اكد مسؤولون وخبراء عقاريون واقتصاديون ان بوصلة التطوير العقاري في إمارة ابوظبي بدات تتجه نحو الإسكان منخفض التكاليف الذي يناسب متوسطي الدخل مشيرين إلى ان كبريات الشركات الاستثمارية بدات تدرس تنفيذ مشروعات من هذه النوعية بعد ان كان التركيز بصورة اكبر خلال السنوات الخمس الماضية على تنفيذ مشروعات للاسكان الفاخر.

وتوقع الخبراء ان يتم خلال السنوات الثلاث المقبلة إطلاق عشرات من المشروعات في قطاع الاسكان منخفض التكاليف مشيرين إلى ان هذه النوعية من المشروعات يتوقع ان يتنامى الطلب عليها خلال المرحلة المقبلة في ظل المعطيات الجديدة بالأسواق.واعربوا عن اعتقادهم بان هذا التوجه يعد ايجابيا في ظل التطورات الراهنة والتغيرات الجوهرية التي يشهدها السوق بشكل عام والقطاع العقاري بصفة خاصة مما يتطلب الدراسة المتانية الشاملة للسوق فيما يتعلق بالمشروعات التي يتم طرحها في المرحلة المقبلة.وقال خلفان سعيد الشامسي مدير إدارة التسويق بشركة ابوظبى الوطنية للفنادق ان سوق الوحدات السكنية عانى خلال السنوات الأخيرة من نقص ملحوظ يصل حد الندرة في الشقق السكنية الصغيرة المكونة من غرفة وصالة وغرفتين وصالة وهي الشقق التي ارتفع الطلب عليها بصورة كبيرة للغاية خلال الفترة الماضية حيث يوجد الاف الطلبات على هذه الشريحة من الشقق السكنية وفي الوقت نفسه فان المعروض من هذه الوحدات قل تدريجيا لان معظم البنايات التي جرى ويجري هدمها لإقامة أبراج حديثة وجديدة بدلا منها بنايات تضم هذه الشريحة من الشقق الصغيرة والمتوسطة.

وأوضح ان هذا التوجه الجديد بالتركيز خلال الفترة المقبلة على الإسكان الذي يناسب متوسطي ومحدودي الدخل يدل على ان آلية السوق بدأت تفرض نفسها وتجعل شركات التطوير العقاري تتحول تدريجيا إلى طرح الوحدات السكنية المتوسطة والصغيرة التى تشهد معدلات طلب كبيرة للغاية وتتنامى بشكل مستمر ومتسارع والمعروض منها حاليا لايلبى احتياجات الأسواق مشيرا إلى ان هذه الآلية فرضت نفسها بالفعل فيما يتعلق بالشقق المكونة من ثلاث غرف وصالة التي بدا بالفعل طرح اعداد كبيرة منها في الاسواق مما بدا يحدث توازن نسبى بين العرض والطلب على هذه النوعية من الشقق.

وأكد خلفان سعيد الشامسي أهمية السياسة النقدية المتوازنة في هذه المرحلة الموجهة نحو تطوير البنية التحتية وتنمية الاقتصاد وخاصة الاستثمارات في مجالات النقل والصحة والتعليم وغيرها وليس فقط في العقارات مشيرا إلى ضرورة تامين وحدات سكنية لفئة واسعة من المجتمع كالمعلمين والأطباء وأصحاب المهن التي يحتاجها المجتمع المحلي وهي متطلبات ضرورية إلى جانب تسهيل الإجراءات الأخرى لهم مما يساهم في تفعيل وتطوير المجالات الأخرى.

وشدد على ضرورة العودة إلى العقار باعتباره أساسا لنشاط يخدم الاقتصاد بشكل عام كونه وجد لخدمة هذه القطاعات مشيرا إلى انه خلال السنوات الخمس الماضية وجدت الحاجة للمنتجات العقارية بشكل كبير نتيجة بروز صناعات متعددة والتوسع والانفتاح في قطاعات أخرى مثل السياحة وغيرها مشيرا إلى ان الأسعار حينها كانت منطقية وحقيقية وواقعية ولكن خلال الوفرة المالية والتشجيع على الاستثمار العقاري انتقل العقار من دوره الأساسي كمسهل للقطاعات الأخرى إلى سوق مضاربة وتضخمت الأسعار وانعكست على القطاعات الأخرى مما ساهم بفتح المجال للبيع على المخططات.

وأعرب خلفان سعيد الشامسى عن أمله في ان تؤدي الأزمة المالية العالمية إلى نتائج ايجابية بعودة قطاع العقار إلى وضعه الطبيعي في حالة تجديد التشريعات والقوانين لإعادة الحيوية إلى الأنشطة المرتبطة به متوقعا أن يشهد القطاع العقاري طلبا حقيقيا وان يرجع إلى هدفه الأساسي داعيا الشركات المطورة الرئيسية في قطاع التطوير العقاري إلى الاستجابة للازمة وإحداث اطار هيكلي جديد لمواجهة التحديات للوصول إلى مرحلة التعافي.

وقال اسامة غنوم المدير التنفيذي للتسويق والإعلام بشركة الدار العقارية ان شركات التطوير العقاري الوطنية بشكل عام قامت خلال الفترة الأخيرة بتعديل قائمة أولوياتها بالنسبة للمشاريع التي سيجري تنفيذها خلال المرحلة المقبلة بما يتناسب مع المعطيات الجديدة بالسوق.

وأضاف ان شركات التطوير العقاري تركز على تنفيذ مشروعات سكنية تناسب كافة شرائح المجتمع ومستويات الدخول المختلفة سواء المنخفضة أو المتوسطة أو المرتفعة وقامت بإعادة دراسة للسوق وحرصت على توفير وحدات تناسب مختلف الدخول.

وأوضح ان العديد من الشركات عدلت بعض تصاميم مشروعاتها المستقبلية فمثلا المشروعات التي كانت ستنفذ لتوفير وحدات سكنية مكونة من أربع غرف نوم عدلت لتوفير وحدات سكنية مكونة من غرفتي نوم أو ثلاث وهي الشقق التي تشهد حاليا طلبا قويا ينتظر ان يتنامى خلال السنوات القليلة القادمة لذلك حرصت شركات عقارية عديدة على تسريع خطط تنفيذ هذه النوعية من الشقق السكنية.

واضاف اسامة غنوم انه على سبيل المثال تعتزم شركة الدار العقارية إطلاق مشروعين جديدين خلال العام الحالي في ابوظبي للإسكان منخفض التكاليف الذي يناسب متوسطي الدخل.

وقال ان الشركة كانت تحرص على تنفيذ مشروعات عقارية تناسب كافة الشرائح الا انه مع التطورات الأخيرة في السوق العقارية فان الشركة عدلت سياساتها حيث ستركز بصورة أساسية خلال المرحلة المقبلة على مشروعات مشيرا إلى ان هذه النوعية من المشروعات يتوقع ان يستمر الطلب عليها بابوظبي لعدة سنوات قادمة.

وتوقع استمرار نمو اعمال الشركة ومساهماتها في النهضة العقارية بالدولة مشيرا إلى ان كل المطورين العقاريين بالدولة عليهم التكيف والتعامل بحكمة مع الواقع الجديد بالسوق.

وقال المحلل الاقتصادي محمد الظاهرى انه لوحظ ان الشهرين الأخيرين شهدا إعلان العديد من الشركات العقارية والاستثمارية عن اعتزامها تنفيذ مشاريع ضخمة لإقامة مساكن متوسطة ومنخفضة التكاليف للموظفين محدودي الدخل والعمال والفنيين وأصحاب المهن الصغيرة مشيرا إلى ان هذه الشريحة من السكان تمثل نسبة كبيرة من الطلب الإجمالي على الوحدات السكنية في ابوظبي.

واكد ضرورة قيام شركات التطوير العقاري باتخاذ مزيد من الخطوات لدعم وتطوير سوق العقار وتلاشي اية أضرار قد تنجم عن انسحاب المضاربين من السوق.

وتوقع محمد الظاهرى ان يكون هناك تغيير هيكلي للطلب الحقيقي على العقار خلال الفترة المقبلة خاصة في ظل التركيز والعمل على تحويل السكن الفخم إلى عادي في متناول العديد من الطبقات مشيرا إلى ان السوق العقاري في الإمارات كان قائما بنسبة 85 % على المضاربة و15% على الطلب الفعلي المباشر ولكن بعد الأزمة المالية العالمية تبين ان الصورة المستقبلية ستبتعد عن المضاربات بسبب انسحاب المضاربين من السوق مما يوفر بيئة صحية ولكن عودة الاستقرار الى السوق ستأخذ بعض الوقت وستؤثر على الطلب الفعلي الحالي.

وأعرب محمد الظاهرى عن اعتقاده بان السوق العقاري لايزال يشهد بعض المضاربات ولكنها تسير وفق رؤية على المدى البعيد تستند على ما جاء في رؤية ابوظبي الاقتصادية 2030 التي وضعتها الحكومة والقائمة على تنويع الاقتصاد.

وأكد اهمية تشجيع الاستثمار بالدولة رغم ارتفاع معدل الفائدة وإيجاد سياسة مراقبة لتخفيض معدل الفائدة والسعي لخلق طلب حقيقي للمستهلك النهائي وإيجاد طريقة للتعامل مع المصارف.

وأشار الى انه في ظل توقع حدوث بعض الانخفاض في الطلب فان هناك حاجة إلى إعادة تقييم في السوق خلال هذه الفترة وإعادة هيكلة المشاريع ووضع استراتيجيات للتعافي خصوصا في ظل وجود جهود حثيثة للحد من مشكلة القروض مع المصارف موضحا ان هناك تغييرات هيكلية في الطلب على العقار ولكن الأهم من ذلك ان المضاربين العقاريين بداوا بالزوال بانسحابهم من السوق الأمر الذي يجعل الطلب يعتمد على الأرباح.

وأضاف ان الشركات الكبرى في ابوظبي كان اعتمادها في الفترة الماضية بصورة كبيرة في تمويل مشروعاتها على البيع المسبق للوحدات المطروحة وعلى التمويلات المصرفية ومع التطورات الاخيرة بالاسواق ستركز الشركة على الاستثمار المباشر بالتعاون مع مستثمرين استراتيجيين مشيرا إلى وجود مؤسسات استثمارية مهتمة بالتعاون مع هذه الشركات العقارية في هذا المجال نظرا للثقة التي تتمتع بها الشركات ووضعها المالي القوي.

وأعرب محمد الظاهرى عن ثقته في قدرة تغلب القطاع العقاري الإماراتي على تداعيات الأزمة العالمية لعدة أسباب أبرزها التدخل الحكومي لدعم السيولة والتحكم في مسالة الاقتراض موضحا بان اسوا الخيارات تتخذ الان في أسوأ الفترات والأزمات لذلك فان التباطؤ الاقتصادي للدول الأخرى سيتزامن مع قرارات حذرة جدا.

******

مرونة مطلوبة

يرى المراقبون ان أكثر القطاعات الاقتصادية تضررا بالأزمة المالية العالمية في معظم الدول هو القطاع العقاري وان تفاوتت نسب الضرر من منطقة لاخرى حسب درجة ارتباطها بالاقتصاد الأميركي والأوروبي وحسب أوضاع الأسواق بها وقت اندلاع الأزمة.

ولاشك ان الوضع الاقتصادي بالإمارات رغم تأثره بالأزمة الا ان الآثار السلبية التي انعكست عليه تعد اقل كثيرا من معظم دول العالم نتيجة الإجراءات السريعة والفورية التي اتخذتها الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية إضافة إلى الوضع الاقتصادي القوي للإمارات وسياسات التنويع الاقتصادي الناجحة المطبقة منذ سنوات عديدة والتي أظهرت جدواها في هذا الاختبار القاسي على كافة دول العالم. ورغم الازمة فان برامج التنمية الاقتصادية في الإمارات تسير بشكل يدعو للتفاؤل في الوقت الذي اظهر فيه المطورون العقاريون مرونة كبيرة في التجاوب مع تحديات هذه المرحلة بتعديل خططهم المتوسطة وطويلة المدى..

وفي حالات عديدة القصيرة المدى ايضا.. فبعد ان كان للإسكان الفاخر نصيب الأسد بالمشروعات الجديدة الجاري تنفيذها أو المنتظر البدء في تنفيذها اعيد النظر في هذه الخطط بإجراء تعديلات للتركيز أساسا في هذه المرحلة على المشروعات المنخفضة التكاليف التي يتضاعف الطلب عليها سنويا والمعروض منها محدود للغاية.

وظهرت هذه المرونة كذلك في قيام بعض المطورين والملاك بالبحث عن حلول لتمويل عمليات الشراء للوحدات العقارية عن طريق شركات التمويل التي تم إطلاقها حديثا بدعم حكومي بغرض تحقيق الاستقرار والتوازن بالسوق العقاري. وبالتأكيد فان هذه المرونة التي كانت مطلوبة والإجراءات التي اتخذت لمواجهة المتغيرات الجديدة من شانها ان تساعد على استمرار قوة الدفع بالقطاع العقاري الذي يشكل الشريان الرئيسي والقاطرة التي قادت وستقود التنمية الاقتصادية لسنوات عديدة قادمة.

عبدالفتاح منتصر

fattah_ram@yahoo.com