الرئيسي لمعهد كونفرانس بورد.

وجاءت بيانات المؤشر في الوقت الذي كانت الأسابيع القليلة الماضية قد شهدت صدور بيانات في قطاعات الإسكان والبنوك والتصنيع تشير إلى احتمالات تحسن أداء الاقتصاد الأميركي. وقال كين جولدشتاين المحلل الاقتصادي في بورد كونفرانس إن هناك بعض المؤشرات الدالة على التحسن خلال إبريل الحالي لكنها ليست كافية للقول إن الركود في طريقه إلى النهاية. وأضاف في بيان أن الركود الاقتصادي قد يستمر خلال الصيف الحالي وإن كان بوتيرة أقل.

ودعا الرئيس الأميركي باراك أوباما في أول اجتماع لحكومة إدارته إلى خفض الانفاق وتوفير 100 مليون دولار من الميزانيات الوزارية خلال الثلاثة أشهر المقبلة.

وقال البيت الأبيض أن أوباما سيطلب من حكومته توفير 100 مليون دولار من ميزانية الوزارات خلال 90 يوما من بينها التحرك باتجاه أنظمة التسجيل الإليكترونية والحد من تكاليف توسعة المكاتب والسفر. ومن المتوقع أن تتجاوز الميزانية الاتحادية 8, 1 تريليون دولار هذا العام أي بزيادة أكثر من 13% عن الناتج الاقتصادي الأميركي وفقا لإحصاءات مكتب الميزانية بالكونجرس حيث تواجه الولايات المتحدة أسوأ أزمة اقتصادية منذ عقود.

بيانات حكومية متشائمة

في ألمانيا ذكرت صحيفة ان الحكومة الالمانية ستقلص توقعاتها الاقتصادية لعام 2009 وستتوقع انكماشا بنسبة 5% في الناتج المحلي الإجمالي. وفي آخر توقع حكومي للناتج المحلي الإجمالي تنبأت الحكومة أن ينكمش بنسبة 25, 2% هذا العام. وقالت صحيفة سودويتسه تسايتونج ان السبب الرئيسي لمراجعة التوقعات بالخفض هو حدوث انهيار في الطلبيات الواردة.

وتراجعت الطلبيات الصناعية بصورة شهرية تقريبا منذ نهاية 2007 رغم أن الركود تسارع بدرجة كبيرة منذ سبتمبر الماضي.أما في استراليا فقد أعلن حاكم البنك المركزي الاسترالي غلين ستيفنس إن الاقتصاد الاسترالي دخل على الأرجح مرحلة الركود الاقتصادي. وقال الحاكم: اعتقد أن شخصا عقلانيا يتفحص كل المعطيات المتوفرة راهنا سيصل إلى نتيجة مفادها أن الاقتصاد الاقتصادي هو أيضا في مرحلة ركود.

وخلال جلسة معه في معهد الصحافة الأجنبية في نيويورك تحدث بول كروغمان أستاذ الاقتصاد والشؤون الدولية لدى كلية وودرو ويلسون في جامعة برنستون وكاتب العمود في صحيفة النيويورك تايمز عن كتابه الجديد عودة اقتصادات الكساد وأزمة عام 2008، فحذر من الإفراط في التفاؤل والقفز الى استنتاجات، لأنه لا توجد حتى الآن أي بوادر انتعاش على رغم أن بعض المؤشرات بدأت تتحسن لتعزيز الإستثمار.

وأضاف أن الولايات المتحدة «قد تعلن انتهاء حال الركود في وقت ما من هذه السنة، غير أنه لا يمكن اعتبار هذه النهاية حقيقية، مذكراً بأن الركود الذي ساد عام 2001 جرى الإعلان عن انتهائه في نوفمبر من تلك السنة لأن الإنتاج الصناعي والناتج المحلي الإجمالي شهد صعوداً طفيفاً في ذلك الوقت. غير أن البطالة استمرت للأسف في الإرتفاع لمدة سنة ونصف السنة بعدما أعلن أن الركود قد انتهى.

وأقر بأنه لا يعرف كيف سيخرج العالم من الكساد العالمي الذي بدأ في نهاية عام 2007. بيد أنه كرر قناعته بأن العالم لن يكون قادراً على النهوض من هذا الركود ما لم يشهد عمليات تطهير مصرفية رئيسية وخطط تحفيز ضريبية ثابتة الى حين تمكن القطاع الخاص من اصلاح ميزانياتها بصورة كافية لمعاودة الإنفاق.

وقال كروغمان إن هناك تساؤلين: الأول هو كيف يمكننا تخفيف حدة هذه الأزمة وكيف يمكننا حقاً الحيلولة دون تحولها ركوداً عظيماً كالذي حصل في ثلاثينات القرن الماضي.

وأكد أن لدينا فهما واضحا للأمور التي يمكننا القيام بها للحد من عمق الأزمة داعياً الى انتهاج سياسات قاسية للغاية لتحرير الأسواق المالية ومن أجل التوسع النقدي إلى قائمة موسعة من السياسات النقدية بغية أن يتحسن الأداء الاقتصادي.

غير أنه استدرك بأن هذه استراتيجيات تخفيف عامة، ولذلك فإن مسألة كيف نضع حداً للأزمة أمر مختلف. ورأى أن النموذج الأقرب هو ما حصل في اليابان خلال تسعينات القرن الماضي ، والذي انتهى بفضل انتعاش الصادرات، التي لا تساعد كثيراً في الكساد العالمي إلا إذا تمكنا من ايجاد كوكب آخر نصدر اليه .

وقال إنه ينظر الى «الفقاعة» الإقتصادية التي شهدها العالم من زاوية تاريخية، مضيفاً «أننا ننسى كم كنا خائفين، ولا سيما في الولايات المتحدة، حيال التوقعات الإقتصادية في عام 2002 وأوائل عام 2003. كان هناك ركود إقتصادي ثابت. رسمياً، كان الكساد انتهى، ولكن الأمور ظلت تسوء لجهة فرص العمل. كان هناك تهديد حقيقي بحصول انكماش».

غير أن «المؤكد أن الفقاعة جاءت بداياتها في الإسكان وجاء الانقاذ من ذلك الفخ. المشكلة الوحيدة هي بالطبع أنه عندما انفجرت الفقاعة، انتهينا الى نسخة أسوأ من المشكلة ذاتها. وبالإجمال، كان الأفضل أن نقوم بكل ما يلزم القيام به في حينه وليس بعد ذلك». واعتبر أن «التساؤل الحقيقي في عالم خال من الفقاعات، هو أين سنجد المصادر لتلبية الطلب؟

من الصعب أن نفكر حيال من أين سيأتي الطلب. هناك عالم توجد فيه وفرات عالية للغاية في الصين وأماكن أخرى قليلة. أين هي الإستثمارات المستعدة لاستيعاب هذه المدخرات؟ يجب علينا أن نعرف ذلك. ربما باستثمار مرتفع ثابت في الأعمال التجارية، ولكن كيفية الوصول الى ذلك هي السؤال الحقيقي».

التمييز بين الدين العام والخاص

وبالإشارة إلى قضية الديون، عبر كروغمان عن اعتقاده بأنه يجب التخلي عن التمييز بين الدين العام والخاص. وتساءل: لماذا الأمور بهذا السوء؟ وقال إن الجواب هو أننا وصلنا إلى وضع يتزامن الارتفاع والانخفاض في الديون. الجميع كانوا يحاولون الحصول على المزيد من القروض والأصول في الوقت نفسه. هذه هي الفقاعة.

والآن لدينا وضع يحاول فيه الجميع خفض قوتهم والجميع يحاولون ادخار المزيد، وهذا هو الركود. نحن الآن واقعون في مفارقة أرض عدم التبذير، حيث الجميع يحاولون ادخار المزيد والنتيجة هي الدخل الراكد، وجميعنا ننتهي أفقر. نحن أيضا في مفارقة تخفيف القوة، إذ يحاول الجميع بيع الأصول وتسديد الديون، والنتيجة النهائية هي أن أسعار الأصول تنخفض والميزانيات تزداد سوءاً.

ودعا بعض الجهات الرئيسية الفاعلة أن تدير الدين حتى عندما يحاول الجميع للحد منه، ونريد من بعض الأطراف الرئيسية الفاعلة أن تسدد الدين عندما يصيب الجنون الآخرون. وهذا هو دور الإنفاق الحكومي. المشكلة ليست مجرد أن الناس يديرون ديوناً مفرطة. المشكلة هي أن كل شخص يدير ديناً في وقت يحاول فيه الجميع تسديد الديون.

ولذلك لدينا هذه الكارثة. وأكد أنه ليس من السهل القول أن الدين هو المشكلة، وبالتالي، كيف يمكن للدين أن يكون الحل. ما نحتاج اليه هو طرف ما يمنحنا فرصة للتعامل مع هذا الأمر من دون ركود حاد من أجل كسر الحلقة المفرغة التي يحاول فيها الجميع ادخار المزيد في آن واحد.

جدلية خطط التحفيز

ورداً على سؤال في شأن عدم قيام أوروبا بضخ الكثير من المال في خطط التحفيز الإقتصادي خلافاً لما تفعله الولايات المتحدة، فاعتبر كروغمان أن «الولايات المتحدة على حق وأوروبا على خطأ».

وقال إن لا أقبل على الإطلاق فكرة أن الولايات المتحدة تخاطر كثيراً بتعريض نفسها للكثير من التضخم. نعم، هناك زيادة كبيرة في ميزانية مجلس الاحتياط الفيديرالي، ولكن ذلك يمكن القيام بعكسه سريعاً. ومجلس الاحتياط الفيدرالي سيفعل ذلك بأقصى ما يمكنه من سرعة، لذلك لا اعتقد انه سيكون في الواقع تضخماً.

الإنكماش هو التهديد الأكبر. وأوضح أن تريليون دولار إضافية في الواقع لن تؤدي الى فرق كبير في حجم هذه المشكلة. وإذا أخذنا الدولار في مقابل اليورو، أشعر أن آفاق اليورو في أن يصير متعادلاً مع الدولار باعتباره عملة العالم أمرا يتضاءل ولا يرتفع. والسبب لا علاقة له بسياسات مجلس الاحتياط الفيدرالي مقابل سياسات البنك المركزي الأوروبي.

وأشار الى أن الولايات المتحدة توفر مجموعة كبيرة من الأصول الآمنة. الحكومات الأوروبية تصدر ديناً، والديون الألمانية أو الفرنسية آمنة بالإجمال. لكن المشكلة هي أنها مجزأة. وأوضح أن ''السندات اليونانية المقيمة بالأورو ليست آمنة كالأصول، وليست مماثلة للسندات الألمانية. وحتى السندات الأسبانية ليست متساوية مع السندات الأيرلندية.

لذلك تحولت منطقة الأورو لاعباً مجزأ فيما لا تعاني منطقة الدولار هذه المشكلة. لذلك أعتقد حقاً أن الأورو يعاني. في تقديري أنه حظوظ أن يصير الأورو شريكاً متساوياً مع الدولار قد تراجعت كثيراً بسبب الأزمة الراهنة''. وقال: ''أعتقد أن قمنا بخطوات فعلية على الأقل لمنع انهيار النظام المالي. ولا أعتقد اننا سنشهد نوعاً من السياسة النقدية المؤذية التي حصلت عام 1931.

ولكنني لا أزال أعتقد أن هذا ركود عالمي فظيع للغاية، وهو الأسوأ منذ الكساد العظيم. ولكن ما لم تتكرر الأحداث المروعة لعام 1931، لن نصل الى ركود عظيم ثان. وختم: 'لا أعرف ما إذا كانت هذه نهاية المطاف، ولكن ليس من الجنون الاعتقاد أننا يمكن أن نرى نهاية'، مرجحاً أن الأزمة الحالية ستستمر خلال السنة المقبلة، وعلى الأرجح الى سنة 2011.

نيويورك - علي بردى والوكالات