قال زياد الدباس، المستشار المالي في بنك أبوظبي الوطني، إن جزءاً من السيولة التي كانت مترددة خارج السوق بدأت بالعودة إلى قاعات التداول بعدما شعر الجميع أن الأسعار بلغت القاع، مشيرا إلى انه لابد من الاعتراف بان العلاقة لاتزال موجودة بين الأسواق المحلية والعالمية ولكن ليس بالقوة نفسها من الترابط التي كانت عليها خلال الربع الأخير من العام الماضي.

وطالب الدباس في حوار مع «البيان الاقتصادي» الجهاز المصرفي بعدم التردد في إعطاء القروض بضمان الأسهم خاصة بعدما وصلت الأسعار إلى هذه المستويات من التراجع ولعب دور في تنشيط الأسواق، مشددا في الوقت ذاته على ضرورة لعب الأذرع الاستثمارية التابعة للحكومة دورا في دعم أسواق الأسهم من خلال شراء كميات في أسهم الشركات القيادية، مما سيساهم في تعزيز السيولة في الأسواق.وقال: لقد كشفت الأزمة المالية عن العديد من التجاوزات التي ارتكبتها بعض مكاتب الوساطة من حيث الشراء على المكشوف والتشجيع على المضاربة وإدارة محافظ لعدد من العملاء مما أدى إلى إلحاق خسائر كبيرة بالمستثمرين، مؤكدا على ضرورة تخفيض عدد مكاتب الوساطة إلى النصف في ظل تراجع أحجام التداول وبالتالي شح الإيرادات، مما يستوجب قيام الاندماجات بين المكاتب الصغيرة.

ويرى الدباس انه من الطبيعي في ظل شح السيولة عدم وجود سوق للإصدارات الأولية كما اننا لا نشجع على تأسيس شركات جديدة في هذا الوقت، مشيرا إلى وجود مخاوف بعدم قدرة أية إصدارات جديدة على الحصول على التغطية الكافية في حال طرحها للاكتتاب.

وطالب بضرورة تأسيس سوق للسندات في الدولة، قائلا انه ليس من المعقول ان يبقى القطاع الخاص معتمدا على الحكومة في الحصول على السيولة.

وشدد الدباس على انه من غير المناسب وضع قيود على الاستثمار الأجنبي في رؤوس أموال الشركات الوطنية وان اتخاذ أي قرار بهذا الخصوص يجب ان يتم بعد دراسات وافية.

وقال إن هيئة الأوراق المالية بدأت تلعب دوراً مهما من خلال إصدار القوانين والتشريعات التي من شأنها حماية المستثمرين، مشيرا إلى ان إصدار نظام التحليلات المالية سيساهم في إعادة الثقة إلى هذه التحليلات.

وفيما يلي نص الحوار:

كيف تقيّم أداء الأسواق خلال الشهور الثلاثة الأولى من العام الجاري؟

للإجابة على السؤال لابد من الحديث عن الفترة السابقة من التداولات فكما يعلم الجميع ان الخسائر الكبيرة التي لحقت بالأسواق خلال العام 2008 كان جزءا كبيرا منها نتيجة الخوف والحذر المبالغ فيهما الأمر الذي ساهم في تراجع الثقة في التعاملات.

ومع بداية العام الجاري شاهدنا مدى الدعم الذي قدمته الحكومة لتعزيز السيولة في الأسواق من خلال ضخها لكميات كبيرة من الأموال في البنوك مما أعاد للأسواق بعض النشاط، واعتقد ان أداء الأسواق المحلية يعد الأفضل مقارنة مع الأسواق الأخرى في المنطقة.

لقد قامت الشركات بالإعلان عن بياناتها المالية وهي في الأغلب متميزة كما تم توزيع الأرباح على المساهمين سواء كانت نقدية أو منحة ومن وجهة نظري فان أداء الأسواق خلال الربع الأول من العام جيدة بشكل عام، وقد تعززت مؤشرات الثقة بالتعاملات بعض الشيء كما ان جزءا من السيولة المترددة التي كانت خارج السوق بدأت بالعودة تدريجيا إلى قاعات التداول بعدما شعر الجميع اننا بلغنا القاع من حيث الأسعار مما شجع البعض ممن لديه أموال فائضة لاستثمارها في السوق واقتناص الفرصة أو لتعديل مراكز سعرية.

لابد من الاعتراف بان العلاقة مازالت موجودة بين أسواقنا المحلية والأسواق العالمية ولكن ليس بنفس القوة من الترابط كما كان عليه الوضع في الربع الأخير من العام الماضي خاصة بعد خروج سيولة المحافظ الأجنبية خلال شهر أغسطس الماضي.

واعتقد ان ارتفاع سعر النفط مؤخرا وتحسن أداء الأسواق العالمية كان له تأثير ايجابي على الأسواق وذلك إضافة إلى التصريحات التي أطلقها مسؤولون، ومن ضمنهم محافظ المصرف المركزي حول دعم البنوك وتعزيز ملاءاتها المالية وقيام هذه البنوك بتحويل الودائع الحكومية إلى الشق الأول أو الثاني من رأس المال والذي أعطى إشارة ايجابية وعزز الثقة بقطاع المصارف مما انعكس ايجابيا على تعاملات أسواق الأسهم خاصة أسهم البنوك.

يلاحظ أن البنوك رغم الدعم المقدم لها مازالت مترددة في تقديم قروض للمتاجرة بالأسهم؟

نعم هذا صحيح، فمن اللافت للنظر استمرار تردد الجهاز المصرفي بضمان الأسهم أو تقديم القروض للمتاجرة بالأسهم مما يؤثر على حجم السيولة المتدفقة إلى الأسواق، ومن وجهة نظري ان على المصارف الا تتردد في إعطاء القروض خاصة عند هذه المستويات من الأسعار التي بلغتها جميع الأسهم وبالتالي لعب دور ايجابي في تنشيط الأسواق.

كذلك فعلى الأذرع الاستثمارية للحكومة من صناديق أو محافظ القيام بدورها بهذا الخصوص بحيث تقوم بشراء كميات كبيرة من الأسهم خاصة في الشركات القيادية مما سيساهم في تعزيز السيولة في الأسواق.

وربما ليس من قبيل الاكتشاف القول ان على الحكومة القيام باتخاذ إجراءات لدعم القطاع العقاري في الدولة مثل شراء سندات تقوم باصدارها شركات العقار كما فعلت مع البنوك خاصة في ظل عدم إقراض البنوك لهذه الشركات.

كيف ترى واقع مكاتب الوساطة العاملة في الأسواق؟

لقد كشفت الأزمة الحالية عن العديد من التجاوزات التي ارتكبتها مكاتب الوساطة من حيث قيامها بالشراء على المكشوف والتشجيع على المضاربة والبيع بدون الرجوع إلى أصحاب الشأن، وإدارة محافظ لبعض العملاء، وما إصدار الهيئة لتعميمها الأخير بشأن أسلوب التعاملات إلا دليل على استفحال الأمر مما أدى إلى إلحاق خسائر كبيرة بالمستثمرين، وعلى مكاتب الوساطة عدم تشجيع الشراء على المكشوف وذلك نظرا لأنه يساهم في فرض على العملاء في الوقت غير المناسب في أكثر الأحيان.

هناك دعوات لاندماج شركات الوساطة بعد الخسائر التي لحقت بعدد كبير منها، فما رأيك؟

ـ يجب ان يتم تخفيض عدد مكاتب الوساطة إلى النصف في ظل أحجام التداول الموجودة حاليا وانا من غير المؤيدين لوجود مثل هذا العدد من الوسطاء والذي يساهم في خلق منافسة غير شريفة بينهم ويشجع على المضاربات للحصول على اكبر قدر ممكن من العمولة لتسديد مصاريفهم.

واعتقد ان قيام الاندماجات هو الطريقة المثلى لرفع الملاءة المالية خاصة للشركات الصغيرة وليس هناك ضرر من قيام الاندماجات بين 3 أو 4 شركات.

يلاحظ توقف سوق الإصدارات الجديدة في الدولة، فهل ذلك أمر طبيعي؟

في ظل حالة الضعف التي تمر بها الأسواق وشح السيولة من الطبيعي عدم وجود إصدارات، كما اننا لا نشجع أصلا على تأسيس شركات جديدة خاصة وان أسهم غالبية الشركات المدرجة في الأسواق يتم تداولها بأسعار اقل من القيمة الاسمية.

من المعروف ان هناك ارتباطا بين النشاط في السوق الثانوي مع السوق الأولي، واعتقد ان هناك مخاوف في حال تم طرح إصدارات جديدة الا يتم تغطية الأسهم الخاصة بها مما يشكل خطورة كبيرة وإساءة لسمعة الاقتصاد بشكل عام، كما انني لست حتى مع القيام بادراج أية شركات جديدة في الأسواق في هذه الظروف.

إلى أي مدى هناك ضرورة لتأسيس سوق للسندات في الدولة؟

اعتقد جازما ان هناك ضرورة كبيرة لتأسيس سوق للسندات فليس من المعقول ان يظل القطاع الخاص معتمدا على البنوك في الحصول على السيولة لذا لابد من تشجيع إقامة سوق للسندات تتولى الحكومة وضع آليات تنظيمها، وسيساهم هذا الأمر من وجهة نظري في خلق أداة جديدة يمكن من خلالها للقطاع الخاص الحصول على الأموال اللازمة بشروط ميسرة.

هناك دعوات لوضع قيود على الاستثمار الأجنبي في الشركات هل تؤيد ذلك؟

اعتقد ان هذا الموضوع مهم بحيث يجب دراسته بشكل متأن قبل اتخاذ أية قرارات بشأن إعادة النظر في سياسة فتح الشركات امام الاستثمار الأجنبي وتملك جزء من رؤوس أموالها.

هل ساهمت الأزمة الحالية في رفع مستوى الوعي بأهمية إدارة المخاطر، خاصة في الأسواق المالية؟

نعم هذا صحيح لقد ساهمت الأزمة العالمية في رفع مستوى الوعي بأهمية اخذ المخاطر خاصة في أسواق الأسهم بعين الاعتبار من قبل الجميع وعدم النظر إلى هذه الأسواق على انها قنوات استثمارية لتحقيق المكاسب فقط، كما انه أصبح واضحا بشكل كبير عدم صحة استثمار جميع الأموال في أسواق الأسهم بل لابد من التنويع والاحتفاظ بجزء من السيولة وعدم الاعتماد على أموال البنوك وكذلك عدم الاعتماد على الوسطاء في اتخاذ القرارات الاستثمارية.

هيئة الأوراق تعزز الإفصاح والشفافية

قال المحلل المالي زياد الدباس إن هيئة الأوراق المالية والسلع قامت باتخاذ العديد من الإجراءات التي عززت من مباديء الإفصاح والشفافية، لذا فان المسؤولية في وجود أية تسريبات للمعلومات تقع على عاتق إدارات الشركات نفسها في توفير المعلومة للجميع بعدالة وشفافية وبحيث لا يسمح باستخدام المعلومات من أي جهة والاستفادة منها على حساب المستثمرين الآخرين.

وأضاف أن الهيئة بدأت تلعب دورا مهما وقويا وقامت باستثمار الظروف الحالية لإصدار التشريعات والأنظمة التي تخدم المستثمرين بكافة شرائحهم كما أصبح هناك دور قوي للمصرف المركزي بالمحافظة على حقوق المودعين والمساهمين، وتعزيز الثقة بالجهاز المصرفي من حيث عدم الإفراد في الإقراض واتباع المعايير العالمية بهذا الخصوص.

وقال ان إصدار الهيئة لنظام التحليل المالي سيساهم في إعادة الثقة إلى التحليلات الماضية وهي الثقة التي تراجعت خلال المرحلة الماضية خاصة مع إصدار العديد من الجهات العالمية لتقارير ربما لم تكن موضوعية. وأظن ان جميع المعنيين سيعملون على ان تكون التقارير التي يصدرونها خلال المرحلة المقبلة بعيدة عن وجود أية مصالح خاصة، وإنها مبنية على أسس علمية مما سيساهم في إمكانية اعتماد المستثمرين عليها في اتخاذ قراراتهم الاستثمارية سواء بالبيع أو الشراء.

المخاوف تنحسر

قال زياد الدباس ان موجة الخوف التي سيطرت على سلوك المتعاملين في الأسواق بدأ ت بالانحسار تدريجياً، وذلك بعدما وصل الجميع لقناعة بأننا بلغنا القاع من حيث الأسعار، لذا فقد بدأت الاسواق بتخطي مرحلة الخوف خاصة بعد تراجع الأسعار إلى هذه المستويات وتراجع حدة عمليات جني الأرباح مقارنة بما كان يحدث في السابق.

وفيما يتعلق بتفوق الاستثمار الفردي على المؤسسي قال إنه لابد من تشجيع صغار المستثمرين على الاستثمار من خلال الصناديق. وكما هو معروف فان 80% من الاستثمار في أسواقنا فردي فيما 20% استثمار مؤسسي، ومن المفروض ان من ليس لديه خبرة من الأفراد في أسواق الأسهم الاستثمار من خلال الصناديق التي يقوم بادارتها متخصصون. ومن الواجب على الجميع العمل على تعزيز الاستثمار المؤسسي فليس من المعقول ان عدد الصناديق الاستثمارية التي لدينا لا يتجاوز 13 صندوقا فقط.

وبالنسبة للعمل بصناديق المؤشرات المتداولة في الأسواق أضاف: ليس من السهولة على الأسواق التعامل مع أدوات استثمارية جديدة في الوقت الراهن وهذا النوع من الصناديق قد يخدم شريحة محدودة، ومن وجهة نظري اننا بحاجة إلى توعية قبل طرح أية صناديق من هذا النوع، وقد لا يكون أصلا الوقت مناسبا في ظل انخفاض منسوب الثقة بالأسواق.

حوار ـ ناصر عارف