بعد مرور نحو 9 أشهر من اندلاع أسوأ أزمة منذ الحرب العالمية الثانية بدا الاقتصاد العالمي وكأنه يقف في مفترق طرق حيث تتباين الآراء حول موعد الخروج من حالة الركود الحالية. ففيما رأى صندوق النقد الدولي أن هناك مؤشرات على أن التراجع المطرد بدأ يهدأ لكنه توقع أن يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة شديدة السلبية هذا العام قبل أن يبدأ التعافي. وشدد الصندوق على ضرورة أن تتخذ الحكومات تدابير قاسية من أجل إصلاح قطاعاتها المالية بتطهير الميزانيات العمومية للبنوك من الأصول الرديئة.

وفي نظرة أكثر تشاؤماً قال ماساكي شيراكاوا محافظ البنك المركزي الياباني إن الاقتصاد سيواصل تراجعه لبعض الوقت. وأضاف أنه وبالنسبة لليابان فإنه وعلى الرغم من أن إصدار الأوراق التجارية وسندات الشركات يتحسن لكن المناخ المالي مازال سيئا بشكل عام وتقول المزيد من الشركات إن ظروف التمويل وأساليب البنوك تخلق ظروفا صعبة وفي الولايات المتحدة الأميركية أعطى مسؤولو مجلس الاحتياطي الاتحادي إشارات متباينة. وتوقع رئيس بنك اتلانتا الاحتياطي الاتحادي العودة للنمو في وقت لاحق هذا العام لكن رئيس بنك سان فرانسيسكو الاحتياطي الاتحادي حذر من احتمال الدخول في انكماش أعمق.

ويؤكد الخبراء أن الحكومات في الدول المتقدمة تحتاج لإصلاح قطاعاتها المالية عن طريق تخليص البنوك من الأصول التي تنطوي على مخاطر وان تتوخى الحذر حتى لا تسحب إجراءات التحفيز الاقتصادي قبل الأوان. وتختلف الحلول من دولة لأخرى لكن وفقاً لصندوق النقد يجب أن يكون هناك رد فعل منسق ومتجانس من جانب المجتمع الدولي. لكن المشكلة أنه وحتى يتم ذلك فان محاولات تعزيز الطلب من المرجح ألا تسفر عن شيء يذكر وتمنى بفشل كبير.

وقال جان كلود تريشيه رئيس البنك المركزي الأوروبي إن الاقتصاد العالمي يواجه عاما صعبا لكنه سيبدأ في الانتعاش في عام 2010 وسط دلائل على أن الأزمة تجاوزت أسوأ مراحلها مما دعم أسعار الأسهم على

نطاق واسع. وقال تريشيه في كلمة القاها في طوكيو إن الثقة تعتمد بالتساوي على دقة القرارات المتخذة في هذه المرحلة وعلى قوة سياسات الخروج من الأزمة. وأضاف ان البنك المركزي الأوروبي سيتخذ قرارا الشهر المقبل بشأن اساليب غير تقليدية لدعم الاقتصاد.

ولا يزال هنالك تباين ملحوظ في آليات والرؤى المرتبطة بإصلاح عناصر النظام المالي العالمي وعلى رأسها أسس الصرف والعملات. وتبنت قمة مجموعة بوليفار المكونة من فنزويلا وكوبا وبوليفيا وهندوراس ونيكاراغوا ودومينيكا المنعقدة في فنزويلاألا قرار إنشاء وحدة حسابية خاصة بدول المجموعة أطلق عليها اسم سوكري. وأوضح الرئيس الفنزيلي هوغو تشافيز أنه سيتم التعامل مع السوكري في بادئ الأمر كعملة حسابية ولكنها ستتحول إلى عملة نقدية في المستقبل وهو ما سيتيح الخروج عن نطاق سيطرة الدولار.

لكن الخبير الأميركي بن ستايل مدير الاقتصاد العالمي في مجلس العلاقات الخارجية استبعد إمكانية أن يكون الذهب بديلا للدولار الأمريكي كعملة للاحتياط الدولي. وقال ستايل الذي صدر له في الولايات المتحدة كتاب بعنوان المال والسوق والسيادة إن تدني الثقة بالدولار والعملات الأخرى يؤدي إلى تزايد الثقة بالذهب ويمهد لظهور عملة حسابية ذهبية من الممكن تحويلها إلى الذهب الحقيقي دائما.

واستبعد الخبير إمكانية انخفاض قيمة الذهب مشيرا إلى أن إجمالي احتياطي العالم من الذهب لا يمكن أن يرتفع بنسبة تزيد عن 6% في السنة. وتوقع في المقابل أن تتصدى الحكومات وخاصة الحكومة الأميركية لطرح عملة حسابية ذهبية للتداول ولكنه يعتقد أن عملة كهذه ستحظى بتأييد المتعاملين في الأسواق والمستثمرين.

مرجعية للقتصاد العالمي

وفي هذا الإطار أكد المدير العام لصندوق النقد الدولي دومينيك ستروس كان أن الدولار سيبقى فترة طويلة العملة المرجعية للاقتصاد العالمي. ورأى انه يواجه على ما يرام الأزمة التي تشهدها الولايات المتحدة. وردا على سؤال عن مستقبل النظام النقدي الدولي قال كان إنه لا يعلم سببا يحول دون استمرار الدولار العملة المرجعية في العالم. وأضاف أن ثمة أسبابا كثيرة تحمل على الاعتقاد بأن العالم سيبقى بعد انتهاء الأزمة في نظام تستمر فيه مكانة الدولار هي نفسها تقريبا.

وقال إن الأمر المدهش أيضا هو أن الدولار على ما يرام في هذه الأزمة. وأوضح: لو قلنا قبل سنتين لخبراء اقتصاديين محنكين أن هذه الأزمة ستقع مع هذه الكمية من الأصول التالفة وان سبب مشاكل الاقتصاد العالمي موجود في الولايات المتحدة وطرحنا عليهم السؤال ما هي عواقب ذلك على الدولار لكانوا قالوا جميعا إن الدولار سينهار وهذا ما لم يحصل.

وقال ان الخطة الأميركية للتعامل مع الأصول المصرفية المتضررة هي خطوة كبيرة للأمام لكن نجاحها يتوقف على استعداد البنوك لبيع أصولها الرديئة. واعتبر كان أن العملة الصينية قد خفضت قيمتها كثيرا كما تؤكد ذلك حسابات صندوق النقد الدولي. لكنه أضاف أن التدابير الرامية إلى إنعاش الموازنة التي اتخذتها بكين ستساهم في معالجة هذه المشكلة.

وكانت الصين قد أعلنت عن حزمة تحفيز قيمتها أربعة تريليونات يوان تستهدف ألاتوسيع الاستهلاك المحلى بعد أن قلصت الأزمة المالية من الطلب الخارجيألاوذلك في محاولة لتغيير اعتمادها الكبير على الصادرات. واتخذت الحكومة الحريصة على كبح تراجع الصادرات أيضا إجراءات ألامتنوعة من بينها قيامها ستة مرات بزيادة نسبة المسترد من الضريبة عليألاالصادرات منذ أغسطس من العام الماضي وذلك بهدف إنقاذ القطاع المترنح.ألاوأوضحت أحدث أرقام أن صادرات الصين واصلت ألاتراجعها في مارس للشهر الخامس على التوالي لكن بسرعة أبطأ.

وترى الحكومة الصينية أن تشجيع الشركات المحلية على الاستثمار في الخارج قد ألايكون خيارا آخر حيث أن الأزمة المالية لم تصل إلى ذروتها بعدألاوسيتطلب الأمر بعض الوقت قبل أن يرتفع الطلب المحلى. واعتبر مسئولين صينيين أن الاعتماد أكثر على الاستهلاك المحلى من أجل النمو في دولة يبلغ تعداد سكانها 3. 1 مليار نسمة وبها إمكانيات سوق كبيرة هو بالقطع الاختيار الصحيح منوهين إلى أن الاعتماد الكبير على الخارج لنألايكون مستداما خصوصاً في ظل توقعات تشير إلى أن التجارة العالمية ستشهد تراجعاً بمقدار 9% خلال العام الحالي.

لكن المشكلة تكمن في أنه لا يزال أمام الصين شوط كبير قبل أن تتمكن من جعل الاستهلاك المحلى عنصراً رئيسياً لتغذية النمو الاقتصادي. فالقدرة الشرائية الكلية في البلاد ليست قوية بالقدر الكافي. وبلغ دخل الفرد السنوي في الصين لسكان المدن ما يعادل 2321 دولارا أميركيا.

وفي الجانب الآخر تشكل التأثيرات الاجتماعية بعيدة الأمد أحد أهم المخاوف المرتبطة بالأزمة المالية الحالية حتى في حال انتهائها بأسرع وتيرة ممكنة. وبدأت العديد من مدن العالم تشهد تذمراً واضحاً من اتساع دائرة شطب الوظائف إضافة إلى انتشار الجرائم الإلكترونية والمالية.

ونزل زهاء 1500 شخص إلى شوارع إمارة موناكو أول من أمس الخميس للتعبير عن غضبهم من فقدان الوظائف وتدهور الأحوال الاقتصادية. وفي تعبير نادر عن السخط في مكان يشتهر بسكانه من المليونيرات والمشاهير سار موسيقيون من اوركسترا موناكو الفيلهارمومي وموظفون عموميون وبستانيون يقومون على رعاية الحدائق العامة جنبا إلى جنب في مظاهرة احتجاج استمرت بضع ساعات.

وقال اليكس فالس المتحدث باسم اتحاد العمال إنه بالنظر إلى حجم موناكو وإلى أن عدد العمال إجمالا نحو 40 ألفا فانه كان أداء جيدا. وتزايدت الاحتجاجات في فرنسا المجاورة وفي أماكن أخرى في الأشهر الأخيرة مع اشتداد الأزمة العالمية وتأثيرها على أسواق الائتمان وطلب المستهلكين والوظائف في شتى أنحاء العالم.

تظاهرات

وفي شيلي نفذ الآلاف من موظفي القطاع العام الذين يقلقهم إلغاء وظائف بسبب الأزمة إضرابا رافقته تظاهرات تخللتها صدامات بين الشرطة ومتظاهرين. واعتقل عناصر الشرطة عشرات الأشخاص بعدما استخدموا خراطيم الماء والغاز المسيل للدموع في منتصف النهار في وسط المدينة.

ودعت النقابة الموحدة للعمال إلى الإضراب احتجاجاً على ما أسمته تجاوزات أرباب العمل وفي محاولة للحيلولة دون أن يدفع العمال فاتورة الأزمة. وتطالب النقابات بمزيد من التدابير الاجتماعية وتأخذ عليها التقاعس عن اتخاذ التدابير الملائمة لمنع تجاوزات أرباب العمل في القطاع الخاص.

وتراجع الاقتصاد في تشيلي التي تعتبر واحدة من الاقتصادات الناجحة في أميركا اللاتينية في السنوات الأخيرة 3. 9% في فبراير بعدما سجل في يناير تراجعا بنسبة 1. 4% وهي واحدة من أسوأ النتائج الشهرية منذ عشر سنوات وارتفعت نسبة البطالة 8. 5% في فبراير. وخلال الفصل الأخير من 2008 أدى تراجع أسعار النحاس الذي تعتبر تشيلي منتجه الأول في العالم إلى خسارة 21 ألف وظيفة نتيجة إقفال حقول صغيرة وصعوبات يواجهها المتعهدون من الباطن.

وقال مسؤول نقابي إن عاملين في شركة للإمدادات في شمال شرق فرنسا احتجزوا خمسة من المديرين رافضين الإفراج عنهم ما لم يتحقق تقدم في محادثات بشأن خفض وظائف في الشركة. واقتحم نحو 125 موظفا اجتماعا إداريا لشركة اف.ام لوجستيك في مدينة وويبي في أحدث مثال على حوادث احتجاز العمال الفرنسيين الغاضبين لمديريهم حتى تسمع مطالبهم.

وقال برونو داميان أحد المحتجين: فاض بنا الكيل. نعيش في قلب إعادة الهيكلة منذ أبريل 2008 وتفاوضنا لسنة كاملة ولم نتمكن من إسماع صوتنا. ويمثل هذا الحدث حلقة أخرى في سلسلة احتجاز العمال لمديرين مع تفاقم الأزمة الاقتصادية.

وتشير استطلاعات الرأي إلى أن أكثر من نصف الفرنسيين يعتبرون هذه الأحداث مبررة. لكن المتحدث باسم الحكومة ووزير الدولة للصناعة لوك تشاتيل استنكر هذا الاحتجاج قائلا إن هذه الأعمال ليست الرد الملائم على الأزمة الاقتصادية حتى ولو كان العمال يمرون بأوقات عصيبة. وتخطط شركة اف.ام لوجستيك لخفض 475 وظيفة في وويبي بحلول مايو 2010.

وقال داميان ان ممثلي النقابة قدموا ما يزيد على عشرة اقتراحات للإدارة بشأن سبل التعامل مع شروط خفض العمالة أو جهود العثور على وظائف جديدة للعاملين. ويأتي خفض الوظائف المقرر بعد قرار لشركة هيوليت باكارد الكبرى لصناعة أجهزة الكمبيوتر الشخصية بنقل أنشطة تغليف طابعاتها إلى ماليزيا بدلا من الاستعانة باف.ام لوجستيك في وويبي. وكان عاملون في مصانع فرنسية تديرها شركات سكابا البريطانية وسوني وثري ام وكاتربيللر قد احتجزوا أيضا مديريهم داخل مكاتب للمطالبة بشروط أفضل للتسريح.

اقتراب نهاية المهلة

ولا تزال القطاعات الصناعية تواجه المزيد من المشاكل خصوصاً في مجال صناعة السيارات. ومع اقتراب نهاية المهلة التي قدمتها الحكومة لشركات صناعة السيارات المتعثرة في الولايات المتحدة قبل إشهار إفلاسها ألمحت شركة فيات الإيطالية إلى نفاد صبرها بسبب عدم التوصل إلى اتفاق بشأن الاندماج مع كرايسلر الأميركية في حين تبحث جنرال موتورز عن مشترين محتملين لشركة ساتورن التابعة لها.

وتنتهي المهلة الممنوحة لكرايسلر من أجل ضبط أوضاعها المالية بنهاية الشهر الحالي في حين تنتهي مهلة جنرال موتورز بنهاية الشهر المقبل. وقال سيرجيو مارشيوني الرئيس التنفيذي لمجموعة فيات الإيطالية إن شركته ستتخلى عن مشروع الاستحواذ على كرايسلر إذا لم يوافق عمال الشركة الأميركية وبخاصة في فرعها الكندي على خفض الأجور والمزايا التي يحصلون عليها.

وكانت الحكومة الأمريكية قد رصدت 6 مليارات دولار إلى كرايسلر من أجل حمايتها من الإفلاس وألزمتها بالتوصل إلى اتفاق مع فيات بنهاية الشهر الحالي وإلا فلن يكون هناك بديل سوى إشهار إفلاس ثالث أكبر شركة سيارات في الولايات المتحدة. في حين أعلنت الحكومة الكندية اعتزامها تقديم مليار دولار إضافية لمساعدة كرايسلر في حالة إتمام صفقة الاستحواذ.

وأعلنت مجموعة جنرال موتورز أكبر منتج سيارات في الولايات المتحدة أن مجموعة من المستثمرين وموزعي السيارات بينهم بلاك أواك تدرس شراء شركة سيارات ساتورن التابعة لها. وذكرت جنرال موتورز أنها إذا لم تتوصل إلى صفقة قيمة لبيع ساتورن فإنها ستتخلى عن العلامة التجارية لتتلاشى بمرور الوقت. وقالت جنرال موتورز في بيان إن هناك لجنة من موزعي ساتورن تدرس الجدوى الاقتصادية لبيع أو فصل هذه العلامة التجارية كشركة مستقلة.

وأشارت الشركة إلى أن مجموعة بلاك أواك بارتنرز من بين المهتمين بشراء العلامة التجارية. كما تدرس جنرال موتورز بيع قطاع سيارات هامر في إطار إجراءات إعادة الهيكلة للخروج من الأزمة الطاحنة التي تمر بها. وتواجه جنرال موتورز التي حصلت على دعم من الحكومة الأمريكية قدره 13 مليار دولار تحديا خطيرا يتمثل في ضرورة ضبط أوضاعها المالية بنهاية الشهر الحالي حتى لا تضطر على إشهار إفلاسها.