يعمل صنّاع السياسة الاقتصادية بطريقة بعيدة أكثر عن المألوف، ففي صناعة السياسة التقليدية، تخفض المصارف المركزية المعدلات الرسمية، ويقوم وزراء المالية بتخفيض الضرائب أو دفع مستوى الإنفاق ولكن عند الوصول إلى حدود ذلك، كما يحصل مثلاً في حالة وصول المعدلات الرسمية إلى الصفر يمكن لصناع السياسة الاقتصادية نظريّاً فعل الكثير من الأشياء إلا أن تعاملهم مع الأزمة كان ضعيفاً كما توضح ردود فعل الأسواق لتصريحات السياسة الاقتصادية مؤخراً.

لا تزال الأوضاع في الأسواق المالية العالمية بالغة الصعوبة، فأسواق الأسهم تتعرض لضغوط حادّة والقطاع المالي يعاني من ضعف شديد. وعلى الرغم من الأساليب الجذرية والمبتكرة، لا يزال صنّاع السياسة الاقتصادية يحاولون السيطرة على المشاكل التي تواجههم. ولكن، يبقى بين الغيوم الداكنة بريق من الأمل.

لقد توقعنا أن تكون بداية العام 2009 صعبة. وأوضحنا في عمود الشهر الماضي أن معظم أخبار الاقتصاد الكلّي كانت سيئة حتى تاريخه وإن كانت ضمن توقعاتنا. وقمنا بتعديل بعض التنبؤات (على صعيد النمو، والتضخم، وأسعار الأصول)، ولكننا بقينا في نطاق المحور الأساسي المتمثل في أن 2009 سيكون عام ركود ''قاس'' بدلاً من أن يكون بداية لمرحلة كساد اقتصادي طويل. وأنه يتعين على صنّاع السياسة بذل جهود استثنائية لقلب الأوضاع، مستخدمين جميع الوسائل المتاحة أمامهم، وفي نهاية الأمر، سينجحون في إعادة الانتعاش مجدداً. وبعبارة أخرى، توقعنا بأن يكون 2009 عام مرحلة معاناة صعبة وطويلة.

وعلى الرغم من التقلبات الأخيرة في السوق، لا تزال هذه التوقعات تتلاءم مع الأوضاع الحالية. ويبدو أن صنّاع السياسة الاقتصادية يلجأون إلى أساليب تقليدية وغير تقليدية على السواء، تماماً كما توقعنا، كما وأنهم يلجؤون أيضاً إلى تطبيق تلك الأساليب بشكل أكثر صرامة مما توقعنا. وفي نهاية الأمر، سيضع ذلك حدّاً أدنى للانكماش الاقتصادي، ويؤمّن بيئة أفضل للمستثمرين مع مرور الوقت. ولكننا ندرك تماماً أن هناك العديد من المخاطر لتلك التنبؤات، حيث ينطوي اثنان منها على أهمية خاصة.

توضح أخبار الاقتصاد الكلي أن مرحلة الركود هذه مختلفة عمّا سبقها. فمعظم حالات الركود التي وقعت خلال نصف القرن الماضي تطلبت فترة نمو تحت المعدلات لكي تصلح انعدام التوازن الاقتصادي (بين إجمالي العرض والطلب، على سبيل المثال).

ولكن جاءت مرحلة التباطؤ هذه بصورة مفاجئة، وتعزى بشكل كبير إلى الأزمة التي عصفت بالأسواق المالية بدلاً من الاقتصاد الحقيقي. وفي هذا الإطار، تشبه المرحلة الحالية أنواع الأزمات التي كانت تحصل في القرن التاسع عشر، حين كانت الثقة (أو فَيٍفٌ َِّيْيَُّّ كما يصفها جون مينارد كينز) تتبخر بشكل مفاجيء. ففي نهاية العام الماضي، انخفض الناتج القومي المحلي في الولايات المتحدة وأوروبا بشكل كبير وملحوظ لم تتوقعه نماذج الاقتصاد الكلي ؟

مما يدعم النظرية بأن زعزعة في الثقة عطلت العلاقات الاقتصادية المعتادة. وإذا استمر الوضع على هذا الحال، فقد لا تكون السياسات الاقتصادية، المستخدمة لإعادة مرحلة النمو عادةً، مجدية هذه المرّة. وفي عبارة أخرى، هناك خطر واضح بأن يؤدي مستوى الثقة المنخفض إلى مرحلة من الانحدار.

بالإضافة إلى ذلك، قد ينهار النظام المالي في ظل الأمواج المتلاطمة من الأخبار السيئة على صعيدي الاقتصاد الكلي والجزئي. وعلى الرغم من أن صنّاع السياسة الاقتصادية قد أوضحوا أنهم لا يريدون وقوع أية حالات إفلاس ضخمة مجدداً، إلا أن تعاملهم مع الأزمة كان ضعيفاً، كما توضح ردود فعل الأسواق لتصريحات السياسة الاقتصادية مؤخراً.

وقد تسبب عدم الوضوح في خطة الولايات المتحدة الجديدة للثبات المالي، والتي تمّ الكشف عنها في أواخر فبراير، بهبوط حاد في أسواق الأسهم، كما وأنها زادت المخاوف من إمكانية تعرض العديد من المؤسسات المالية (مثل بنك أمريكا وسيتي جروب) للتأميم، في حين بدأ الوقت يفوت على صنّاع السياسة الاقتصادية في ايجاد وتطبيق حلول لمشاكلهم.

وكل ذلك يجعلنا أكثر ترددا في تحديد الحد الأدنى لتراجع السوق. ولكن، في ما يتعلق بموضوع الاقتصاد الكلي، هناك ثلاثة أسباب للاعتقاد بأننا، حتى لو لم نصل بعد إلى نهاية التباطؤ، قد نكون على الأقل في بداية النهاية:

أولاً، من الواضح أن أخبار الاقتصاد الكلي لم تعد دائماً مخيبة للآمال. ففي أواخر العام 2008، كانت المؤشرات الاقتصادية أسوأ من مجمل توقعات الاقتصاديين. أما الآن فبعض الأخبار تأتي أفضل من التوقعات. ففي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا، على سبيل المثال، ارتفعت أرقام البيع بالتجزئة في يناير بعد هبوط متواصل، وبنسبة فاقت التوقعات. وكذلك، سجلت الصين نمواً على مستوى المال والإقراض ؟ بفضل السلطات الصينية التي حثت المصارف على إعطاء المزيد من القروض للشركات والعائلات ؟ نتج عنه ارتفاع للثقة بالأعمال.

ثانياً، بدأت الشركات باتخاذ خطوات تصحيحية لتصريف الموجودات غير المرغوبة، بالإضافة إلى تخفيض مستوى الانتاج (أو العرض) لكي يتماشى مع المستوى المتدني للطلب. وتفيد مرونة مبيعات التجزئة أيضاً بتوقف هبوط مستوى الطلب. لذا، لن تستغرق مستويات العرض والطلب وقتاً طويلاً كي تدرك التوازن مجدداً، وأن تبدأ الشركات بالتخلص من فائض الموجودات غير المرغوبة.

ثالثاً، يعمل صنّاع السياسة الاقتصادية بطريقة بعيدة أكثر عن المألوف. ففي صناعة السياسة التقليدية، تخفض المصارف المركزية المعدلات الرسمية، ويقوم وزراء المالية بتخفيض الضرائب و/أو دفع مستوى الإنفاق. ولكن عند الوصول إلى حدود ذلك، كما يحصل مثلاً في حالة وصول المعدلات الرسمية إلى الصفر، يمكن لصناع السياسة الاقتصادية، نظريّاً، فعل الكثير من الأشياء.

وبعض تلك الأساليب غير المألوفة هي في حيّز التطبيق الآن: ففي الأسابيع الأخيرة، لم يتضح فقط أن السلطات في الولايات المتحدة تتابع تقديم المحفزات بطرق غير عادية لرفع مستوى الطلب، بل أن غيرها تلقى الرسالة أيضاً. حتى في المؤسسات الأكثر تحفظاً مثل المصرف الأوروبي المركزي ومصرف اليابان، تجري نقاشات وتتخذ قرارات حول كيفية هندسة أساليب ضخ الأموال، ضمن معايير أخرى.

وفي وسط كل هذا، ومع الهبوط السريع لمعدلات الفوائد قصيرة المدى نحو الصفر، يتطلع المستثمرون إلى تحويل أموالهم إلى أصول ذات قابلية ربحية، على الرغم من أن ذلك يعرضهم للمزيد من المجازفة. وتوقعنا أن هذه العملية ستكون سطحية فقط وتنطوي على أصول من فئات المجازفة المنخفضة (مثل الاستثمار في السندات ذات الجودة) في باديء الأمر. ولكن، في الواقع، كان الأداء الائتماني جيداً حتى الآن على صعيد المجازفات المنخفضة والمرتفعة على حد سواء.

بالإجمال، ومع مرور هذا العام، نتوقع أن يكون مجدياً للمستثمرين أن يتخذوا خطيً أكثر حزماً باتجاه فئات الأصول الأكثر مجازفة. أمّا القصة الأكثر سلبية حول تعافي الناتج القومي المحلي، والذي سيأتي بعد وقت أطول، في مستوى أضعف وبوتيرة أبطأ ؟ تشير إلى أنه قد يكون من الضروري الانتظار لوقت أطول قبل العودة إلى مستوى محايد/مرتفع على صعيد الأسهم.

ولكننا ما زلنا نظن أن الحال سيكون كذلك في وقت لاحق من العام، ولكن ربما ليس قبل النصف الثاني. والمهم جداً لتحقيق ذلك هو تفاصيل ؟ والتي تعني مصداقية - خطة الولايات المتحدة الجديدة للثبات المالي، إلى جانب ردة فعل العائلات على تخفيضات الضرائب. وختاماً، في حين قد يبدو العالم مظلماً أكثر مما كان عليه منذ شهر، فهناك بصائص من الأمل بأن يدرك الاقتصاد العالمي ومعه السوق نهاية للتباطؤ.

ـ يشغل مايكل ديكس حالياً منصب العضو المنتدب رئيس

الأبحاث والاستراتيجيات في باركليز ويلث

مايكل ديكس

خاص «البيان الاقتصادي»