استحوذ القطاع المصرفي على الحصة الأكبر من عمليات شطب الوظائف خلال فترة الأشهر الست الممتدة ما بين أغسطس 2008 وفبراير الماضي حيث بلغ عدد الوظائف الملغية في القطاع خلال تلك الفترة 325 ألف وظيفة مقابل 478 ألفاً في بقية القطاعات الأخرى. وجاءت هذه البيانات في وقت سجلت فيه البنوك العالمية مزيداً من الخسائر خلال الربع الأول من العام الحالي. وأعلن يو بي أس السويسري عن تكبده خسائر في الربع الأول من العام بلغت 7. 1 مليار دولار.

وأعلنت الإدارة الأميركية أنها تأمل في أن تسعى المصارف التي تواجه صعوبات أو التي تحتاج إلى مساعدة إلى الحصول أولا على مساعدة من القطاع الخاص قبل اتخاذ تدابير حكومية لمساعدتها. وأكد البيت الأبيض أن السلطات الأميركية ستنشر خلال الفترة الممتدة من نهاية أبريل الجاري وبداية مايو المقبل معلومات عن أوضاع المصارف الكبرى التسعة عشر في البلاد، بدلا من المجازفة بتأجيج الهواجس من خلال التكتم وقال المتحدث باسم الرئاسة روبرت غيبس ان وزير الخزانة تيموتي غايتنر ووزارة الخزانة يقران منذ فترة طويلة بأن الشفافية مهمة لدافعي الضرائب والمصارف واستقرار النظام المالي عموما. وكان غيبس يلمح إلى اختبار المقاومة الذي فرضته السلطات الأميركية على كبرى المصارف التسعة عشر في البلاد التي تفوق أصولها 100 مليار دولار لتقويم تضامنها وحاجاتها المحتملة إلى رؤوس أموال إضافية لمقاومة تدهور ما ناجم عن الأزمة الاقتصادية.

وقيل في الفترة الأخيرة أن السلطات قد تقرر الاحتفاظ بنتيجة هذا الاختبار طي الكتمان حتى لا تضطر إلى الكشف عن أسماء المصارف القوية وتلك التي تواجه صعوبات. لكن ذلك قد يحمل المصارف القوية إلى التباهي بالتقويم الذي يخصها، مما يؤجج في الوقت نفسه هواجس المصارف الأخرى. وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن الحكومة قد تخرج من هذا المأزق من خلال الكشف عن بعض التفاصيل الدقيقة في التقويم. وقال مسؤول في الإدارة إن الهدف من هذه الخطوة هو منع تفشي الهلع وليس تأجيجه.

تلويح بورقة التأميم

وفي البرازيل تحدث الرئيس البرازيلى لويز ايناسيو لولا دا سيلفا عن تأميم البنوك المتعثرة وذلك في كلمة ألقاها أمام المنتدى الاقتصادي العالمي لدول أميركا اللاتينية لعام 2009. وأمام أكثر من 500 من رجال الأعمال والمصرفيين والمسؤولين الحكوميين الذين قدموا إلى ريو دي جانيرو شدد لولا على الدور الأساسي الذي يتوجب على الدولة القيام به للتغلب على الأزمة المالية والاقتصادية الجارية والتي تتطلب إنشاء نظام عالمي جديد. وقال الرئيس البرازيلي إن تأميم البنوك وحتى لو بصورة مؤقتة يجب يستبعد لأسباب أيديولوجية. كما أشار لولا مجددا إلى أن هذه الأزمة لم يسبق لها مثيل في طبيعتها.

وقال إن الأزمات لم تعد امتيازا للبلدان النامية. وتابع الرئيس البرازيلي بقوله إن قمة مجموعة العشرين التي استضافتها العاصمة البريطانية لندن في وقت سابق من هذا شهر اتخذت أولى الخطوات من خلال الاعتراف بأنه لا يوجد حل دون مشاركة البلدان النامية وعن طريق استعراض توزيع السلطة في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

وفسر لولا أن الأزمة أجبرت جميع البلدان على الاعتراف بأنها لم تكن صادقة ونزيهة حيث يمكن أن يجني شخص مليارات الدولارات دون إنتاج أي شيء على الإطلاق بمجرد تبادل أوراق مقابل أوراق ومزيد من الأوراق. كما أشار لولا إلى أن تنظيم النظام المالي لا يعني منح الدولة صلاحيات كاملة على الاقتصاد.

عودة القابلية للمجاذفة

لكن في المقابل تشير التوقعات إلى احتمال حدوث تحسن في القطاع المصرفي خلال الفترة المقبلة ووفقاً لتقرير أصدرته «ميريل لينش» فقد عادت قابلية المجازفة إلى الارتفاع يدفعها التحسن بالشعور الاقتصادي العالمي.

وأشار التقرير إلى أن التفاؤل ازاء النمو بلغ أعلى مستوى منذ اوائل العام 2004. فثمة نسبة 26 في المئة من المشتركين باستطلاع أجرته ميريل لينش يقولون ان الاقتصاد العالمي سيقوى في الاثني عشر شهراً القادمة صعوداً بحدة من 24 في المئة في يناير.

وخلافاً لما جاء في استطلاع مارس أخذ المستثمرين يتصرفون على ضوء التطلعات المتحسنة وانصرفوا الى تصفية مراكزهم النزولية التي كانوا يتحصنون فيها سابقاً. وثمة تباين حيوي قد حدث وهو ان تشاؤم المستثمرين بالنسبة الى أسهم البنوك راح يتضاءل.

حيث ان نسبة المستثمرين الذين يتجنبون البنوك تغيرت بقوة في ابريل إذ نزلت من 48 في المئة الى 26 في المئة. اما نسبة المستثمرين الذين يحتفظون بالنقد اكثر من المعتاد فبلغت 28 في المئة نزولاً من 41 في المئة في مارس. وهناك فقط 17 في المئة من المشاركين يملكون أسهماً تحت المستوى المعتاد مقابل 41 في المئة في مارس.

التحول للقطاعات الدورية

وخلص الاستطلاع إلى أن مخصصي الأصول راحوا يتحولون الى القطاعات الدورية مثل التكنولوجيا. ويقول غاري بيكر، الرئيس المشارك في استراتيجية الاستثمار الدولي: ان تحسّن الشعور بالنسبة الى القطاع المالي نزع بصورة حاسمة العقبة التي تقف بوجه المداورة بين القطاعات وهذا من شأنه نشر التفاؤل على نطاق أوسع إزاء النمو ليغذي قابلية للمجازفة أكبر ويحفّز الخروج من الأسهم المحافظة والاستثمار بالأسهم الدورية.

وفي ذات الإطار يقول مايكل هارنت الرئيس المشارك في استراتيجية الاستثمار الدولي: تحولت الغالبية من حالة نزولية تدميرية الى حالة صعودية كرهية لكن مخصصي الأصول لا يزالون في استثماراتهم بالأسهم تحت المستوى المعتاد الأمر الذي يدل على انهم لم يتبنوا بالكامل فكرة سوق ارتفاعية جديدة.

ويتضح من استطلاع أبريل أن المستثمرين بدأوا يخرجون من رتابة الركود الذي أدى بهم الى اتخاذ تدابير استثمارية متطرفة بقصد الوقاية مخفضين تجنبهم للبنوك. وراح مخصصو الأصول يعودون الى القطاعات الدورية التقليدية. وأصبحت التكنولوجيا القطاع الأكثر شعبية يمتلك أسهمها 27 في المئة من المشتركين بالاستطلاع.

فقطاع الصيدلة الذي كان مفضلاً في مارس والمعتبر ملاذاً تقليدياً في الأسواق النزولية شهد انخفاضاً في شعبيته من 31 في المئة الى 21 في المئة. ان 17 في المئة من المستثمرين هم تحت المعيار المعتاد في القطاع الصناعي نزولاً من 30 في المئة. كما هم حياديون ازاء المواد الأولية مقابل نسبة 10 في المئة كانت استثماراتهم تحت المعيار في مارس.

وفي إشارة على تدهور الأوضاع الاقتصادية في الولايات المتحدة الأميركية رفعت شركة جنرال جروث بروبرتيز ثاني أكبر مالك لمراكز التسوق بالولايات المتحدة دعوى للحماية من الدائنين بموجب قوانين الإفلاس لتصبح من أكبر ضحايا أزمة الائتمان حتى الآن. وأقامت الشركة ومقرها شيكاجو والتي تملك أو تدير أكثر من 200 مركز تسوق في 44 ولاية الدعوى أمام محكمة الإفلاس الأميركية في مانهاتن بعد شهور حاولت خلالها إبرام اتفاقات مع الدائنين.

وقالت الشركة في بيان إنها تعتزم مواصلة البحث عن بدائل إستراتيجية خلال فترة الحماية وستحاول استغلال العملية لإطالة أجل استحقاق قروضها وخفض ديونها. وعبرت عن أملها في الخروج من الحماية بأسرع ما يمكن. وأضافت أن عددا من ممتلكاتها العقارية التي تعد جزءا من مشروعات مشتركة لا يخضع للحماية بموجب قوانين الإفلاس.

مخاوف شرق أوروبا

لكن في المقابل لا تزال بنوك أوروبا الشرقية تثير مزيداً من المخاوف. وأودعت البنوك الأوروبية مبالغ ضخمة في شكل استثمارات في أوروبا الشرقية. وأشارت إحصائية إلى أن البنوك النمساوية أودعت مبالغ ائتمانية تقدر بنحو 201 مليار يورو أي 268 مليار دولار في أوروبا الشرقية والوسطى وهو ما يعادل نحو 70 % من إجمالي الناتج القومي النمساوي الأمر الذي أثار مخاوف كبيرة بشأن مستقبل اقتصاد البلاد.

وقال الاقتصادي الأميركي بول كروجمان إنه بعد ما تعرضت له أيسلندا من انهيار اقتصادي فإن كلا من أيرلندا والنمسا يتهددهما نفس المصير بسبب أوضاع المصارف في أوروبا الشرقية. واحتج مسؤولون وسياسيون نمساويون اعتراضا على تصريحات كروجمان والتي قال فيها إن النمسا تعرض نفسها لخطر الإفلاس بسبب انفتاحها الشديد على بنوك واستثمارات أوروبا الشرقية .

وقال جوزيف برويل نائب المستشار ووزير المالية النمساوي إنه لم يكن هناك داع لتصريحات غير دقيقة قائمة على معلومات غير وافية. وبالرغم من أن كروجمان أقر بأنه لا يملك الأرقام والبيانات الفعلية فإنه قال إن انفتاح النمسا الاقتصادي على أوروبا الشرقية بات مروعا. وقال كروجمان إن الأزمة التي تعصف بأوروبا الشرقية هي على أقل تقدير بنفس درجة سوء الأزمة التي عصفت بشرق آسيا إبان تسعينات القرن الماضي.

(الوكالات)