صحيح أن الضبابية تسود الأفق العالمي من شرقه إلى غربه، وأن أكثر المتابعين والمحللين خبرة وفراسة لم يعد قادرا على إعطاء تحليل دقيق لحركة الاقتصادي العالمي «المترنحة» والمتقلبة وغير الشفافة، إلا أن شركة بحجم وتاريخ «جنرال إلكتريك» تصر على أنها ربحت مبلغ 18 مليار دولار في 2008، أي أن هذا هو أعلى ثالث عام في تاريخها.
وهو ما يدفع بجيفري ايملت رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي للتأكيد على قوة التدفق النقدي التشغيلي لهذا العام بما يربو على 19 مليار دولار، وعلى أن لديها تراكمات أعمال بقيمة 172 مليار دولار في منتجات وخدمات البنية الأساسية، كما تتمتع بتنوع جغرافي، مع ما يصل إلى 53% من إيراداتها خارج أمريكا، ولديها أيضًا خط عملاق من المنتجات الجديدة. وبالرغم من الجهود التي المبذولة لحق الضرر بأسهمإ ، والسبب في ذلك ببساطة هو أن الشركات ذات التواجد في مجال الخدمات المالية، مثل إ لم تعد محل استحسان، وهو ما وصفه ايملت قائلا: «ولا أخفيك سرا أنه ليس هناك من هو أكثر إحباطا مني فيما يخص أداء أسهمنا في هذه البيئة المحفوفة بالصعاب، وأؤكد أننا سنبذل قصارى جهدنا لاستعادة ثقتكم، وسنواصل العمل الدءوب لإعادة إرساء دعائم إ على المدى الطويل».
لكن الشفافية تقتضي الاعتراف بإن هذه الشركات العملاقة تواجه ركودا، في مثل هذه الأوقات، فيكون من العسير التنبؤ إلى أي مدى قد تزداد الأوضاع سوءا وإلى متى قد تستمر؟ فيقول أيملت: «اننا ندير إ من أجل تخطي الأزمة بسلام إلا إنني أعتقد أننا نمر بأكثر من أزمة واحدة.
ومن المتوقع أن تتم «إعادة ترتيب» أوراق الاقتصاد العالمي والرأسمالية بطرق متعددة وذات أهمية. بالتالي سيتغير أسلوب التفاعل بين الحكومة وقطاع الأعمال للأبد. ومن خلال إعادة ترتيب أوراق الاقتصاد، ستكون الحكومة هي المنظم ، كما ستكون نصيرة سياسة الصناعة، والممول والشريك الرئيسي».
مضيفا أنه يتوقع أيضًا أن تتم إعادة هيكلة القطاع المالي بشكل جذري. كذلك، سيقل الرفع المالي، وسيقل عدد المتنافسين، وستنخفض نسبة إعادة التسعير الأساسية التي تتسم بالخطورة. فسيظل كأحد المجالات المهمة، ولكن على نحو مختلف. ولعلنا سنشهد تضاؤل دور صناعة السيارات، في الاقتصاد الكلي المقبل، وتراجع قطاع العقارات لفترة طويلة، وتناقص أهمية الاستثمارات البديلة، وطبيعة المسئولية التنفيذية والتعويضات.
ولكن هل يكفي الانحناء أمام العاصفة حتى تمر؟
يرى إيملت أنه على الشركات الناجحة أن «تنحني» حتى تمر الأزمة، بل عليها أن تبحث عن الفرص الجديدة في العالم الذي تمت إعادة ترتيب أوراقه. واتخاذ إجراءات حازمة لحماية الشركة أثناء فترة الركود. وتنفيذ إستراتيجيتها طويلة المدى. وإقامة الأعمال القوية التي ستفي بمهامها على المدى الطويل. وتوجيه المبادرات العامة التي تعمل على إيجاد الميزة التنافسية.
الاستعداد للأوقات العصيبة
لقد تأهبت الشركات العملاقة لمجابهة وضع اقتصادي صعب في عام 2009، ومن أجل بلوغ هذه الغاية، عملت على تخفيض التكاليف، وزيادة احتياطي الخسائر، وتحسين وضعها النقدي، وتكثيف العمليات الإدارية. واتخذت عدداً من القرارات الصعبة.
وتمكنت جنرال إلكتريك من رفع حقوق المساهمين بقيمة 15 مليار دولار في الوقت الذي تجمدت فيه السيولة فعليًا. كما تمكت من الوصول إلى برامج التمويل الحكومية التي وضعتها على قدم المساواة مع البنوك، واستطعت تحسين سبل تمويلها، كما استطعنا بالفعل الحصول على ثلثي المبلغ اللازم لنمو أعمالها في 2009. وزيادة مصادر تمويلها البديلة لما يصل إلى 54 مليار دولار من خلال البنوك الخاصة.
واستطعت الشركة تحسين حجم السيولة لديها، وخفضت أوراقها التجارية القابلة للتداول من 100 مليار دولار في العام الماضي إلى 60 مليار دولار اليوم، وبالتالي وصلت إلى نهاية عام 2008 ولديها مبلغ 48 مليار دولار نقدًا.
وتهدف حاليًا إلى أن يصل الرفع المالي في رأسمال إ إلى نسبة 6:1 في 2009. يرى إيملت أن شركته مستعدة لمواجهة اقتصاد شديد القسوة: «حيث تعاملنا بشكل واقعي في تقدير خسائرنا، وبالمقارنة بالبنوك، نستفيد من نسبة المخاطرة الأقل مع العملاء كما أن قروضنا التجارية تنتمي لفئة أعلى وذات ضمانات، نحن مستعدون للإبقاء على الأصول وتشغيلها خلال الأزمة للوصول إلى أقصى قيمة ممكنة لها». حوأضاف: «اتخذنا إجراءات صارمة لتقليل التكاليف بما يصل إلى 5 مليارات دولار.
ومن المتوقع أن تنخفض تكلفتنا الأساسية العام القادم بنسبة 7%، عن طريق تخفيض الأيدي العاملة وتخفيض الإنفاق. كما قمنا بتبسيط الهياكل التنظيمية وتقليل الطبقات. وسنقلل من التكاليف ذات الطبيعة المتغايرة، منها ملياري دولار مترتبة على عمليات الشراء المباشرة للمواد الخام. ونتوقع انخفاض تكاليفنا غير المباشرة إلى ما يقرب من 10%.
وقال: «تدر أعمالنا الصناعية أرباحا تبلغ حوالي 16 مليار دولار نقدًا سنويًا، حتى خلال فترة الانكماش الاقتصادي، ونصبو إلى تقليل رأس المال العامل بما يصل إلى حوالي 5 مليارات دولار خلال العامين المقبلين، مما سيوفر سيولة سيتم إعادة استثمارها لتحقيق النمو، أو لدعم الأرباح، أو لتعزيز ميزانيتنا».
ولكن يجب أن تتصدر السلامة قائمة أولويتنا لتخصيص رأس المال في الوقت الراهن. ولبلوغ هذه الغاية، سنواصل إدارة الشركة بأعلى درجة للتصنيف الائتماني، أي «ءءء»، بما في ذلك رأس المال الكافي وخفض الرفع المالي والأرباح الثابتة وسياسات التمويل المعتدلة.
وقد وضعنا الأسس القادرة على الصمود أمام هذه العاصفة الاقتصادية. لكن للخروج من هذه الأزمة كشركة ذات قيمة أكبر، يتطلب الأمر التزامًا لا يتزعزع لتنفيذ إستراتيجتنا طويلة المدى: إقامة أعمال قوية ودعم الميزة التنافسية».
إقامة أعمال تتمتع بالقوة
بمرور الوقت، استطعت جنرال إلكتريك تحويل محفظة استثمارات إ تتلاءم مع الفرص الجديدة، وذلك ظل أمرًا حقيقيًا حتى يومنا هذا، يوضح المخطط الوارد بهذه الصفحة صافي الأرباح التراكمية لـ إ على مر العقود الأربعة الماضية السبعينات: 8 مليارات دولار، الثمانينات: 24 مليار دولار، التسعينات: 65 مليار دولار، العقد الأول من الألفية الجديدة: ما يقرب من 170 مليار دولار، وتمكنا من العمل بنجاح أثناء الأزمات الاقتصادية.
قمنا، في العام الماضي، بتبسيط إطار العمل التشغيلي الخاص بنا للتركيز على أربعة أعمال أساسية: هي البنية الأساسية للطاقة والتقنية والتمويل والإعلام. في عام 2008 ، تراجعت أرباحنا بنسبة 19%، بينما تقلصت أرباح مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 30%. ليس هذا هو «الأداء الفائق» الذي ننشده، لكننا كنا أفضل حالاً من قطاع عريض من الشركات الموجودة في السوق.
وبمرور الوقت، ومع تحسن الاقتصاد، نتوقع أن تواصل أعمالنا نموها على نحو أسرع من مؤشر ستاندرد آند بورز500. و نضع نصب أعيننا ثلاث أولويات في عام 2009: و هي توسيع نطاق ريادتنا في كل من البنية الأساسية والإعلام والاستفادة من المزايا المتوائمة مع الظروف المحيطة التي تتمتع بها إ، وإيجاد تمويل رأس مالي أكثر تركيزًا لـ إ .
كيف تتصرف الشركات العالمية في ظل الأزمة؟
مر التقرير السنوي لشركة جنرال إلكتريك مرور الكرام في وسائل الإعلام المختلفة، في الوقت الذي يتصاعد فيه سيناريو الانهيار والإفلاس لشركات أمريكية وأوروبية عابرة للقارات، واتخذت بعض حكومات الدول المتقدمة إجراءات تمهيدية لمواجهة الأثر النفسي والاقتصادي لمثل هذه النهايات الموجعة! لكن جيفري ايملت رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي لجنرال إلكتريك، تمكن أن يتعامل مع الحقائق المؤلمة بشجاعة معترفا بشراسة الصمود في وجه هذا الإعصار، ويبقى السؤال: هل تكفي الشجاعة والشفافية لمواجهة الدمار؟ ومن هو المسؤول في نهاية المطاف عما حدث ويحدث وسيحدث؟
لقد كان عام 2008 عاما قاسيا، ويتوقع أن يكون 2009 أشد قسوة، فقد بات تحدي السيولة بمثابة مأزق اقتصادي عالمي، بذلت الشركات فيه الكثير من الجهد للحفاظ على سلامتها وأن محفظة استثماراتها المتنوعة قادرة على حمايتها من شتى أنواع العثرات الاقتصادية، لكن لم يخطر ببالها أبدا أن يلحق الفشل بالنظام المالي العالمي وما سيتبعه من انهيار اقتصادي مستمر.
لقد خسر الاقتصاد العالمي في قطاع الخدمات المالية مبلغ ترليوني دولار على أقل تقدير، وتتراوح قدرة الإقراض الخاصة بالنظام ما بين خمسة إلى عشرة تريليونات دولار، وهو ما يؤكد أن العالم الآن دخل رسميا في مرحلة ركود اقتصادي.
صحيح أن الإجراءات الحكومية ساعدت على تحقيق الاستقرار للبيئة العالمية، ونتيجة لذلك، شهدت أسواق رأس المال تحسنا، يرجع في الأغلب إلى الإجراءات الصارمة التي اتخذها كل من المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ومؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية الأمريكية ووزارة الخزانة الأمريكية والحكومات العالمية.علاوة على ذلك، يُنتظر أن توفر البرامج التشجيعية الجاري تنفيذها حول العالم تريليونات الدولارات لضخها في استثمارات جديدة.
محمد بيضا

