تتربع على عرشها في قاع الجمجمة «ملكة» صغيرة الحجم عظيمة الشأن تتمتع بذكاء بالغ الأثر وبحكمة شديدة الاتقان والبراعة.

تتميّز هذه «الحاكمة الصغيرة» بحيازتها لمنظومة «استراتيجية» متعددة الأبعاد والأدوار تشمل شبكات متناهية التنظيم والدقة من الهرمونات النشطة والمواد العاملة والمسيطرة على أهم «الجبهات» الخاصة بنمو الأعضاء والتناسل وتنظيم الوظائف الحيوية في الجسم....... إنها الغدة المعروفة بالنخامية الرابضة في وسط وأسفل الدماغ، خلف عظام الأنف مباشرة، في المكان المخصّص لها والمسمى بـ «الكرسي التركي»، في قاع الجمجمة.

هذه «الملكة» العظيمة الشأن والملك والرعّية، لا يزيد حجمها على حجم حبة الحّمص الصغيرة ولا يزيد وزنها، في حالتها الطبيعية، عن النصف غرام.

كيف تحكم..... وتتحكّم:

يصعب البحث في تحديد الأسرار الكامنة وراء عمل الغدة النخامية وتستحيل الإحاطة بكل شبكات وظائفها المتعددة ونشاطاتها المعقدة كما يعجز العقل عن تفسير التوازن الدقيق الذي يحكم العمليات بشكل متناسق ومحسوب بدقة فائقة وبفعالية لا تقبل الوصف والتحديد!

يشبّه بعض الباحثين عمل الغدة النخامية البالغ التعقيد بعمل «المايسترو» أو قائد الأوركسترا الذي يتحكم بنشاط الموسيقيين ويقودهم بسلاسة وصرامة ويتابعهم بدقة وتصميم لكي يقوموا بأداء أدوارهم بانسجام وانتظام وسلام من دون تعكير أو فوضى أو تصادم!

أما البعض الآخر من الباحثين فيعتبر أن عمل الغدة النخامية هو أشبه ما يكون بعمل «الترموستات» أو معدّل الحرارة المنزلية الذي يقيس ويضبط الحرارة باستمرار عبر الإشارات الهرمونية، لكي تظل منتظمة ضمن حدودها الطبيعية المسموح بها، حسب الظروف والحاجيات.

ولتأدية عملها بشكل متكامل ودائم وموزون، تلجأ الغدة النخامية إلى «مجلس استشاري أعلى» هو بمثابة مركز عمليات وتنسيق يساعدها على التحكم بـ «مملكتها» الواسعة الأطراف وهو مركز «الهايبوتلاموس» أو مركز «ما تحت السرير البصري» الذي يقوم بعمله التنسيقي عبر إفراز مجموعة من الهرمونات السالبة والموجبة والتي تقوم بدورها بـ «تحفيز» أو «قمع» الهرمونات الصادرة عن الجزء «الغددي» من الغدة النخامية، لتنظيم حركتها وضبط عملياتها بشكل حيويّ ودائم وفعّال.

يقف العلم الحديث بكل إنجازاته واكتشافاته ونظرياته عاجزاً عن فك رموز وسبر أغوار هذه «المملكة العجيبة» ويظل حائراً ومندهشاً أمام أسئلة كثيرة تراوده حول كيفية تسيير وضبط هذا الترابط الشديد والانسجام البالغ التعقيد في عمل الغدة النخامية ووظائفها الحيوية فالصدفة ونظرياتها المتداولة لا يمكن لها أن تفسّر حلقة واحدة من ملايين الحلقات التي تتوزع عبرها وظيفة واحدة من وظائف الغدة النخامية.

أما نظرية التطور والارتقاء فتفشل فشلاً ذريعاً حين تحاول التصدي لتفسير هذه «المعجزة» البيولوجية الممسوكة من أولها إلى آخرها بيد حكيمة بصيرة رقيبة دؤوبة لا شبيه لها ولا نظير. ويطول البحث ويستمر الجدال ويدوم السؤال إلى ما لا نهاية وتبقى الغدة النخامية في الأجساد والعقول، كمثيلاتها ورفيقاتها وصديقاتها من «المعجزات» الحيّة تسبّح بحمد ربّها وتشكر له!

استشاري أمراض الأنسجة والخلايا ورئيس شعبة أمراض الخلايا في هيئة الصحة بدبي