احتفل المركز الدولي للزراعة الملحية وتحقيق الأمن المائي والأمن الغذائي في الدول الأعضاء بالبنك الإسلامي للتنمية، بالذكرى العاشرة لتأسيسه، بحضور ورعاية معالي الدكتور راشد أحمد بن فهد وزير البيئة والمياه في دولة الإمارات والدكتور أحمد محمد علي رئيس مجموعة البنك الإسلامي ورئيس مجلس أمناء المركز.
وحضر الاحتفال الذي أقيم في 25 مارس الماضي في مقر المركز في دبي، ووزير الزراعة والثروة السمكية السابق سعيد الرقباني، وفوزي السلطان رئيس مجلس إدارة المركز الدولي للزراعة الملحية، وعدد من ممثلي المنظمات الدولية وأعضاء السلك الدبلوماسي والقنصلي. وفي كلمته بهذه المناسبة، أعرب الدكتور أحمد محمد علي عن صادق التقدير لدولة الإمارات العربية المتحدة رئيسا وحكومة وشعبا، لما حظي به جميع المشاركين من كرم ضيافة وحسن استقبال، ولما تقدمه من دعم متواصل، مشكور غير مكفور، لأعمال البنك، كما أثنى على «مِنَنٍ عديدة حظي بها المركز من حكومة دبي بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد»، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي. وأكد أن رعاية دولة الإمارات للمركز «أسهمت في تحقيق إنجازات عديدة سيكون لها أثر ملموس بإذن الله في الأمن المائي والغذائي للمنطقة، وفي الازدهار الاقتصادي لدولنا الأعضاء».
وقفات ودلالات
وتوقف الدكتور أحمد محمد علي خلال كلمته عند «وقفاتٍ تصل الماضي بالمستقبل.. وتحمل مؤشرات ودلالات جديرة بالاستبصار». واستذكر في هذا الصدد جولة بالطائرة في أجواء الإمارات عام 1975، وكيف كانت بدايات مزارع النخيل يومئذ «نقطة في بحر القِفار والكثبان الرملية، ولمعة في صحراء قاحلة»، ثم «كيف قهرت دولة الإمارات العربية المتحدة صحراء الشوب وتربة السباخ وماء الملوحة، وبسطت على القفار رياضاً نضرة ترونها الآن حيثما اتجهتم عن يمين وشمال»، مشيرا إلى أن «هذه التحولات تحمل بصمات عبقرية والدنا المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، وأنها ترجمان لرؤيته الثاقبة وثمرة من ثمار تصميمه القوي».
أما الوقفة الثانية فتناولت لحظة توقيع اتفاقية إنشاء المركز في يونيو 1996، وتولي البنك الإسلامي إدارة النشوء في السنوات العشر الأولى قبل تسليمه لدولة الإمارات، والتي وصفها بأنها «وقفة مليئة بالتفكر والاعتبار»، حيث إنها ـ وإن كانت لحظة تفاؤل بنجاح هذا المركز ـ فقد كانت مشوبةً بحيرة وحذر، «غير أن الاخضرار المتنامي في كل أرجاء الإمارات لم يترك للتردد أو الحيرة مجالاً»، مؤكدا أن المركز «حقق نتائج متميزة ومنجزات عديدة... وهو الآن مستعد للانتقال من الفاعلية إلى الرقي في خدمة الناس، والتأثير الايجابي في حياتهم».
وفي وقفته الثالثة استشرف التحدي الكبير لمجابهة المأزق الذي يحدق بالأمن الغذائي والمائي في المنطقة، «فالتوقعات على المدى الطويل تنذر بأن الأمور ستزداد سوءاً مع مرور الزمن». وأضاف: وكما أن الشيخ زايد رحمه الله رأى ببصيرته الجِنان الخضراء خلف الصحراء فتصدى للتخطيط الاستراتيجي لتحقيق تلك الرؤية، فإن رؤيتنا لمركز الزراعة الملحية في خضم الأزمات مليئة بالتفاؤل.
وأكد في ختام كلمته أن من حق المركز الانطلاق من أوسع دائرة للأحلام والطموحات، عبر تسخير أفضل التصميم وأحسن التخطيط للنجاح، وأن البنك الإسلامي للتنمية دائم الاستعداد لشد عضد المركز ومؤازرته في مواجهة تحديات المرحلة الجديدة.
من جانبه، أشاد د. شوقي البرغوثي المدير العام للمركز بالدعم الذي يحظى به المركز وأهدافه من دولة الإمارات، منوها في هذا الصدد بأن تأسيس المركز تم بمباركة من المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه.
وفي تصريح خص به «البيان»، قال د. البرغوثي إن الدعم الذي أولته دولة الإمارات للمركز مكنه من تحقيق نقلة نوعية بالانتقال من مرحلة التركيز على البحوث الزراعية التطبيقية في البيئات ذات المياه والأراضي المالحة، إلى منهج أشمل لتحسين الإنتاجية الزراعية معتمدا على الإدارة المتكاملة للموارد المائية بكل أنواعها.
و أضاف أن المركز استطاع منذ البداية تكوين نموذج فريد للشراكة الاستراتيجية المتكاملة مع الدولة المضيفة، تمثلت في تنفيذ 18 مشروعا وتقديم الاستشارات الفنية للجهات المعنية في الدولة، كما قام بتدريب أكثر من 250 من المتخصصين.
التأسيس والمسار
تأسس المركز الدولي للزراعة الملحية في العام 1999 بمبادرة وتمويل من البنك الإسلامي للتنمية، بهدف مواكبة العلوم والتقنيات الحديثة ومجابهة التحديات التي تواجه الدول الأعضاء في مجالي الأمن المائي والأمن الغذائي. وقد استضافت دولة الإمارات العربية المتحدة المركز في مدينة دبي، وساهم في تمويله ودعم أبحاثه خلال السنوات الماضية الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، وصندوق الأوبك للتنمية الدولية، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، والبنك الدولي، وهيئة البيئة في أبوظبي، وعدد من الجهات المانحة ومؤسسات القطاع الخاص العربية والدولية.
بدأ المركز مسيرته بخطة استراتيجية خمسية هدفها المساهمة في حل أزمة الغذاء، من خلال الاستخدام الأمثل لموارد المياه غير التقليدية. كما ابتدأ مؤخرا تنفيذ خطته الاستراتيجية الثانية للأعوام 2008-2012، والتي تركز بشكل أساسي على تطوير كفاءة استخدام الموارد المائية (تقليدية وغير تقليدية)، وزيادة إنتاج المحاصيل الزراعية لحل أزمة الغذاء التي تواجه كافة الدول الأعضاء، إضافة إلى وضع برامج تدريبية حديثة لتطوير الكفاءات والخبرات الوطنية والإقليمية.
ونفذ المركز خلال السنوات الماضية أكثر من 50 مشروعاً بحثياً استراتيجياً في عدد من الدول الأعضاء، بالتعاون مع برامج البحوث الزراعية الوطنية، امتدت من دول آسيا الوسطى شرقاً حتى دول المغرب العربي غرباً، وشملت نقل المعرفة والتقانة وتطوير وإدخال أصناف مختلفة من الأعلاف والشجيرات والأشجار المتحملة لظروف الحرارة والجفاف والملوحة التي يعاني منها معظم دول المنطقة.
وقد اهتم المركز بتطوير القدرات البشرية من خلال عقد ورش العمل والدورات التدريبية التي استفاد منها أكثر من 850 باحثاً ومختصاً من أكثر من 40 دولة من الدول الأعضاء يمثلون كافة قطاعات الزراعة والمياه والبيئة، وشملت مجالات الموارد الوراثية النباتية وموارد المياه الهامشية والري والتربة ونظم الإنتاج الزراعية والنباتات الملحية في البيئات الهامشية الجافة وشبه الجافة، بالإضافة إلى عقد المؤتمرات والندوات العلمية المختصة التي استفاد منها الآلاف.
ويمتلك المركز محطة أبحاث مجهزة بمرافق البنية التحتية، من مختبرات ومشاتل ونظم ري مختلفة، ويدير بنكاً للجينات الوراثية النباتية يضم حوالي 10 آلاف سلالة من النباتات المتحملة للملوحة، تنتمي لحوالي 250 نوعاً نباتياً مجمعةً من أكثر من 80 بلداً حول العالم.
وحظي المركز مؤخراً بشراكة استراتيجية مع المجلس العربي للمياه لاستضافة وإدارة الأكاديمية العربية للمياه، بالتعاون مع هيئة البيئة في أبوظبي وبدعم من البنك الدولي والبنك الإسلامي للتنمية. وتهدف الأكاديمية إلى تطوير وتنفيذ برامج تدريبية للمسؤولين والمختصين والخبراء العاملين في قطاع المياه والقطاعات الأخرى المرتبطة به في الوطن العربي، وربط الدراسات الأكاديمية بالتدريب الميداني التطبيقي.
ويتعاون المركز الدولي للزراعة الملحية مع برامج البحوث الوطنية الزراعية ومع القطاع الخاص في الدول الأعضاء في البنك الإسلامي للتنمية، لتطوير برامج بحثية ضمن منظومة الإدارة المتكاملة لموارد المياه، والاستفادة من مصادر المياه المالحة والمعالجة ومياه البحر المحلاة، في زيادة الإنتاج الغذائي لدول المنطقة وتخفيف الضغط على مصادر المياه العذبة.
وتركز أبحاث ومشاريع المركز في الدول الأعضاء على تحديات الأمن المائي والأمن الغذائي، وذلك من خلال تنفيذ خطته الاستراتيجية التي تشمل ثلاثة برامج رئيسية، هي:
الإدارة المتكاملة لموارد المياه وتعزيز الأمن المائي.
استخدام مصادر المياه غير التقليدية في الإنتاج الزراعي وتخضير البيئة.
تطوير وتنمية القدرات البشرية في قطاعي المياه والزراعة.
وبعد جهود مشتركة من المركز الدولي للزراعة الملحية وهيئة البيئة في أبوظبي والبنك الدولي والبنك الإسلامي للتنمية، قرر المجلس العربي للمياه اختيار المركز الدولي للزراعة الملحية لاستضافة الأكاديمية العربية للمياه، بالتعاون مع هيئة البيئة في أبوظبي. وقد انطلقت الأكاديمية رسمياً، ومقرها أبوظبي، في 6 يوليو 2008.
وتهدف إلى تنمية القدرات والمهارات الإدارية للقيادات العليا العاملة في قطاع المياه في الوطن العربي، حيث ستكون مركزاً لعقد ورش العمل والندوات التي تناقش العوامل المؤثرة على القطاع المائي، وجسراً يربط الدراسات الأكاديمية بالتدريب الميداني التطبيقي، ونموذجاً يحتذى به لتطوير القطاعات المائية في بقية أنحاء العالم.
منهج متكامل
يتبنى المركز الدولي للزراعة الملحية منهجا متكاملا لتطوير الإنتاجية الزراعية وتحقيق الأمن المائي والأمن الغذائي، عبر تطوير كفاءة استخدام مياه الري، من خلال:
تطوير السياسات المائية والزراعية، وخصوصاً في القطاع الزراعي لترشيد استهلاك المياه وزيادة كفاءة الاستخدام وتقليل الهدر.
تغيير الأنماط الزراعية وإنتاج محاصيل أكثر كفاءة للمزارعين.
تسعير المياه لتطوير قدرة المؤسسات المائية على الوفاء بالتزاماتها.
تطوير تقنيات الري بالاعتماد على نظم الري الحديثة.
الاعتماد على مصادر المياه البديلة، والتي تشمل المياه المالحة والمياه العادمة المعالجة ثلاثياً ومياه البحر المحلاة، لإنتاج محاصيل الأعلاف وري الزراعات التجميلية وبعض المحاصيل الغذائية.
تطوير المنتجات الزراعية من خلال الأبحاث، لزيادة إنتاجيتها أو تطوير محاصيل بديلة.
تطوير القدرات البشرية في مؤسسات قطاع المياه والقطاع الزراعي.
زيادة الوعي الجماهيري للحد من الإسراف في استخدام المياه، سواء في القطاع المنزلي أو الصناعي أو الزراعي.
عبدالله إسحاق

