توقع خبراء ماليون ومحللون اقتصاديون سعوديون أن تواصل الحكومة السعودية حجم إنفاقها العالي على مشاريع البنية التحتية في المجالات الصناعية والصحية والخدمية وفقا لما تم الإعلان عنه في موازنة العام الحالي وكذلك في الموازنة العامة للسنة المقبلة 2010 وذلك على الرغم من انخفاض عائدات النفط تأثرا بالأزمة المالية العالمية التي أدت إلى ركود في الأسواق العالمية ، مؤكدين في الوقت نفسه أن تأثيرات هذه الأزمة لن تكون كبيرة على مجمل مكونات الاقتصاد السعودي.
وأكدوا في تصريحات خاصة لـ «البيان» أن الانخفاض المتواصل لأسعار النفط نتيجة الأزمة المالية العالمية يمثل تحديا حقيقيا وكبيرا للاقتصاد السعودي ولميزانية الدولة إذا ما وصل سعر البرميل إلى أقل من 40 دولارا، غير أنهم أعربوا عن ثقتهم في أن الفوائض النفطية التي تحققت خلال الفترة الماضية والتي تجاوزت فيها أسعار النفط الـ 140 دولارا للبرميل ستسهم في ضمان استمرارية الإنفاق «العالي» على المشروعات التنموية و في حماية الاقتصاد السعودي خاصة وأن الحكومة السعودية نجحت في توظيف تلك الفوائض في بناء مدن صناعية عملاقة وتنويع مصادر الدخل لتكون دعامة أساسيا في المستقبل.
عجز الموازنة
ورجحوا استمرار تحقيق عجز في الموازنة التقديرية للعام المقبل ولكن دون أن يخوضوا في تقديرات هذا العجز المتوقع ، مؤكدين أن العجز البالغ 65 مليار ريال في الميزانية التقديرية لعام 1430هـ لن يتحقق في الموازنة الفعلية للعام الجاري على اعتبار أن وزارة المالية السعودية قد بنت تقديراتها لسعر النفط بأقل من 40 دولاراً للبرميل، في حين يتوقع أن يتجاوز متوسط سعر البرميل في 2009، ليصل إلى 50 دولاراً .
وكانت وزارة المالية السعودية قد أشارت مؤخرا إلى أن المملكة قد استفادت من أسعار النفط خلال عام (2008) حيث بلغ متوسط السعر حوالي 100 دولار للبرميل مما أتاح لها الحصول على احتياطيات كبيرة من النقد الأجنبي والتي بدورها ستعمل على حماية اقتصادها من آثار أكبر أزمة مالية عالمية منذ الركود الكبير، علما بأن إيرادات النفط تجاوزت الـ «تريليون ريال» في العام الجاري.
الخطة الخمسية
وأكد الخبير المالي د. إحسان بوحليقة رئيس اللجنة المالية في مجلس الشورى السعودي لـ «البيان» أن حجم الإنفاق العالي في المشروعات التنموية سيتواصل وفقا لما تقرر في الموازنة العامة الحالية وما سيتم إقراره في الموازنات المستقبلية في إطار الخطة الخمسية للدولة ، مشيرا في هذا الصدد إلى ما سبق أن أعلنه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز أمام قمة العشرين الأولى في نوفمبر من العام الماضي من ضخ 400 مليار دولار في الإنفاق الحكومي على مدى خمس سنوات للإنفاق على الاستثمارات الحكومية والإنفاق على المشاريع الإنمائية والخدمية.
وأضاف بوحليقة قائلا: «الحكومة السعودية ملتزمة بمواصلة الإنفاق العالي على المشروعات بتمويل من الإيرادات الفورية من عائدات النفط، وفي حال وجود عجز ما ستمول برامج التنمية من الفوائض النفطية التي تحققت خلال الفترة الماضية والتي تجاوزت فيها أسعار النفط الـ 140 دولارا للبرميل».
وقال: «ليس مستبعدا ان تحقق الميزانية العامة للدولة التوازن المطلوب او حتى تحقيق فائض بسيط في حال مراوحة الأسعار في حدود 50 دولارا لبرميل النفط» .
وتوقع د. إحسان بوحليقة ان تكون الميزانية العامة القادمة للسعودية «موازنة اقتحامية» يستمر فيها المستوى العالي للإنفاق لوجود برنامج إصلاحي اقتصادي قيد التنفيذ، مشيرا إلى ان هناك توجها حكوميا للإنفاق الاستثماري والتوسع في إنشاء الجامعات وتطوير الموارد البشرية.
وأوضح أن قطاع النفط يمثل العمود الفقري في الاقتصاد السعودي كونه يشكل في الوقت الحاضر نحو 90 في المئة من إيرادات الخزانة العامة للدولة إجمالا، كما تمثل 40% من الناتج المحلي الإجمالي.
وأضاف قائلا: «خلال العقود الثلاثة الماضية تذبذبت مساهمة القطاع النفطي في الناتج الإجمالي المحلي وفقا لأسعار النفط المتذبذبة، فكانت 75 في المئة عام 1974م، 29 في المئة عام 1984م، 30 في المئة عام 1994م، 41 في المئة عام 2004م، و51 في المئة عام 2006م » .
إيرادات الميزانية
ورأى أستاذ المالية السعودي الدكتور نايف الشمري أن إيرادات الميزانية لهذا العام التي بلغت تريليوناً ومئة مليار ريال فاقت التوقعات بالرغم من الأزمة المالية التي عصفت بالعالم الخارجي وأدت إلى انخفاض أسعر النفط العالمية، معتبرا ان ذلك مؤشر جيد يدل على الخطة الاقتصادية التي رسمتها الحكومة السعودية للخروج من الأزمة والاستفادة من الأخطاء التي وقعت بها الدول المتأثرة اقتصاديا.
وأضاف قائلا «الميزانية السعودية الجديدة لعام 2009، والتي قدرت بنحو 475 مليار ريال ، والإيرادات بنحو 410 مليارات ريال، تعتبر أكبر ميزانية فى تاريخ المملكة العربية السعودية، عكست التوقعات السلبية بتأثير الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد السعودي، وذلك على الرغم من العجز الذي تضمنته والمقدر بحوالي 65 مليار ريال».
وأشار الشمري إلى أن السوق السعودية استوعب كل التحديات والمشكلات الناتجة من الأزمة المالية العالمية في الربعين الأخيرين من 2008 والأول من العام الحالي، قائلا ان سوق الأسهم في السعودية وصلت إلى مرحلة القاع، وان مرحلة النمو وعودة الثقة قد بدأت مع العام الجديد.
وأوضح قائلا «إذا سلمنا بانخفاض أسعار النفط فنتصور بأن ذلك سيؤثر سلباً على نمو اقتصاد المملكة، لكن أسعار النفط إذا كانت عند 40 دولاراً فما فوق يعتبر تأثيرها إيجابياً على الاقتصاد السعودي».
وأضاف الشمري ان الميزانية التي أعلنت في ديسمبر الماضي عكست متانة الاقتصاد السعودي وعدم تأثره بالأزمة العالمية بالرغم من التكهنات التي كانت تشير في وقت سابق إلى تأثر المشاريع الرأسمالية جراء الأزمة العالمية.
مخاوف قوية
ومن جانبه قال المحلل الاقتصادي مسفر العمري «بعد هذا الانخفاض الكبير في أسعار النفط ، لا أحد يستطيع القول بأن الموازنة السعودية سوف لن تتأثر سلبا لأن المملكة تمتلك حوالي 26% من الاحتياطي العالمي من النفط الخام ويستحوذ قطاع البترول على 75% من إجمالي إيرادات الموازنة العامة السعودية».
وأعرب عن اعتقاده بأن يكون عام 2009 والعام التالي أكثر صعوبة من 2008 على كل الأصعدة المالية والاقتصادية في حال استمرار تراجع أسعار النفط ، مشيرا إلى ان ما حدث في الربع الأخير من 2008 من انهيارات مالية سيلقي بظلاله في الأعوام المقبلة وخصوصاً في 2009 على كل المفاصل الاقتصادية.
وشدد العمري على أن التراجع الحاد في أسعار النفط سيلحق الضرر وربما يدمر الخطط الاستثمارية في الدول المنتجة للخام بصفة عامة ويعرض الإمدادات المستقبلية للخطر وتوقع أن سعر برميل النفط للعام الجاري سيتراوح بين 30 و70 دولارا للبرميل ، مشيرا إلى أن تخطيط المملكة كان تخطيطا سليما.
وقال ان المملكة انتهجت سياسات اقتصادية حكيمة أحد ملامحها توجيه فائض الإيرادات خلال السنوات الأخيرة لبناء احتياطات كبيرة من الموجودات الأجنبية التي وصلت بنهاية سبتمبر الماضي إلى نحو 448 مليار دولار، وهو رقم قياسي لم يسبق الوصول إليه من قبل».
وأضاف العمري «هذه الفوائض متأتية من فارق الإيرادات الفعلية للنفط مقارنة بالأسعار التي تم بناء موازنة الدولة على أساسها. ففي الموازنة الحكومية للعام الحالي 2008م على سبيل المثال، يقدر الفائض بنحو 30 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي».
ومضى يقول «حتى في ظل أسعار النفط الحالية التي تزيد قليلا على 60 دولارا للبرميل، من المتوقع أن تبقى الموازنة الحكومية متوازنة ما لم ينخفض سعر النفط عن مستوى 50 إلى 55 دولارا للبرميل».
وأضاف «نحن متفائلون بشأن الاقتصاد وبطبيعة الأمر فإن التطورات الخاصة بسعر النفط سيكون لها أثر على العائدات الحكومية، وسيؤثر هذا على موازنة العام المقبل التي ستكون تحدياً، ولكن عند السعر الحالي للنفط نعتقد أن المالية الحكومية ستكون في حال جيدة».
انخفاض معدلات التضخم
ومن جهته أكد المحلل النفطي خالد المنيف على أن الأزمة المالية العالمية التي تعيشها الدول حالياً أحدثت بعض الانعكاسات الإيجابية في الاقتصاد السعودي ومن ذلك خفضها لمعدلات التضخم الأمر الذي يدعم القوة الشرائية للمستهلك السعودي وبالتالي يساعد على ارتفاع دخله الحقيقي وهو أثر إيجابي سيكون واضحاً للعيان خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف قائلا «من التأثيرات الإيجابية للأزمة على الأسواق السعودية هو تخفيف الضغط على المقاولين في المشاريع وفك الاختناقات في القطاعات الاقتصادية، وتوفير الأيدي العاملة بتكلفة أرخص مما كانت عليه وقت زيادة معدلات التضخم خلال العامين الأخيرين».
وتوقع المنيف أن تنخفض معدلات التضخم في المملكة خلال عام 2009م إلى 8% ولم يحدد في أي فترة زمنية سيكون هذا الانخفاض، مضيفا «مع انخفاض المواد الأساسية والغذائية على مستوى العالم، وانتفاء الضغوط التضخمية التي كانت تعاني منها مؤسسات القطاع الخاص، وبحسب المعطيات والمعلومات المتوفرة اعتقد أن التضخم سيهبط بهذا المعدل».
الرياض ـ عبد النبي شاهين
