يعد نظام تخزين واستعادة المياه في الطبقات الجوفية من الأرض (ASRS) خياراً قابلاً للاستمرارية لإدارة المياه، وهي عملية يتم فيها ضخ مياه الصرف الصحي المعالجة إلى طبقة جوفية تلعب دور خزان الماء حيث تتم هناك عمليات تنقية طبيعية إضافية قبل أن يتم استعادتها لتستخدم للأغراض المنزلية ومن ضمنها الشرب .
تعاني الكثير من المناطق في العالم من شح في إمدادات المياه، ويعد الشرق الأوسط وشمال افريقيا أكثر المناطق تضرراً . فالمنطقة تمتلك
1 %فقط من مخزون المياه العذبة في العالم ويوجد فيها 5 % من سكان العالم كما تسجل أقل نسبة لهطول الامطار مما يشكل وضعاً ينذر بالخطر . من الناحية الاخرى، توفر التقنية الحديثة عدداً من الحلول المستدامة من ضمنها برامج«من الصرف الصحي إلى الصنبور» المبتكرة والتي يمكن أن تكون حلاً لمشكلة إمدادات المياه العذبة المتناقصة باستمرار حول العالم .
ويمكن أن يعزى التناقص التدريجي لمصادر المياه الطبيعية المتجددة لعاملين هما زيادة السكان المستمرة وسوء إدارة واستخدام مصادر المياه . ويعد نظام تخزين واستعادة المياه في الطبقات الجوفية من الأرض (ءسزس) خياراً قابلاً للاستمرارية لإدارة المياه، وهي عملية يتم فيها ضخ مياه الصرف الصحي المعالجة إلى طبقة جوفية تلعب دور خزان الماء حيث تتم هناك عمليات تنقية طبيعية إضافية قبل أن يتم استعادتها لتستخدم للأغراض المنزلية ومن ضمنها الشرب . وفي ظل هذا النظام، تمر مياه الصرف الصحي بعملية معالجة عضوية بيئية شاملة تتبعها تنقية المياه بالمرشحات وتنتهي بالتناضح العكسي والتطهير للحصول على النقاوة التامة .
ويمكن أن تشكل الطبقات الجوفية من الأرض خزانات طبيعية يمكنها أن تحوي كميات كبيرة من الماء يمكن استخدامها لأهداف الاستعمال المنزلي والشرب .
وفي ظل هذا النظام، تمر مياه الصرف الصحي بعملية معالجة شاملة تتبعها معالجة بالمرشحات الرملية أو الغشائية وتنتهي بالتناضح العكسي والتطهير للحصول على النقاوة التامة . وعند هذه المرحلة تصبح المياه صالحة للشرب والاستخدامات الأخرى ولكن لسبب أو لآخر قد لا يحصل هذا النظام على قبول عام .
ويمكن التغلب على هذه المشكلة من خلال الضخ الاصطناعي لهذه المياه إلى الطبقات الجوفية من الأرض والتي يمكن أن تشكل خزانات طبيعية هامة للمصدر الوحيد للمياه التي إذا تم استنفاذه يمكن أن يؤدي ذلك إلى كارثة طبيعية .
وتحسن عملية الضخ عملية معالجة المياه من خلال عملية المعالجة الطبيعية ضمن طبقات التربة، هذا ويعتمد موقع وحجم الطبقات الجوفية على الظروف الجيولوجية للصخور الداخلية تحت الأرض؛ لذا فإن الاختيار الصحيح للطبقات الجوفية وفترة الاحتفاظ المتعلقة بها يمكن أن تحقق مزايا تحسين إضافية تتضمن إضافة المعادن الطبيعية للماء فقد تحتوي طبقات التربة على معادن يمكن أن تحسن من جودة المياه .
كما يمكن لانواع محددة من طبقات التربة الجوفية الطبيعية ان تزيل أية آثار عضوية بسبب احتوائها على مواد تعرف بقدرتها على التخلص من 99% من بقايا المواد العضوية مثل البنزين، التولين، الكلوروفورم، كما تمتلك بعض الأتربة الطبيعية خاصية التبادل الأيوني التي تساعد على إزالة بعض الأيونات مثل المعادن الثقيلة والأمونيا .
مزايا اضافية
وتتضمن المزايا الإضافية الترشيح الطبيعي، خفض نسب النيتروجين والفسفور ولكن هذه المزايا يمكن تطبيقها في حالة ضخ المياه من دون الحاجة لعملية التناضح العكسي المعقدة .
ويمكن لعملية ضخ المياه داخل الطبقة الجوفية أن تتم بأعماق مختلفة بالاعتماد على عمق الطبقة المستقبلة .
ويمكن أن يتم الضخ ضمن طبقات جوفية محصورة، نصف محصورة، أو غير محصورة ولكنها تتم عادة ضمن طبقات جوفية نصف محصورة تستنفذ عادة بسبب السحب المفرط للمياه .
ويمكن للطبقات الجوفية المحصورة أن يعاد ملؤها من خلال الضخ المباشر إلى الطبقة أو الضخ في مواقع نائية مما يسمح بالوقت الكافي لتحقيق المعالجة الضرورية للمياه .
فمثلاً واحة البحرية في الصحراء المصرية هي عبارة عن طبقة جوفية محصورة يتم إعادة تجديدها بشكل طبيعي من خلال بروزات الحجر الرملي في النوبة في السودان . وقد تم تحديد تقنية تخزين واستعادة المياه في الطبقات الجوفية من الأرض كأحد المصادر المستقبلية للمياه في إل باسو تكساس في الولايات المتحدة .
وأثبت النظام جدواه ونجاحه لدرجة أن المدينة تفكر جدياً في إنشاء محطة معالجة للمياه السطحية لمعالجة المياه الزائدة من نهر ريو جراند لإعادة ضخها في الطبقات الجوفية . ويمكن سحب المياه بعد ذلك من الآبار خلال موسم الجفاف .
ومن الواضح أنه بالإضافة إلى إمكانيات التخزين الإستراتيجية، يمكن لهذا النظام إن يقلل من التبخر وهو حل متفوق للخزانات التي تبنى فوق الأرض . وفي حال المياه العادمة التي تمت معالجتها، يقوم هذا النظام بكسر الحاجز النفسي لاستخدام مياه الصرف الصحي لأهداف الشرب والأغراض المنزلية .
بالإضافة لكسر الحاجز النفسي، يمكن أن يكون لإعادة تجديد المياه في الطبقات الجوفية عدة مزايا أخرى . فهو يوفر مصدراً ثابتاً للمياه كما ان أساليب إعادة الضخ تكون مرغوبة بيئيا خاصة في المناطق القاحلة .
وتشمل مزايا حقن الطبقات الجوفية زيادة القدرات المستدامة لتلك الطبقات و تحسين نوعية المياه فيها من خلال ضخ مياه عالية الجودة، كما ان معظم أنظمة إعادة الضخ سهلة التشغيل و ذات تقنيات بسيطة يسهل فهمها وهي تغلق الثغرة في دورة حياة الماء .
إعادة الضخ
من الجانب التجاري لعملية إعادة الضخ، قامت ماتيتو أوفرسيز بعدة تحاليل لتحديد جدوى هذه العملية .
وفي واحدة من هذه الدراسات، تم مقارنة تكلفة تحلية مياه البحر بتكلفة إعادة استخدام مياه الصرف الصحي باستخدام عملية معالجة طبيعية متوفرة تجارياً يتبعها الترشيح الدقيق والتناضح العكسي . وقد أظهرت الدراسة على محطة نموذجية باستطاعة 10 آلاف متر مكعب في اليوم أن هناك مزايا تجارية هامة يمكن تحقيقها باستخدام عملية إعادة استخدام مياه الصرف الصحي كمصدر لمياه الشرب .
فقد تم تقدير تكلفة إنتاج المياه من خلال إعادة استخدام مياه الصرف الصحي بحوالي 0 .42 دولار للمتر المكعب وهي تكلفة أقل من إنتاج المياه بواسطة تحلية مياه البحر . وقد بلغت التكلفة 0 .46 دولار للمتر المكعب في محطة الصليبية لمعالجة المياه في الكويت وهي أكبر محطة في العالم تقوم بتحويل مياه الصرف الصحي إلى مياه بجودة مياه الشرب .
وبالرغم من أن المياه التي تنتجها محطة الصليبية لن تستخدم لأهداف الشرب، ولكن استخدامها للري والأغراض الصناعية سيخفف من الضغط على عملية تحلية المياه المكلفة والتي كانت تستخدم لتلك الأهداف الأخرى سابقاً .
ويعد الماء جزءاً أساسياً من التنمية المستدامة، و بالرغم من أن بعض البلاد قد أنعم الله عليها بمصادر المياه الطبيعية الوفيرة فإن العديد من الدول ليس لديها خيار إلا التطلع لمصادر المياه البديلة .
وتعد ناميبيا إحدى أكثر الدول جفافاً جنوب الصحراء الكبرى في افريقيا ولكنها من خلال الإدارة الدقيقة استطاعت أن تضمن بقاء إمدادات المياه مستقرة من خلال استخدام تقنيات متطورة في تخزين واستعادة المياه في الطبقات الجوفية .
وتعتمد العاصمة ويندهوك في إمداداتها المائية على ثلاثة سدود بنيت على أنهار عابرة تجري لعدة أيام فقط في الموسم الماطر . وقد كان من الصعب الاستفادة من المياه بشكل تام بسبب معدلات التبخر العالية حيث يتم الاستفادة من 15 .7 متر مكعب من الماء بينما كانت حصة التبخر حوالي 35 متراً مكعباً .
لذا كان يتم دعم إمدادات المياه من خلال الماء الذي يضخ من عدة آبار ذات معدلات تعافي منخفض . وللتغلب على هذه المشكلة، بدأت السلطات في عام 1992 برنامجاً ناجحاً لإدارة موارد المياه وبعد أربع سنوات، تم خفض الطلب إلى مستويات عام 1989 بالرغم من زيادة السكان بنسبة 35 بالمئة .
أما بالنسبة لمنطقة الخليج التي تتوفر فيها مصادر وافرة من مياه البحر، فإن تحلية مياه البحر هو البديل الطبيعي . لذا تعد المنطقة أكبر سوق لهذه التقنية .
ولكن عدد المحطات يجب أن يدار بشكل جيد لأن بناء عدد مبالغ به من المحطات يمكن أن يؤدي إلى الاضرار بالبيئة البحرية ويؤذي الحياة المائية . بالإضافة لذلك، يمكن بناء عدد محدد فقط من هذه المحطات وذلك بسبب القدرات المالية المحددة للهيئات العامة .
أما بالنسبة للدول التي لا يوجد لديها مصادر مائية بحرية، فلا يوجد لديها خيار إلا تحسين إدارة مصادر المياه الحالية وتعزيزها من خلال زيادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة .
وتعد التنمية المستدامة والتقنيات المتطورة الحل الأساسي لمواجهة مشكلة شح المياه العالمية ويمكن للإدارة الفعالة أن تضمن تخفيف النقص في المياه إلى أدنى الدرجات .
وتعتبر عملية إعادة تكرير المياه إحدى الطرق لتخفيف استخدام مصادر المياه العذبة وهذا يوفر الكثير من المزايا البيئية . وهناك العديد من الاستخدامات للمياه المعالجة من الاستخدام المباشر للشرب وحتى الاستخدام غير المباشر مثل الاستخدام الصناعي في ابراج التبريد، مصافي النفط، ومحطات البتروكيماويات، وفي الزراعة لري المحاصيل ولمهام البلدية مثل غسيل الطرق .
تعتمد الدرجة التي يتم فيها معالجة المياه على استخدامها النهائي فيما إذا كانت لأهداف الشرب والاستخدام المنزلي أو للاستخدامات الأخرى ويتم على هذا الأساس تحديد التقنية المستخدمة . وفي كافة أنحاء الخليج العربي تستخدم مياه الصرف الصحي المعالجة للري وفي بعض المشاريع تم استغلال هذه المياه بشكل أكبر .
ففي نخلة الجميرا على سبيل المثال، تم التخطيط لمعالجة مياه الصرف الصحي من خلال وحدة تعتمد على الأغشية لتصبح صالحة للاستخدام في تبريد المنطقة التي تتطلب وحداتها مياه عالية النقاوة بمستوى مياه الشرب .
وتستخدم محطة الصليبية لمعالجة مياه الصرف الصحي في الكويت تقنية مشابهة باستخدام التناضح العكسي والترشيح العالي بالاعتماد على الأغشية لتنقية مياه الصرف الصحي لإنتاج مياه بجودة مياه الشرب للاستخدام في الزراعة والصناعة .
إعادة الاستخدام
لقد مكنت التقنيات الحديثة لإعادة استخدام المياه معالجة مياه الصرف الصحي لدرجة عالية من النقاوة لتصبح صالحة للاستهلاك البشري المباشر . وفي سنغافورة على سبيل المثال، تم تأسيس مشروع متميز تقوم الحكومة من خلاله بالترويج للمياه المعالجة عالية الجودة تحت اسم نيوواتر . ويتم إنتاج هذا الماء من مياه الصرف الصحي المعالجة التي تمت تنقيتها بشكل إضافي باستخدام تقنيات الأغشية المتطورة وأجهزة العقيم الحديثة .
ويتم إنتاج هذه المياه على درجة عالية من النقاوة وهي صالحة للشرب وقد اجتازت أكثر من 30 ألف اختبار علمي وتجاوزت حتى متطلبات منظمة الصحة العالمية . ولكن بالرغم من أنها تخفف من الضغط على المصادر الطبيعية للماء، فإن هذه العملية تتطلب استهلاك الكثير من الطاقة لذا فهي ليست بالضرورة صديقة للبيئة . بالإضافة لذلك، يصعب للعديد من الناس في دول أخرى تجاوز الحاجز النفسي لشرب مياه الصرف الصحي المعالجة .
وتوفر التقنيات المتطورة مثل إعادة تجديد المياه في الطبقات الجوفية من خلال ضخ مياه معالجة عالية الجودة خياراً قابلاً للتطبيق في سبيل توفير مصادر جديدة لمياه الشرب وكبديل لازمة قدرات الاستمرارية والاستدامة في العديد من المناطق القاحلة .
ولكن بالرغم من أن التقنيات الجديدة تظهر من حين لآخر، فلا شك أن أفضل تقنية تبقى هي ترشيد استهلاك المياه من قبل البشر . فمثلاً بعض الإجراءات البسيطة مثل منع تسرب المياه من الصنابير، استغلال مياه الأمطار، حماية أنابيب الصرف الصحي من التلوث بالمواد الكيماوية الخطرة، والتعامل مع المياه بذكاء يمكن أن تؤدي نتائج رائعة في مجال حماية أهم مصدر طبيعي على وجه الأرض .
ـ مدير تطوير مجموعة الاعمال في شركة «ماتيتو» العالمية لمعالجة المياه
باسم حلبي
